سنموت .. يهندس التاريخ لحتشبسوت

كتب ـ عبدالمنعم عبدالعظيم
حالة فريدة

تجذبني شخصية "سنن موت" الوزير الأول لملكة مصر الخالدة حتشبسوت أولا لأنه بلدياتي، فهو من مواليد ارمنت مدينة الإله مونتو اله الحرب والضراوة، مثلي. وفوق أنه سياسي قدير، كان مهندسا من أولئك البنائين العظام، ويكفيه فخرا أنه مصمم وباني الدير البحري التحفة المعمارية الخالدة في هذا المكان المميز من جبل ممونونيا.
كانت حتشبسوت في سن العشرين عندما قضى أبوها تحتمس الأول نحبه بعد خمسة وعشرين عاما في الحكم. استراح من الحياة وذهب إلى السماء ليختلط بالآلهة.
كانت هي وريثة العرش باعتبار نقاء دمها الملكي، وتم تتويجها، فقد كانت شريكة أبيها في الحكم في أواخر أيامه, ولكن تقاليد البلاط ودسائس الكهنة بدأت تتدخل لأن فكرة ولاية امرأة تغضب كثيرا من الناس، فتحتم إشراك أخيها غير الشقيق تحوتمس الثاني، وحتى لا تثير القلاقل تزوجته وأشركته معها في الحكم.
كان تحوتمس شخصا واهن الصحة ضعيفا مريضا، وبدأت حتشبسوت تحكم باسمه كفرعون وتمسك مقاليد الحكم وتسوس الدولة. ولم يلبث أن تدهورت صحته ومات عام 1501 ق. م بعد أن أنجب من الملكة ابنتين شرعيتين.
وبعد رحيل تحوتمس الثاني خشى الحزب العسكري وكهنة آمون أن تجلس حتشبسوت على العرش منفردة. وخلال حفل ديني حمل الكهنة تمثال آمون من قدس الأقداس، فتجول التمثال هنا وهناك، وكأنه ينشد ضالته على طريقة النعش الطائر في عصرنا، ثم توقف في مواجهه الشاب تحوتمس بمكان يعرف بموقف الملك، وبذلك أعلن آمون عن فرحته بابنه تحتمس الثالث ونصبوه وريثا للعرش، وكان ابنا لتحوتمس الثاني من زوجة ثانوية تدعى ازيس، وبهذه المؤامرة أصبح ملكا على مصر وهو لا يزال طفلا لم يبلغ الحلم.
وقد نصبت حتشبسوت نفسها وصية عليه وعلى ابنتها، زوجته نفرورع، التي كانت قاصرة كذلك، ولم تلبث أن انفردت بالحكم وأعلنت نفسها ملكة شرعية على البلاد.
لقد كانت حتشبسوت المرأة الرجل حقا. حياتها لم تعرف الأنوثة، مثلت نفسها في ملابس الفرعون، ونراها على مسلتها في هيئة شاب يافع يلبس التاج الأزرق المنتفخ يطل منه الصل الملكي فوق الجبهة، وفوق صدرها عقد الملك ذو السبع بردورات أو الستة صفوف وفي خصرها المئزر يغطي ساقيها حتى فوق الركبة وهي تركع بين يدى آمون رع.
وفي صورة أخرى تظهر بلحيتها المستعارة كعادة الملوك الفراعنة، وهي في جميع صورها ثمثل مفلطحة الصدر وقد رفعت تاء التأنيث من اسمها، فهي ملك مصر لا ملكتها، وهي حتشبسو وليس حتشبسوت.
كانت حتشبسوت الحبل الذي تعتصم به مصر السفلى والعماد الذي تعتمد عليه مصر العليا، وكانت الدفة المستقيمة للدلتا والسيدة التي تدير الخطط وتصدر الأوامر فينزل السلام على وجه الأرض.
كان اسم تحوتمس الثالث يظهر في النقوش خلف اسم عمته في أول الأمر ثم لم يلبث أن اختفى طوال فترة حكم عمته، حتى تولى الحكم وحده بعد موت الملكة المعظمة.
لقد تولت هي الحكم منفردة حوالى اثنين وعشرين عاما من 1505 إلى 1483 ق.م، وبالرغم من ذلك فإننا لا نجد لها اسما في القوائم الملكية المعروفة، وتم محو اسمها من الخراطيش الملكية، وضرب على الخطوط التي تمثل شخصيتها في الصور الحائطية.
لقد استطاعت الملكة الاستئثار بالحكم مستندة إلى قوة حزب قوي في البلاط الملكي يتكون من سنموت الوزير والمعماري الكبير، وكان سنموت هذا شديد الزكاء جم النشاط، ثم هابو سنيت كبير الكهان، ثم نه سي حامل الأختام، ثم وزير الخزانة.
