'سنوات الجوف' .. كتاب جاء في وقته!

إضافة انتروبولوجية هائلة

عندما علمت - عن طريق (ثقافية) صحيفة (الجزيرة) - أن «الزميل» سابقاً في (مجلة اقرأ) ولاحقاً في (الجزيرة)، والصديق العزيز - بامتداد الأيام - الدكتور عبدالواحد الحميد قد صدر له كتابٌ عن طريق مركز عبدالرحمن السديري الثقافي بعنوان: "سنوات الجوف - ذكريات جيل"، يروي فيه قصة حياته، والجيل الذي تزامن معه مكانياً في تلك المنطقة (الطرفية) النائية: (الجوف) وعاصمتها (سكاكا)؛ كنت أسابق نفسي إلى (جوَّاله): مهنئاً بهذا الإصدار وسائلاً عن نسختي منه؟ ليبعث إليّ عن طريق (البريد) الذي لم يتأخر بنسختين: واحدة لي، والأخرى لصديقنا المشترك الدكتور عبدالله دحلان - الأمين العام الأسبق للغرفة التجارية الصناعية بجدة، ورئيس مجلس أمناء جامعة الأعمال والتكنولوجيا الأهلية حالياً، لأسعد برؤية الكتاب، الذي كان متوسط الحجم، وبلغ عدد صفحاته أكثر من ثلاثمائة صفحة، بينما توسطت (الغلاف) (صورة فوتغرافية) لـ (الغلام): عبدالواحد الحميد وهو بين العاشرة والحادية عشرة من عمره تقريباً تعكس براءة وبساطة أيام الخمسينيات والستينيات التي عاشها جميعاً في منطقة (الجوف) وبين أزقة وحواري مسقط رأسه مدينة: (سكاكا)، إذ لم يغادرهما نهائيا إلا عندما حصل على (ثانوية الجوف)، وأخذ يبحث عن جامعة يدرس بها (الاقتصاد)، الذي نصحه بـ (دراسته) مدرس الأدب: الأستاذ سليمان أبو عيده رغم حبه لـ (الصحافة) وتعلقه بدراسة (آداب اللغة الانجليزية) ليستقر رأيه بعد مفاضلة سريعة بين (الرياض) حيث جامعة الملك سعود و(جدة) حيث جامعة الملك عبدالعزيز على الذهاب إلى (جدة) والالتحاق بـ (كلية الاقتصاد والإدارة) وليس بـ (كلية التجارة) كما هو مسماها، الذي لم يعجبه في جامعة الملك سعود، إلى جانب ميزة أخرى رجحت بها كفة اختيار (جدة) عن (الرياض) هو وجود عدد كبير من الصحف (البلاد، والمدينة، والندوة، وعكاظ).

وقد كان هو نفسه - آنذاك - مراسلا لجريدة (الندوة) من الجوف، ليصحبه عمه في رحلة الذهاب إلى (جدة) ويلتحق بـ (كلية الاقتصاد والإدارة)، لتتواصل نجاحاته دراسياً ووظيفياً عاماً بعد عام إلى أن أصبح نائباً لوزير العمل الدكتور غازي القصيبي: الهرم الإداري والأدبي والشعري الأكبر.

أعود بعد هذا الاستطراد، إلى الكتاب نفسه "سنوات الجوف" وأطول فصوله الخمسة عشر.. فصل (أيامنا وليالينا الجميلة) الذي جعلني - أثني بـ (قراءته) بعد قراءتي لفصل (سحر القراءة)، لأتعرف على أيام وليالي أهل الجوف (الجميلة) التي كنت أستبعد وجودها أصلاً في تلك (الصحراء) الجافة، و(القلة) المتناهية، و(الخدمات) الغائبة، ليفاجئني الدكتور عبدالواحد ويمتعني - في بداية الفصل - بـ (حكاية) ذلك البدوي (الفيلسوف) من أهل الجوف الذي عندما سئل عن أمنيته؟ فقال: (ليت الروض أخضر، والليل أقمر، وأنا لا أكبر ولا أصغر)! لأجد أن جمال الأيام والليالي كان في تلك العلاقات الأخوية العميقة التي تربط أهل سكاكا بـ (بعضهم) فـ (أبناء) سكاكا كلهم أهل لبعضهم البعض: الكبير فيهم أباً لـ (الجميع)، والصغير منهم أخاً للجميع، فإذا جاء رمضان تلاقى الجميع مع غروب الشمس أمام دورهم لتناول وجبة الإفطار فـ (الصلاة) فـ (العشاء) فـ (التراويح) فـ غناء (السامري).

وإذا أقبل (العيد) أخذوا يغنون: (بكره العيد.. والخضاب الليلة) وهم يرقصون على تلك الأرجوزة البسيطة التي وصفها الدكتور الحميد في كتابه بـ (الخالدة)، فإذا جاء العصر اصطفوا ليعرضوا عرضة أهل الجوف، فإذا تقدم بهم الليل أخذ المغنون يشعلون الليل بأغانيهم وأوتارهم تماماً كذلك الذي يصنعونه في أفراحهم، أما في الأيام العادية، فإن حفلات المسرح المدرسي الأسبوعية والشهرية تقوم بدورها في تقديم المسرحيات عن الكفاح الجزائري والفلسطيني حيث يصدح صوت فيروز بـ (نواحها) وغنائها عن القدس وهى تنادي:

يا جسراً خشبياً.. يسبح فوق النهر

ضحك الفجر وحيا.. وصحت قمم الزهر

يا جسرا ًخشبيا

لونك فرح الماء.. وبك العطر يجن

أخشابك أفياء.. تحت الخطو تئن

يا جسرا ًخشبيا

وبصمت ٍ وصفاء.. ينطلق الأردنّ

يزرع في الأوداء.. موسمه القدسيّ

يا جسرا ًخشبيا

لأنتقل بعد ذلك إلى الفصل (الرابع عشر). الذي جاء تحت عنوان: (هذا ما كان يشغلنا)؟ بحثاً عن إجابة أو إجابات عن ذلك الذي يمكن أن ينشغل به مجتمع (الجوف) الصحراوي الريفي المعزول في شمال صحراء الجزيرة العربية، ليفاجئني الدكتور عبدالواحد في مطلع الفصل بقوله: "لم يكن أهلها مقطوعي الصلة بالحياة الصاخبة من حولهم"، فقد كان شباب الجوف - كما قال "أكثر استيعاباً وارتباطاً وتفاعلاً مع الأحداث الخارجية من حولهم، وخاصة الأحداث العربية" لقربهم من منطقة الهلال الخصيب (العراق والشام وفلسطين والأردن) معتمدين على إرسال إذاعة (صوت العرب)، الذي كان يصلهم بكل وضوح وجلاء، ويجعلهم يستمعون (للأخبار) ويتأثرون بـ (تحليلات) وتعليقات المذيع المصري الأشهر - انذاك - أحمد سعيد، ومقالات الأستاذ محمد حسنين هيكل وخطب الرئيس جمال عبدالناصر التي كانت تنقلها إذاعة (صوت العرب) ساعة بساعة على أن أحداث جنوب شرق آسيا التي شغلت العالم كله في ستينيات القرن الماضي بين (الفيتناميين) والصراع بين ثوار (الفيتكونغ) وفيتنام الجنوبية لم يكن غائباً عن شباب الجوف والانتصار له ضد الولايات المتحدة الأميركية وسياساتها الداعمة لـ (فيتنام الجنوبية). لقد كانت (السياسة).. هي القوت اليومي لـ (الشباب)!

لأنتقل بعد ذلك إلى الفصل (السابع) الذي جاء تحت عنوان: "أم الدينا.. والحداثة المبكرة".. لأتعرف على أي أم من أمهات الدنيا يتحدث؟

أهو يتحدث عن (أم الدنيا) التي نعرفها.. وهي (مصر)؟ أم يتحدث عن أم أخرى لا نعرفها، لأفاجأ بأنه فعلاً يتحدث عن أم أخرى لا نعرفها، هي مدينة (عرعر) التي تبعد شمالاً عن (سكاكا) بـ (مائة وخمسين) كيلاً شاقة مضنية لا يقطعها المسافر في أقل من أربع عشرة إلى ست عشرة ساعة وهي (أم الدنيا.. بالنسبة لنا) كما قال الدكتور عبدالواحد، ومعه ألف حق! فهي مدينة حديثة أقامتها شركة (التابلايين) عام 1954 على أحدث نسق معماري: فهي مخططة الشوارع والميادين، وبها الكهرباء والماء والصرف الصحي، والمباني الجميلة والمطاعم والمقاهي والمعارض الفاخرة وسيارات الأجرة التي يتنقل بها المواطنون من مكان إلى مكان، وهو ما لم تعرفه مدينة (سكاكا)، وبها التلفزيون وقاعة للعروض السينمائية، وهي المدينة الوحيدة التي تُضاء شوارعها ليلاً في قلب تلك الصحراء المترامية، ولها ما هو أهم وأعظم من كل ذلك: (مستشفى عرعر) أو (بدنة) أو (التابلايين) الذي يقدم خدماته الصحية الحقيقية مجاناً لكل قاصديه، والذي أنقذ حياة عشرات ومئات الأشخاص.

وإذا كانت شركة (التابلايين) لنقل النفط من شرق المملكة إلى الشواطئ اللبنانية على البحر الأبيض المتوسط، قد توقفت مع منتصف سبعينيات القرن الماضي، ورحل معها موظفوها وعمالها إلا أنها تركت من خلفها (ميراثاً) حضارياً وثقافة في كيف تكون الحياة، وكيف يعيشها الناس؟

على أي حال لم يترك الدكتور عبدالواحد في كتابه "سنوات الجوف" الجميل في أسلوبه، والجديد في موضوعه، صغيرة ولا كبيرة عن (الجوف) وأهله وحياته وعاداته وتقاليده، وعن أساتذته وزملائه.. إلا وأوردها.. حتى (الطرائف) التي كان هو بطلها شخصياً لم يتردد في ذكرها. كقوله: إنه كان يجلّد دفاتره وكتبه بـ (أوراق الصحف والمجلات) التي بها بعض مقالاته أو رسائله الإخبارية، التي كان يبعث بها من (الجوف) إلى كل من (مجلة الجزيرة) الأسبوعية والشهرية، أو لصحيفة (الندوة) من باب الاستعراض الشخصي! أو عندما نشرت له مجلة الجزيرة - ولأول مرة في حياته الصحفية - قصة قصيرة بعنوان (صدى)، فكان من فرط سعادته بنشرها أن أخذ المجلة، وهبط بها إلى الشارع في (سكاكا) لعل أحداً يسأله عما بداخلها؟ ولكن أحداً لم يسأله، ولم يدر عن الحكاية كلها!

ليبقى (الكتاب) بعد هذا: إضافة (انتروبولوجية) هائلة عن (الجوف) وأرضه وأهله وحياته ما كنا سنعلم عنها لولا الجهود التي بذلها الدكتور عبدالواحد الحميد في كتابة هذا الكتاب، وإخراجه.

كاتب وصحفي سعودي ورئيس تحرير مجلة "اقرأ" سابقا