سنوات زوج أجاثا كريستي في ليبيا ومصر والعراق

قلم: سمير عبدالرحيم الجلبي
أجاثا كريستي مع زوجها الثاني ماكس مالوان

أمضى ماكس مالوان، عالم الآثار البريطاني وزوج الكاتبة البريطانية الشهيرة أجاثا كريستي، عدة سنوات في ليبيا عقب نشوب الحرب العالمية الثانية ليس في مزاولة عمله الأصلي في التنقيب عن الآثار بل بوصفه طيارا في قرع الواجبات الإدارية والخاصة عام 1941!

يتحدث مالوان في مذكراته التي ترجمتها ونشرتها دار المأمون للترجمة والنشر عام 1987عن قبيلة أولاد سليمان في ليبيا التي كان لها نزاع استمر عقدين بشأن مياه الآبار مع قبيلة المجراحة الأكبر منها عددا، وهي القبيلة التي ينتمي إليها المجراحي المتهم بتفجير طائرة لوكربي، وكانت القبيلة الأولى في منطقة تحت الإدارة البريطانية بينما كانت القبيلة الثانية تحت الإدارة الفرنسية.

وكان مالوان قد عمل أولا آثاريا متدربا في موقع أور الأثري في جنوب العراق في الأعوام 1925 إلى 1931 مع عالم الآثار ليونارد وولي وتعلم هنالك لهجة العمال العراقيين وفي أور كذلك التقى عام 1930 أجاثا كريستي أول مرة وتزوجها في السنة نفسها. وعمل عدة سنوات في عقد الثلاثينيات في أعمال التنقيب الأثرية في تل الأربجية شرقي الموصل وفي سورية قبل الحرب.

يقول مالوان في مذكراته إنه لاحظ أن اللهجة التي تستعملها تلك القبيلة كانت مفهومة لديه بينما كانت اللهجة المختلطة لمنطقة طرابلس غريبة عليه، وتساءل عن سبب استطاعته التحدث بسهولة إلى أفراد قبيلة أولاد سليمان. وبعد الاستفسار اكتشف أن هذه القبيلة كانت قد نزحت قبل ذلك بنحو ثلاثمائة سنة من نجد وأن أفرادها يتحدثون بلهجة عربية تعود عليها في أور حيث كان عدد كبير من العمال على صلة وثيقة بالنجديين، وتحافظ النساء على اللهجة العربية للقبيلة عندما يربين الصغار في السنوات الأربع أو الخمس الأولى من حياتهم وهكذا تحفظ اللهجات القبلية من الهجنة فيما بعد.

انضم مالوان إلى وزارة الطيران البريطانية عام 1942 عندما كانت لندن تتعرض لقصف الطائرات الألمانية. ونقل إلى القاهرة وكانت مهمته الأولى إدامة اتصال فعال بالقوة الجوية التابعة لفرنسا الحرة وبالقوة الجوية البولندية والتشيكية.

وبعد عام كامل من العمل في مقر قيادة القوة الجوية في الشرق الأوسط بالقاهرة تطوع عام 1943 للعمل موظفا للشئون المدنية حيث كانت هنالك حاجة إلى أشخاص لهم معرفة بالبلاد العربية. ثم غادر إلى طرابلس التي وصلها وأقام في فندق كان القائد الألماني رومل قد أخلاه قبل ذلك بيوم أو يومين.

عمل هناك مساعدا للعقيد روث مسئول الشئون المدنية الأقدم في المحافظة الغربية وكان مقرها في صبراتة، وهي مدينة فينيقية قديمة مطلة على البحر غنية بالآثار والمعابد والحمامات والبيوت الرومانية وضمت مسرحا ممتازا عمَّره الإيطاليون واستخدموه في عرض بعض المسرحيات الكلاسيكية.

ثم نقل مالوان إلى المحافظة الشرقية ليعمل في واحة منعزلة تدعى هون على حافة منطقة فزان المجاورة للصحراء. وكان الإيطاليون قد زرعوا واحة هون بالألغام قبل جلائهم. ونقل بعد عام واحد إلى مسراطة الساحلية ثم عمل مستشارا في الشئون العربية في طرابلس طوال عام. ومنحه العمل في الإدارة البريطانية في ليبيا اطلاعا شاملا على شئون البلاد عامة ويروي في مذكراته أنه ساعد في إنقاذ مدينة طرابلس من انتشار الطاعون بحرق مسكن واسع وقذر من الطين بالقرب من مركز المدينة مع الأغطية والبطانيات وعزل سكانه فترة من الزمن.

لدى عودة مالوان إلى بريطانيا والتقائه ثانية بزوجته أجاثا كريستي عمل برتبة عميد طيار في وزارة الطيران حتى تسريحه من الخدمة العسكرية عام 1945.

الكاتبة البوليسية وعالم الآثار
عين مالوان بعد الحرب أستاذا لآثار غربي آسيا بجامعة لندن، وهو منصب تولاه حتى انتخابه، زميل في كلية اول سولز بجامعة اوكسفورد عام 1962. كما أصبح مدير المدرسة البريطانية للآثار في العرق (1947-1961) وقاد استئناف العمل في نمرود ونشر النتائج في كتابه نمرود وبقاياها عام 1966. كما أنه وصف أعماله في كتابه المعنون "خمسة وعشرون عاما من اكتشاف بلاد الرافدين" (1956).

توفيت أجاثا كريستي عام 1976 وفي العام التالي تزوج باربارا هاستينغس، عالمة الآثار التي عملت معه في نمرود، وتولت منصب سكرتيرة المدرسة البريطانية للآثار في العراق، وشاركت في المؤتمر العالمي الأول لآثار بابل وآشور وحمرين الذي عقد في بغداد عام 1978.

توفي ماكس مالوان في 19 أغسطس/آب 1978. وبقيت أرملته باربرا على قيد الحياة حتى عام 1993.