وكانت حتشبسوت تؤكد أن أباها تحوتمس الأول هو الذي اختارها وأعدها لتولي العرش، وأن الآلهة آمنت على اختياره. وتدعى أن أباها الحقيقي هو آمون نفسه وترسم على جدران بهو الميلاد قصة حمل أمها بها، فتعلن على رؤوس الأشهاد قصة ميلادها الإلهي الذي يثبت حقا لها لا ينازع. فأبوها الإله آمون رع يجتمع في الصور بأمها الإنسانية احماسى على سرير له رأس أسد وأرجله مخالب أسد وتلتف الساق بالساق في حماية إلهة السماء نيت وإلهة أخرى تدعى سلجت، وتمثل آمون رع لأمها بشرا سويا وتقمص صورة ملك الشمال والجنوب تحتمس الأول ودخل على الملكة في خدرها الجميل لينجب منها ابنته الالهية حتشبسوت.
وطوال فترة حكمها ظلت حتشبسوت تكرس حياتها لصناعة السلام والحضارة وأمرت بوقف الغزوات والفتوح وظلت تعمر الدروب إلى المحاجر وتوجه البعثات التجارية إلى البلاد وتصنع الرخاء والتقدم.
وبقي تحوتمس الثالث منزويا عن الحكم حتى ماتت، ولما اختفت أخذ ينتقم منها، ومن كل من كان في رحابها والعاملين في بلاطها، ثم في القضاء على آثارها وآثارهم.
كان سنموت أهم شخصية في بلاط حتشبسوت، وقد رأى بثاقب نظره أن زواج حتشبسوت من أخيها تحوتمس الثاني كان زواجا صوريا ليظهر أمام الشعب المصري أن على أريكة العرش فرعونا، ولكن الواقع أن حتشبسوت كانت هي المسيطرة على البلاد لأنها الوارثة الحقيقية للعرش.
وظل ابنه تحوتمس الثالث يمقت حتشبسوت التي كانت تتجاهل والده مدة حياته، واتخذت من اعتلال صحته فرصة للسيطرة على شئون البلاد، وكان يرقب تكوينها لحزب يضم بين أعضائه كل رجال الدولة المخلصين الذين أظهروا مهارة وحذقا من أبناء جيلها لتستعين بهم في قضاء مآربها.
كان أول من وقع اختيارها عليه سنموت مدير بيت آمون، وكان شابا نشطا يسترعى محياه النظر قادرا طموحا رأى بثاقب نظره أن الفرصة سانحة ليكون له مجدا خالدا.
أما حتشبسوت ومنذ وقع بصرها عليه اتحدت روحها بروحه وكان مستقبلها مرتبطا تمام الارتباط بأمر وصايته على ابنتيها، ومنذ اللحظة التي وطدت فيها أركان الوصاية على العرش بدا نجم سعد سنموت السياسي يظهر في الأفق ويسطع. كانت أول خطوة فعلتها حتشبسوت أن جعلت سنموت المربي الأول لابنتها الملكية وأميرة الأرضين والزوجة الملكية نفرورع ومدير البيت العظيم لأملاكها وأملاك ابنتها وكان شريكا فعليا في حكم البلاد.
كان سنموت ينحدر من أسرة متواضعة لم يكن والداه من أصحاب المكانة في الحياة الاجتماعية، فقد كان والده الذي يدعى رعموسي فلاحا رقيق الحال أو جنديا بسيطا قامته قصيرة نحيف ومسن، ولكنه زكي ووالدته السيدة حات نوفر الملقبة تيو تيو ربة بيت عجوز بدينة قصيرة، وكان له ثلاثة أخوة لم يتبوأ واحد منهم مكانة في الدولة باستثناء أخيه سن من الذي استعان به كمساعد له في إدارة شئون الأميرات.
وتزوج سنموت من امرأتين إحداهما تسمى تفرت حور، والثانية اع حوتب، ولم يخلف أولادا. وكان يحمل لقب كاهن السفينة المقدسة للإله آمون ورئيس كهنة معبد مونتو في آرمنت، وكان إداريا من الدرجة الأولى، بدأ حياته في إدارة ضياع آمون الشاسعة بمعبد الكرنك، وكان المشرف على الغلال والمخازن والحقول والحدائق والماشية والعبيد، ومراقب قاعة آمون بوصفه مدير البيت العظيم ومدير كل أشغال الملك.
