سنةٌ للاتِّفاقية وعشرة أمثالها للتنفيذ!

بقلم: جواد البشيتي

إنَّها سنة لا أكثر من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين ستبدأ تنتهي في الثاني من أيلول المقبل؛ وتريد لها إدارة الرئيس أوباما أنْ تنتهي بتوقيع اتفاقية تتضمَّن مبادئ وأُسُس "الحل النهائي" لكل المشكلات، على أن يستغرق تنفيذ تلك الاتفاقية، بعد كسو كل جزء من عظامها لحماً، عشر سنوات، يُخْلَق فيها ما لا نَعْلَم الآن.

وجهاً لوجه، ومرَّتين في كل شهر من أشهرها الاثنتي عشر، سيلتقي نتنياهو وعباس، وكُلُّهما عزم وتصميم، هذه المرَّة، على أنْ يجعلا المفاوضات المباشرة، أو مفاوضاتهما المباشرة، كالسيف في حدِّه الحدُّ بين الجِدِّ واللعب، فرئيس الوزراء الإسرائيلي سيفاوِض بما يجعل النتائج متَّفِقة مع الحقائق المنتصِرة للحلول النهائية التي تريدها إسرائيل؛ أمَّا رئيس السلطة الفلسطينية فسيفاوِض محاوِلاً الإتيان بمعجزة أنْ تأتي النتائج غير متَّفِقة تماماً مع هذه الحقائق والتي توشِك أنْ تذهب بالبقية الباقية من الحقوق القومية للشعب الفلسطيني؛ وليس من مفاوضات أكثر سَوْءاً، بحسب وجهة نظر مصالح الفلسطينيين وحقوقهم وقضيتهم القومية، من هذه المفاوضات التي سيق إليها الفلسطينيون وهم في هذا الدرك الأسفل من ضعفهم السياسي ـ الإستراتيجي.

إنَّ إدارة الرئيس أوباما قد وقَفَت الآن، على ما أحسب، على ما يمكن أن تقبله حكومة نتنياهو (وإسرائيل على وجه العموم) من "حلول نهائية"، إذا ما ارتأت هذه الحكومة أنَّ الأمور قد تغيَّرت، وتتغيَّر، بما يَحْملها على أنْ تلبس، سياسياً وتفاوضياً، لبوس "المرونة القصوى"، التي لن يكون لها من الثمار والنتائج إلاَّ ما يجعل تلك الحلول إسرائيلية القَلْب، دولية القالب.

نتنياهو لن يبدي أبداً هذه "المرونة" في أثناء تفاوضه المباشِر مع عباس، وسيتشدَّد ويتصلَّب ويتعنَّت تفاوضياً بما يشدِّد الحاجة، بالتالي، إلى تَقَدُّم إدارة الرئيس أوباما بمقترحات وأفكار ينبغي للطرفين أن يقبلاها؛ ولن تختلف تلك المقترحات والأفكار جوهرياً عن الحلول النهائية التي يمكن أن تقبلها حكومة نتنياهو في مرونتها السياسية والتفاوضية القصوى، فنتنياهو لن يعطي عباس في أثناء تفاوضهما المباشِر إلاَّ ما يتسبَّب بجعل هذا التفاوض في "أزمة"، وفي "أزمة حادة"، وسيعطي إدارة الرئيس أوباما في الخفاء (وقد أعطاها على ما أحسب) حلولاً للأزمة، تُلْبِسها هي لبوس مقترحات وأفكار من إبداعها، وينبغي للطرفين، أي للفلسطينيين حصراً، قبولها بصفة كونها القول الفَصْل، وكأنَّ نتنياهو المفاوِض العنيد المتعنِّت يُسْتَكْمَل بنتنياهو الوسيط والحَكَم، أي بإدارة الرئيس أوباما!

ملامح هذا الوسيط، الراعي، المقرِّب، الحَكَم، المُبْدِع لكل حلٍّ "وسط"، والذي فيه من روح نتنياهو ما يَعْدِل ما فيه من جسد أوباما، سنراها، أو سنرى بعضاً منها، في السادس والعشرين من أيلول المقبل، فهو سيعطي عباس من مبادئ وأُسُس الحل لمشكلتي "الحدود" و"المساحة (أي مساحة إقليم الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية)"، ما يجعله، على ما يتوقَّع الرئيس أوباما، ويَفْتَرِض، غير معتَرِضٍ على أن يَقْتَرِن استمرار المفاوضات المباشِرة بإطلاق العنان للاستيطان في تلك الأجزاء من الضفة الغربية والقدس الشرقية التي ستُضمُّ إلى إسرائيل بموجب اتفاقية الحل النهائي لمشكلة الحدود، مع تجميده، أو الاستمرار في تجميده، في كل مستوطنة مقامة على أرضٍ ستُصْبِح مستقبلاً جزءاً من إقليم الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية.

وتوصُّلاً إلى جعل المُقْتَطَع من أراضي الضفة الغربية والقدس الشرقية (لغرض إطلاق العنان للاستيطان فيه) والذي سيُضَمُّ مستقبلاً إلى إقليم دولة إسرائيل أمْراً غير مُعْتَرَض عليه فلسطينياً من حيث المبدأ، وغير مُضِرٍّ بالمفاوضات المباشرة لجهة استمرارها حتى نهاية أجلها، ستعطي إسرائيل، عبر الوسيط أوباما، الفلسطينيين من أراضيها ما يَعْدل (من الوجهة الكمية فحسب، أو في المقام الأوَّل) هذا المُقْتَطَع لها من أراضيهم.

وهذا "التعويض الإقليمي"، أو هذا "التبادل للأراضي"، سيُطَوِّر الوسيط، مُبْدِع الحلول، والذي هو أوباما في الظاهر، ونتنياهو في الباطن، فكرته بما يجعله أيضاً حلاًّ، أو جزءاً من الحلِّ، لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، أي لمشكلة "حقِّ العودة"؛ فإنَّ عشر سنوات من التنفيذ والتطبيق يمكن أن تَعْرِف "نشاطاً استيطانياً فلسطينياً"، في تلك الأراضي الإسرائيلية، موازياً للنشاط الاستيطاني اليهودي في هذا المُقْتَطَع (لإسرائيل) من الأراضي الفلسطينية؛ وكأنَّها عشر سنوات من "الاستيطان" و"التوطين".

ومع تحرير النشاط الاستيطاني في ما يسمَّى "الأحياء اليهودية" في القدس الشرقية من كل قيد، تنمو هذه الأحياء ديمغرافياً، وتتَّسِع جغرافياً، فلا تنقضي السنوات العشر إلاَّ بما يجعل تقاسم القدس الشرقية بموجب مبدأ "ما لليهود (من أحياء ومنازل) لليهود، وما للعرب (الفلسطينيين) للعرب" ضمَّاً لجزئها الأعظم (ديمغرافياً وجغرافياً) إلى إسرائيل؛ وفي مقابل الإبقاء على المسجد الأقصى بمنأى عن مخاطر الهدم والتهويد يُعْطى اليهود من "الحقوق" الدينية والثقافية ما يجعل الحل النهائي للمشكلة الدينية للمدينة المقدَّسة ممكناً عملياً، ومحل قبول إسلامي ويهودي ومسيحي.

أمَّا "السيادة"، أي سيادة الدولة الفلسطينية المقبلة، وفي بُعْدِها الأمني والعسكري على وجه الخصوص، فلن ينال منها الفلسطينيون إلاَّ ما يتبقَّى لهم منها بعد الالتهام الأمني الإسرائيلي لها، فمبدأ نتنياهو، والذي وفقه سيفاوِض عباس، هو "خذوا من سيادة الدولة كل ما يبقى لكم منها بعد تلبية حاجاتنا الأمنية"!

وإسرائيل لا يمكنها أن تلبِّي حاجاتها الأمنية في الضفة الغربية (وفي المناطق الشرقية منها على وجه الخصوص) من غير أن تجرِّد الدولة الفلسطينية من الجزء الأعظم من سيادة الدولة. وتوصُّلاً إلى حلِّ هذه المشكلة، طوَّر "الوسيط"، أو "المقرِّب"، فكرة "التدويل لكل إجراء أمني إسرائيلي يتعذَّر على الفلسطينيين قبوله"، فبعضٌ من سيادة الدولة الفلسطينية تقتطعه إسرائيل لتلبية حاجاتها الأمنية مباشَرةً، وبعضٌ آخر يُقْتَطَع للغاية نفسها؛ ولكن على شكل تدويل لما ترغب فيه إسرائيل من إجراءات وتدابير أمنية.

إنَّها سنة من التفاوض المباشر الذي إنْ نجح فلن ينجح إلاَّ في أنْ يُثْبِت للفلسطينيين، ويؤكِّد، أنَّ خسارتهم المتأتية من نجاح هذه المفاوضات المباشِرة تفوق أضعافاً مضاعفة خسارتهم المتأتية من فشلها! جواد البشيتي