سنة على القرار 1701: التداعيات وآفاق المستقبل

بقلم د. خليل حسين

من مفارقات القرار 1701 صدوره وسط مشاريع كانت تحضر للمنطقة برمتها، إلا أن تداعيات ونتائج العدوان الإسرائيلي على لبنان أعاد خلط أوراق كثيرة محلية وإقليمية ودولية، ما أثر بشكل واضح على القرار وكيفية التعامل معه، فما هي تداعياته بعد سنة على صدوره؟ وما هي آفاقه المستقبلية في لبنان والمنطقة؟
فالقرار الذي يعتبر من أشد القرارات الدولية دقة وحنكة في الصياغة وبالتالي توليف الأهداف والغايات المبتغاة منه، ترك آثارا لافتة لبنانيا وإقليما ودوليا بحيث تمكن كل طرف من أطرافه من أخذ ما يريد منه وتأويله وفقا للكيفية القانونية والسياسية التي تناسبه فيما أهمل جوانب كثيرة تعتبر من صلب الأهداف التي حاول الوصول إليها.
لبنانيا، تمكنت المقاومة بشكل واضح من ترتيب أولوياتها، المتمثلة بالحفاظ على السلاح دون المس به أو التعرض له عمليا، بل أن تصريحات قياداتها تؤكد زيادة السلاح كما ونوعا، فيما الانتشار العسكري للقوات الدولية مع الجيش اللبناني في جنوب الليطاني لم يؤثر عمليا على فعالية المقاومة وسلاحها. واللافت في ذلك أن عددا من الخروق والاستفزازات الإسرائيلية قد حصلت، إلا أن ردا من المقاومة لم يحصل، ذلك بفعل القراءة السياسية الدقيقة للقيادة السياسية للمقاومة التي تدرك حدود التحرك وكيفيته زمنا ومكانا.
في المقلب اللبناني الآخر ثمة تباين واضح في تقييم العدوان ونتائجه ومفاعيله، ففيما اعتبرت المقاومة وفريق المعارضة أن نصرا موصوفا وغير مسبوق في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي قد تحقق وباعتراف إسرائيلي واضح، تمسك فريق الموالاة بحجم الخسائر المادية التي لحقت بلبنان لتقويض النصر وتحجيمه، الأمر الذي أدى إلى شرخ واضح أرخى بظلاله على مختلف القضايا اللبنانية ومنها كيفية التعاطي مع القرار 1701 ومندرجاته.
أن أبرز نقاط القرار من وجهة النظر اللبنانية هو موضوع التوصل إلى وقف لإطلاق النار الذي لم ينص عليه القرار وربطه بأمور أخرى واكتفى آنذاك بوقف الأعمال العدائية، ما يثير جملة تساؤلات حول مستقبل تطبيقه من وجهة النظر الإسرائيلية تحديدا، وبالتالي بقاء الموضوع مرتبطا بالكيفية التي ستسير بها الأمور مستقبلا.
إسرائيليا، وان كان القرار بمثابة حفظ ماء الوجه السياسي لإسرائيل، إلا أن تداعيات نتائج الحرب قد أتت عمليا على الصف العسكري وبعض القيادات السياسية، ذلك أن التدقيق في ما توصل له تقرير فينوغراد يثبت بشكل أو بآخر تخبط القيادات السياسية والعسكرية في إدارة العدوان وبالتالي عدم تمكنها عمليا من قطف النتائج السياسية المتوخاة في القرار 1701 سيان أثناء التفاوض على صياغته أو ترجمة تطبيقاته لاحقا.
إن قراءة موضوعية لمسار القرار بثبت عمليا أن إسرائيل وللمرة الأولى حتى الآن لم تعرف طريق الاستفادة منه في تاريخ تعاطيها مع القرارات الدولية، فمن المتعارف عليه قدرة إسرائيل في امتصاص وهضم أي قرار دولي وتجييره لمصلحتها عاجلا أم آجلا، فيما تعاطيها مع القرار 1701 لم يحدث أي اختراق حتى معنوي لمصلحتها، بل استخدم في أماكن حساسة خلال التحقيقات التي أنتجت تقرير فينوغراد الذي كان بمثابة صك الهزيمة السياسية والعسكرية الإسرائيلية في لبنان.