وأصبح في عهد حتشبسوت تحت إدارته كل ثروة البيت المالك ومدير البيت العظيم للملكتين حتشبسوت ونفرو رع والمراقب والمشرف على كل المشرفين لكل أشغال فرعون. كما كان المسيطر على عبيد الفرعون والمالية والأسلحة وقصر التاج الأحمر، يضاف إلى كل هذه الوظائف الرفيعة وظائف أخرى كان لا يشغلها غير المقربين جدا مثل إعداد أدوات الزينة الملكية للزيارات الرسمية، وملاحظ الغرفات الخاصة والحمام وغرفة النوم أيضا.
ولا شك أن سنموت كان قد انخرط في سلك الجندية قبل عهد حتشبسوت بفترة طويلة الأمر الذي مهد له الوصول إلى هذه المراكز الرفيعة، وكان يقال عنه إنه مواطن قوي الساعدين، وكان يعرف بذهب العزة والشرف.
واسم سنموت معناه الأخ المنتسب إلى الأم، ولقد كان أخا أقرب إلى الملكة من تحوتمس أخيها غير الشقيق وزوجها.
إن القليل من الفنانين خلفوا وراءهم هذا الكم من الشواهد، ففي جميع المعابد التي تتعرف فيها على بصمته كمعماري نجد له تماثيل أثناء أدائه لمختلف وظائفه، فها هو في معبد آمون والأقصر وموت في اشرو والدير البحري وارمنت وأدفو وبوهن ودير الرمي، إنه مجدد ومبدع.
وهناك ظاهرة فريدة، فسنموت يملك مقبرتين الأولى في تلال شيخ عبد القرنة، والثانية كشف عنها وينلوك في شتاء 1926/1927 في الدير البحري، وهي تتميز بسمات ترفع سنموت في مرتبة أعلى من عامة الشعب وسائر الأعيان وترتيب المقبرة ونظامها، يدعوان إلى استنطاق معنى شديد التميز، إنها تقع في الحرم المقدس للدير البحري وتشير إلى صلة وثيقة بين الملكة ومهندسها ورغبة مؤكدة في توحيد شعائرهما الجنائزية، فتخطيط مقبرتة والمقبرة الملكية واحد، وشكل التابوتين واحد ومنقوش اسم حتشبسوت على جميع جدران المقبرة، كما أن النصوص الدينية التي نقشت فيها لا تظهر إلا في المقابر الملكية.
هل كان لدى سنموت من الأسباب التي تجعله يقف على قدم المساواة مع مليكته ويتقدم الملك نفسه؟
يعتبر سنموت حالة فريدة في تاريخ مصر القديمة، فاسمه في أفضل الأماكن المميزة في المعابد ويصور هو وحتشبسوت أمام الإله.
هل كان يغتصب امتيازات ملكية أم أنعمت إليه بهذه الامتيازات، لقد منح سنموت امتيازات ذات شأن لم يسبقه أحد إليها من الشعب.
وشطحت الأخيلة ونسجت الكثير حول علاقة حتشبسوت بمهندسها المعماري، أكان أخا اكثر التصاقا من أخيها الزوج تحتمس الثاني؟
وصنعت بنات أفكار البعض قصة حب وقيل إن ممرا سفليا كان يربط حجرة دفن سنموت بحجرة دفن حتشبسوت بغية أن تلتقى كاءاهما (روحهما) في الحيوات المتكررة، وإن كان هذا الممر مجرد مشروع لم ير النور.
وفيما بعد حكم على اسمه أن يزوي في غياهب النسيان، وقيل إن مناصرته لحتشبسوت هي السبب. ومن الثابت أنه توفى قبل وفاتها، وعزل قبل وفاته من حتشبسوت نفسها، ولم يدفن في مقبرته، وهشم اسمه من على جدرانها بالمطرقة في حين بقى اسم حتشبسوت.
لقد تميز سنموت باعتباره مهندسا معماريا، لا مثيل له، فعرف كيف يقيم في طيبة مساكن جديرة بالإله فالثورة الفنية التي ابتدعها تواصلت واستمرت. وكانت علاقته بحتشبسوت مبنية على تقديرها وإعجابها بفنه وسياسته وقدراته الإدارية، ولم ترقي بكل المقاييس إلى علاقة عشق إنساني كما توهم البعض من علماء التاريخ.
لقد أجاد سنموت، فنال هذه المكانة ونال رضاء الملكة كفنان ومبدع وإداري.
كان يجمعهما ذلك الحب الذي يسمو بالعواطف، ويرتفع فوق الشهوات، لقد تعاملت معه الملكة التي تقمصت دور الرجال كرجل. عبدالمنعم عبدالعظيم ـ الأقصر (مصر)
مدير مركز دراسات تراث الصعيد الأعلى Monemazim2007@yahoo.com