'سناء' .. ومضات حُلمية بواقع مفترض

الهم الإنساني الشامل

الكثير من الذين يكتبون عن الوطن سواء في داخله أو خارجه، يغوصون كثيراً في ذواتهم التي يجدون من خلالها مفاهيمهم وأشياءهم الجميلة التي سلبها الآخر، وهم يجتهدون في فضاء المتاهة السردي، منطلقين من ذلك في إبراز حجم ثنائية العلاقة، بين المكان الذي ظل عالقاً في ذاكرتهم، بوصفه بؤرة استدعاء إيجابية، وهم يدركون جيداً بإنهم يهيئون له النهوض والقفز ضد كل ما يعيقه من تحديات، وأقصد "الوطن" الذي صار شغلهم الشاغل بأعبائه ومشاكله المهمة التغييرية التي حملوها.

"سوى الاعتكاف في صومعة الأسى ومحراب الذكريات، فتبدو الذكريات كخيط يمتد من عمق السنين ليغذي الروح بالأمل، ولكنه أي أمل".

والتي أصبحت في عقولهم ونفوسهم منذ أن تجذرت مفاهيمهم الإنسانية التي انطلقوا منها، والساعات الكثيرة وآناء الليل والنهار التي يقضونها، ليعمقوا وعيهم لمفاهيم جديدة، وهم يدركون مسؤوليتهم الإبداعية في أي منجز أدبي، هذا الوطن المغزو بالمبضع لا لتدميه وتجرحه وإنما لتكشفه، ولتتعرف عليه وتدرك جيداً بأن الهزائم التي لحقت وتلحق بالذات الإنسانية ممتدة في الأعماق الدفينة.

"وليس لي في لحظات صمتي القلق غير جزازات من الورق، وقلمي الذي يستقي مداده من نزيف القلب".

ومن هؤلاء القاص العراقي محمد سعد جبر الحسناوي الذي يقول عنه الناقد عبدالرضا جبارة في مقدمة المجموعة القصصية: "تكوّن قصص المجموعة مرآة عاكسة لإسقاطات الواقع وإرهاصاته الدافقة، فظل النص القصصي يسيرُ باتجاه الواقع الاجتماعي والوطني".

"متى أيتها الغربة نطوي صفحات خريفك التي أسقطت الأوراق، والزهور على سواقي السعادة، وعكرت صفو خرير الماء، ماءها العذب متى نطويها ونعفّرجسدها بتراب الوطن، ونستنشق رائحة براريه التي تهب مع زخات المطر عذبة كرائحة الجنة".

وهنا نتساءل من يهيئ فرص التفاعل مع الأوطان التي فرضت علينا واقع الغربة من جراء جلاديها! هل الضمير الإنساني أم سلوك الكاتب ونهجه في الحياة الذي تربى عليه، أم رعاية المبدع وتربية أيام الطفولة والصبا وتبني تربية تسهم في خلق فضاء الكاتب، وانطلاق شخصيته لتحقق ذاتها في الواقع الصعب والمرً والكاتب الحسناوي لا يقبل التفرد لكونه يغوص في عالمه الشعري والأدبي، ولهذا جاءت معظم قصصه التي كتبها في هذه المجموعة "سناء" علم متنوع من الحكايات والنوادر، ولو تمعنت أكثر تجد شغفه الشديد بالحرية التي بحث عنها، ألم تكن الكتابة هي الترويح عن النفس والترويح عن الآخرين؟

"لماذا أنا هنا؟ هل ألقي القبض عليً بسبب إحدى قصائدي، ولكنها وطنية خالصة أو وجدانية خالصة، هل تهمتي كبيرة إلى هذا الحد الذي جعلهم يعصبون عينيً ويهينوني؟".

يقول عنه الناقد المعروف علوان السلمان "فالقاص يتكئ في سرده على نماذج محاصرة، مطاردة، حزينة، منطلقاً من ذاته، وبالرغم من ذلك ظلت نصوصه مؤثرة في متلقيها بحكم صدقه وتعامله الفني مع الواقع بجرأة وموضوعية، وبذلك قدم نصوصا سردية تمتلك ما يؤهلها على التواصل والحضور وما يوفر لها الديمومة مع نبض الحياة ومعطيات الواقع".

"كانت روحها كطائر يرفرف بجناحيه فوق الحقول بحثاً عن حبة قمح أو كطائر الأوز حينما تضيق أمام روحه، الفضاءات فيبحث عن أيكة ليغرد عليها تغريدته الأخيرة".

تجد قسوة الواقع وحرية الحلم التي انطلق منها الحسناوي وجسدها في معظم قصصه، وهو يكسر صمته ويخلق فضاءات متعددة من خلال حوارات داخلية فيها الكثير من التأمل متجاوزة ضيق الواقع ومحدوديته، مما يدفع بشخوصه التي حددها هي التي تقرر.

ولو وضعنا الكثير من قصص هذه المجموعة على طاولة التشريح تجد الإحساس بمعاني المكان، وهو الموصول بالزمان عبر آلية انطلق منها الكاتب في فلسفته "الحكائية" متصلاً به فقد بدا صعبا قراءة المكان بمعزل عن تضمين الزمان، كما يصعب تناول الزمان في دراسة تنصب على عمل سردي، دون أن ينشأ عن ذلك مفهوم المكان في أي مظهر من مظاهره كما تقول الدراسات.

"فصرت أفسر من مجهولية البحر مجهولية المستقبل، وما يضمه القدر لهذه النفس الشفيفة والعميقة الألم".

لذلك لعب الحسناوي الشاعر والقاص على لغة اتسعت فيها فعالية الصفات المتعارف عليها في دائرة العمل اللغوي بسبب قدرتها الدلالية في رصد أفكاره والتعبير عنها، أو بتراكيب لغوية منتظمة في أنساق من التوازن الذي يعتمد الومضة المتمثلة بحركة ذهنية تعبر عن مكنونات الحدث.

"تساءل الشاعرُ عما تبقى له من وقت، لقراءة ِ قصيدته الأخيرة، فأجابهُ مقدم الجلسة ِقائلاً، اقرأ ما شئت فانهم نائمون".

ولهذا جاءت قصص المجموعة "سناء، ليلى، صداع الكلمات، خطيئة العمر، الملل، في بلدي السياط قبل التحقيق"، وغيرها متوهجة وذات لغة بسيطة وسهلة، ولكنها في الوقت نفسه مفخخة حبلى بالمفاجأة واللاحتمال، وهذه المجموعة من القطع المتوسط وتقع في 118 صفحة، عن دار نشر اثارة العالمية – النجف الاشرف.