إقليميا وتحديدا إيرانيا وسوريا، فعلى الرغم من كونهما لاعبين أساسيين غير مباشرين في إنتاج البيئة التي أدت إلى صدور القرار، إلا أنهما معنيان أساسيان في تنفيذ بعض بنوده لا سيما المتعلق بسلاح المقاومة ودعمها المادي والمعنوي.ورغم الإصرار الإسرائيلي والدولي على هذه النقطة تحديدا وعمل الكثير من الضغوط المباشرة وغير المباشرة، لم تتمكن إسرائيل من إثبات ادعائها حول تسليح المقاومة وتمرير السلاح عبر الحدود السورية، بل على العكس إن مجريات الأمور في المنطقة وتحديدا في العراق وفلسطين قد ساعد كل من طهران ودمشق على تثمير قراءة القرار لمصلحتيهما والاستفادة منه عمليا في إجبار واشنطن على المرور في دمشق بحثا عن حلول لمشاكلها المتعاقبة في المنطقة، والجلوس مع طهران مرغمة للتفاوض على كثير من أزماتها من أفغانستان مرورا بالعراق وصولا إلى لبنان.
دوليا، وبخاصة الموقفين الفرنسي والأميركي من القرار، لم تتمكن باريس في عهد الشيراكية من أن تكون لاعبا فاعلا في القرار رغم الزخم الذي أبدته في تشكيل القوة الدولية وحتى آليات عملها المعززة واضطرت مرغمة على الوقوف على مسافة واحدة بين مختلف أطرافه، بل بحثت عن قنوات اتصال مع قيادات المقاومة عبر سفيرها في بيروت لدواعي متعلقة بآلية عمل قوات الطوارئ في جنوب الليطاني. فيما عهد الساركوزية قرأ النتائج بتأن واضح على ما يبدو وأتخذ مسارا مختلفا أكثر مرونة مع الواقع اللبناني القائم.
وفي المقلب الأميركي الآخر ثمة قراءة متأنية لآلية تطبيق القرار، جلها عمل دبلوماسي في مجلس الأمن الدولي عبر بيانات رئاسية تحدد المسارات دون الخوض بتفاصيلها، مدركة أن تطبيق القرار أولا وأخيرا يستلزم مرونة في التعاطي مع أطراف إقليمية منها دمشق وطهران.
وإذا كانت مواقف الأطراف المعنية بهذا القرار تبدو بهذه الحنكة والحذاقة اللافتة، فهل ستتمكن من المتابعة في هذه القراءة لفترات أطول؟ وبالتالي ما هو مستقبل متطلباته الأساسية؟
إن مستقبل التعاطي اللبناني والإقليمي والدولي مع القرار مرتبط بشكل أساسي بمجمل تطورات المنطقة، فالوضع اللبناني برمته مرتبط بشكل مباشر بمسار ما يجري في العراق والمشاريع الأميركية فيه وحوله، وبالتالي إن احد الأهداف التي سعى إليها العدوان الإسرائيلي بدعم وتحريض أميركي واضحين، كان مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي أعلنته وزيرة الخارجية الأميركية كونداليسا رايس في بدء العدوان، وعلى الرغم من تراجع مكونات ومقومات المشروع فإن إصرارا أميركيا إسرائيليا لا زال ظاهرا في هذا المجال.
بيد أن ذلك لا يعني بالضرورة بقاء الوضع على ما هو عليه، فعلى الرغم من قدرة اللاعبين الأساسيين فيه على ضبط البيئة المحيطة بالقرار وبآليات عملها ، فإن ثمة مفاجآت ممكنة الحصول، يمكن أن تقلب مسارات بعينها وتحول القرار وقواتها إلى طرف قابل للاستثمار السياسي في المنطقة، ومن بين تلك المظاهر ما حدث للقوات الأسبانية ضمن القوات الدولية.
ربما أن ما يُحمّل للقرار 1701 أكثر من قدرته على الحمل، لكن تداخل المصالح اللبنانية بالإقليمية والدولية يعطيه هذه الميزة بصرف النظر عن إيجابيتها أو سلبيتها، لكن المهم في الموضوع أن هذا القرار يمكن أن يشكل بداية حل لأزمات كبيرة في المنطقة، بقدر ما يمكن أن يكون سببا في إشعال حروب في المنطقة من الصعب تقدير تداعياتها ونتائجها، ولذلك من الواضح أن تعاطي كل الأطراف مع القرار يظهر دقة متناهية في قراءة أي سلوك متعلق به، تفاديا لردَّات فعل غير مرغوبة أو محسوبة النتائج.

د. خليل حسين أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية