سناء الجبالي والخروج من جحيم اللحظة

بقلم: أحمد فضل شبلول

"الخروج من اللحظة" الديوان الشعري الأول للشاعرة الباحثة سناء الجبالي التي سبق لها أن أصدرت كتابها الأول بعنوان "الإسكندرية: الشعر والشعراء"، الأمر الذي يدل على اهتمام الشاعرة بقضية الشعر التي تلح عليها دائما. كما أعرف أنها تُعدُّ حاليا بحثا عن شعر المرأة، أو المرأة والشعر، أو النساء الشاعرات عبر العصور.
في ديوان "الخروج من اللحظة"، نلاحظ ـ بدءا من العنوان ـ تمردا على اللحظة الزمنية الآنية، وعلى الوضعية التي تعيشها المرأة في هذا الزمن العربي الردئ، وهي أحيانا تنجح في عبور تلك اللحظة، وكثيرا ما تخفق في عبورها، لذا نرى أن بنية أو ثنائية النجاح والإخفاق أو الفشل تتفشى في قصائد الديوان، فضلا عن بنية الرحيل المستمر في الزمان، وكأن الواقع الحالي لا يبشر بشيء جميل، فتحاول الشاعرة الرحيل عنه نفسيا ـ على الأقل ـ والانطلاق إلى عوالم نورانية أخرى.
ويرى الشاعر أحمد سويلم في دراسته الملحقة بالديوان أن عنوان الديوان "الخروج من اللحظة": "يوحي بدلالات كثيرة نفسية وواقعية، كما يوحي بالقدرة على الانخلاع والانفلات من القيود والأغلال التي تسجن حواس الشاعرة ولا تحقق لها الحرية".
لقد استعانت الشاعرة في عنوانها باسم الفعل خرج، وهو "الخروج" الذي قد يتحقق أو لا يتحقق. فإذا تحقق نجحت الشاعرة وكثرت مفردات السعادة والسرور والدفء والحنان والأمان والنور والسمو .. وغيرها من المفردات التي تدل على بنية النجاح، وإذا لم يتحقق فشلت الشاعرة وكثرت المفردات التي تدل على بنية الفشل والإخفاق، مثل: الخوف والموت والإعدام والأنين والجراح والظلمة والزيف .. الخ.
تقول الشاعرة في قصيدتها التي حملت عنوان الديوان "الخروج من اللحظة": وأحاولُ من زمنٍ أنْ أبرَحْ
لم أُفلحْ
والذكرى شرنقةٌ
تلتفُّ عليّ .. فأصبح كالإصبع
كدتُ أقول إن: (فأصبح كالإصبع) كلمات زائدة على المعنى، رغم ما بينها من تآلف موسيقي ملحوظ نتيجة لتكرار حرفي الصاء والباء وقبلهما الهمزة، ولكن عدتُ فتأملت الصورة، فوجدتُها صورة نابضة ومتوائمة مع بنية الفشل، فمع فشلها في الخروج من ذاتها، يصبح التشرنق والانكفاء على الذات هو السبيل الوحيد أمامها، هذا الانكفاء الذي يؤدي إلى التقازم المستمر، وكأن البنيان النفسي وكذلك الجسدي تحول إلى مجرد إصبع، أو أصبح في حجم الإصبع، على عكس النجاح الذي يطاول به المرءُ أعناق السماء. خاصة أن هناك الفعل (أبرح) الذي لا يعني الرغبة في المغادرة أو الرحيل أو الخروج من اللحظة الآنية فحسب، ولكن يدل أيضا على البراح أو الاتساع، فالبراح هو المُتَّسِعُ من الأرض، والبراح أيضا اسم من أسماء الشمس. ولكن لم تفلح الشاعرة في الخروج إلى البراح، وتبدأ في التقازمِ شيئا فشيئا داخل زنزانتها حتى تصبح كالإصبع، وهي في طريقها إلى الإعدام. تندسُّ الشمسُ لداخلِ شرنقتي
أتعجبْ
تبسِمُ لي .. أبْسم
وأصافحُ وجهَ الشمسِ المُشرِقِ
قبل ذهابي .. كي أعدم
وكأن المتجمعين خارج الزنزانة، الذين تعلو أصواتهم مطالبين برأسها، يلبون طلبها الأخير في الحياة، قبل إعدامها، بأن ترى البراح، ترى الشمس، وتصافح وجهها المشرق. ولكنها تلجأ إلى عالمها الجواني، وتتعمق في ذاتها أكثر، فتصل إلى قناعة بأن هذه الذات المنكفئة على نفسها، لا تعني شيئا في هذا العالم الكبير، وفي هذا الكون الواسع العظيم، ومن ثم تبحث ـ في زنزانتها ـ عن لحظة أخرى ممتدة، هي لحظة الإشراق الصوفي التي فيها ـ أو من خلالها ـ ترى العالم غير العالم، وهكذا تخرج من لحظتها الضيفة، وتقفز إلى لحظات الإشراق والرؤيا والألقِ والروعة: تتسعُ اللحظةُ
تتمدَّد
داخل بُعدٍ آخرَ .. غيرِ محدد
والكونُ الواسعُ
يخرجُ من ثقبٍ .. يتجرّد
هنا لابد أن تلجأ الشاعرة إلى المخزون القرآني، فتشع الآية القرآنية رقم 22 من سورة ق: (فكشفنا عنك غطاءَكَ فبصرُكَ اليومَ حديد)، ولكن ضمن سياق لفظي أو شعري آخر في قول الشاعرة: تنبُتُ لي عينٌ أخرى
تحتدُّ الرؤيا
أدركُ في قلبي
بعدًا .. أعمق
وتدركُ الشاعرة أن الأرضَ الممتدة أصغرُ من ظلها، وأنها تحررت وعبرت جسر الحب والشوق والرغبة، وصارت كائنا أثيريا، يصعد نحو الخالق الذي نلجأ إليه عندما تتأزم الأمور، ونتقازم في دنيانا، على النحو الذي رسمته الشاعرة في أول القصيدة.
هنا تتحول القصيدة من بنية الفشل والإخفاق في العالم المادي والرغبات الإنسانية المحمومة، إلى بنية النجاح الروحي والصعود والذوبان مع النور الأعظم، وتصل بنية النجاح إلى مداها الروحي في قول الشاعرة في نهاية القصيدة: ألتفُّ .. أدورُ .. أذوبُ مع النور
أصعدْ
فالطينُ العالقُ في أجزائي
غادرَني
والأرضُ المُمتدة
مازالتْ
أصغرَ من ظلي
من ظلِّ الروحِ .. المتَّسِعةْ
وهي في صعودها إلى البنية الفوقية، التي تحررت فيها من جحيم الأوقات الغرقى، تلجأ إلى الاستفادة من أسطورة أورفيوس (ابن ربة الشعر في الأساطير اليونانية)، فلا تحاول أن تنظر خلفها، حتى لا تسقط في هوة الرجوع، أو التجمد في المكان، أو فقد الأحباب، مثلما فعل أورفيوس وفقد زوجته الحورية يورديكا، لأنه نظر إلى الخلف، فنقض بذلك اتفاقه مع القائمين على العالم الآخر (هاديس).
ولعلنا لاحظنا أن الشاعرة بعد أن تحررت من اللحظة، أو بعد خروجها الروحي منها، أدركت أن الأوقات ما هي إلا نوع من أنواع الجحيم في قولها (جحيم الأوقات الغرقى).
ولكن هل حلَّت الشاعرة مشاكلها الروحية، بعد أن تحررت من أسر اللحظة الآنية، وانطلقت على هذا النحو؟
إنها في قصيدة "كبرياء" لم تزل تشعر بأنها امرأةٌ من طين وماء، وفي قصيدة مثل "أرحلْ في أعماقي" تُعلن بوضوح عدم مقدرتها على الاستغناء عن الطرف الآخر.
لقد جربت الرحيل إلى العالم الصوفي الروحاني وذاقت حلاوته الروحية، ولكنها تريد العودة مرة أخرى إلى عالمها العاطفي، وإلى عالمها الأرضي المتفجر بالبراكين والزلازل الجسدية والنفسية، فهي ليست رابعة العدوية على سبيل المثال، ومن ثم تنظر وراءها مثلما فعل أورفيوس، وتناشد ذلك الطرف بالرحيل إلى ذاتها وكيانها، فتقول: لو كنتَ تريدُ رحيلا
فارحلْ
في شرياني .. في عُمْقي
حرِّك بركاني الخامدَ
فجِّرني
هذه الثنائية تعلن عن تمرد الأنثى على وضعها الآني. إنها لم تكتفِ بالصعود والمعراج الروحي، ولكنها ترغب في التواصل العاطفي مع الإنسان الذي حرمها من حريتها من قبل، والذي ألقى بها في زنزانة الحريم، ولكن التواصل المطلوب يكون بشروطها هي، وليس بشروطه هو، لذا نلاحظ كثرة أفعال الأمر في هذه القصيدة مثل: ارحل ـ حرِّكْ ـ فجِّر ـ انثر ـ بعثر ـ أعد ـ طر ـ اصعد ـ اطرد ـ أشرق ـ ذوِّب ـ اجعل ـ تنقل ـ افتح ـ ادخل ـ اهطل ـ تفيأ ـ اقرأ ـ ضع ـ اشطب ـ لوِّنْ ـ اسكن ـ .. الخ. وبعض هذه الأفعال تكرر أكثر من مرة، مثل ارحلْ في قولها: ارحلْ في شرياني ـ ارحلْ في أوردتي ـ ارحلْ في أغواري ـ ارحلْ في أعماقي.
إن كثرة أفعال الأمر في هذه القصيدة تعلن عن رغبة الشاعرة في أن يكون الزمامُ بيدها، لتحقق الانسجام والكبرياء المفتقد مع الآخر الذي ظلمها في يوم من الأيام، وأحال أيامها إلى سواد (فاللون الأسود .. ظلَّل أيامي) أو مع الحبيب، أو مع الكون الداخلي الذي أرادت أن تتبرأ منه في قصيدة سابقة.
إنها تعلن في قصيدة "كبرياء": امرأةٌ أنا
ومن طينٍ وماءِ
لكن رأسي في السماءِ
وإن يكنْ
في الأرضِ ظلي
نبضُ قلبي كبرياء
نورٌ طليقٌ في الفضاء
يطاول الجوزاء
ويداعب الأقمار
في الأفلاك في وقت المساء
جاءت هذه القصيدة مزيجا من تفعيلتي الكامل (متفاعلن) والرجز (مستفعلن). وإذا كان من الممكن استخدام مستفعلن مع تفعيلة الكامل مُتَفَاعلن (بعد تسكين الثاني المتحرك ـ التاء = الإضمار) فإنه لا يجوز استخدام مٌتَفْعلن مع متَفاعلن، ولكن يجوز استخدامها مع تفعيلة الرجز مستفعلن (بعد حذف الثاني الساكن ـ السين = الخبن).
لذا قلنا إن هناك مزيجا بين تفعليتي الكامل والرجز، وهذا المزيج يصلح أو يجوز في الشعر التفعيلي، ولكنه لا يجوز استخدامه في الشعر البيتي أو العمودي.
غير أني آخذ على الشاعرة تكرار (في) في السطر الأخير، التي أخرجت السطر عن شاعريته، وأعتقد أنها لو قالت مثلا: (في الأفلاك أثناء المساء)، لكان أفضل من ناحية الوزن والإيقاع واقتصاد الكلام، فكلما نجح الشاعر في اقتصاد الكلمات، أعطى فرصة أكبر للإيحاء لأن يفعل فعله في القصيدة. أو كما يقول د. صلاح فضل في مقاله عن الشاعر الفلسطيني الراحل محمد القيسي: "اقتصاد العبارة الوجيزة، يظل من أقوى مظاهر شعريتها حتى اليوم".
ومادمنا في مجال الأوزان والبحور (العَروض) فإننا نشير إلى أن الشاعرة عزفت أوزان قصائدها من سبع تفعيلات هي: فاعلاتن (الرمل)، وفعِلن (الخبب)، وفعولن (المتقارب)، ومستفعلن (الرجز) ومتفاعلن (الكامل) ومفاعلتن (الوافر) وفاعلن (المتدارك). وكانت تفعيلة الخبب (فعِلن) هي الأكثر دورانا، أو الأكثر عزفا، في قصائد الديوان، حيث وردت في تسع قصائد من إجمالي أربعٍ وعشرين قصيدة هي عدد قصائد الديوان، وتساوت فعولن (المتقارب) مع فاعلاتن (الرمل) في ثلاث قصائد لكل منهما.
هذا يدل على الثراء الموسيقي أو الوزني الذي يحمله هذا الديوان للشاعرة سناء الجبالي، وعلى تمكنها من تنويع أدواتها الموسيقية أو التفعيلية، بالإضافة إلى أنها عزفت من بحر المجتث المركَّب من (مستفعلن فاعلاتن) قصيدة واحدة بعنوان "رحيل"، لم تجئ عمودية ذات قافية موحدة، بقدر ما جاءت مرسلة (أي عمودية متحررة من القافية بعض الشيء). تقول فيها: وفجأةً تتلاشى
بكلِّ شيءٍ أمامي
وتختفي من سمائي
تمضي وخلفك ظلي
وأنجمي وضيائي
تمضي .. وأمضي وأُخفي
ضعفي بصمتي .. ودمعي
هنا يبرز ضعف الأنثى مرة ثانية، والذي لم تستطع الشاعرة ـ بكل تحديها وأفعال أمرها ـ إخفاءه أو التخلص منه. وهو ما يتماشي مع التركيبة الثنائية لقصائد الديوان ككل، ثنائية: الضعف والقوة، البقاء والرحيل، السجن والانعتاق، الحزن والسرور، النور والظلام، الصوفية والحسية، المرأة والرجل، الذل والكبرياء، الموت والحياة، المكان والزمان .. الخ.
ومن خلال قراءتنا لقصائد الديوان الأربعة والعشرين، لاحظنا تفاوتا في مستوى القصائد، هناك قصائد متفوقة على غيرها، مثل: لم تكن إلا، والخروج من اللحظة، ورحيل النوارس، وارحلْ في أعماقي، والوجه النوارني، وغيرها، وهناك قصائد تشي بأن الشاعرة كتبتها في مرحلتها الأولى، أو في بداياتها الشعرية مثل: إنابة، وغيبوبة، وسأنساه، وغيرها. تقول على سبيل المثال في قصيدة "إنابة": إلهي ضعيفٌ أنا
مُقر بضعفي أنوء
بحمل ذنوب
بضعفي أتوب إليك
فتمحو وتعفو
أعود وأعصي
فأشقى بخوفي .. الخ
وهكذا تمضي القصيدة تحمل صوت المذكر، في التعبير عن ضعفها، وعدم القدرة على إشاعة الإيحاء الشعري، والتغيير في الكلمات الدالة أو المفتاحية التي تحمل الشحنة العاطفية، لذا نلاحظ في السطور القليلة السابقة، تكرار كلمة الضعف (ضعيف، ضعفي) ثلاث مرات، بطريقة مباشرة وتقريرية لا مجال فيها للإيحاء أو تجاوز منطقة التنميط والعادية في البوح والاعتراف بذنوبنا وضعفنا البشري أمام الإله الأعظم.
هذا بالإضافة إلى وقوع الشاعرة في قبضة أو في أسر تفعيلة المتقارب (فعولن) التي كانت هي المسيطرة على الشاعرة، وليس العكس، وهو ما نلاحظه عموما على البدايات الشعرية عند معظم الشعراء.
وكان على الشاعرة أن تتجاوز عن نشر مثل هذه البدايات في ديوانها الأول الذي تطرحه على القراء، خاصة أنها تجاوزت بالفعل هذه البدايات بعد ذلك، وقدمت قصائد أكثر تفوقا ـ كما رأينا من قبل ـ وكما نرى في قصيدة "رحيل النوارس" المُهداة إلى الإسكندرية. تقول في مطلع هذه القصيدة: بالذي أجرى بحارَ اللازَوَرْدْ
بين جفنيكِ
وساق النورساتِ البيضَ
للماءِ السماء
ولعل ابتداء القصيدة بحرف الباء في قولها (بالذي)، يشي بأننا أمام بداية بنية تركيبية مغايرة لبدايات القصائد الأخرى في الديوان. فالباء حرف يخرج من بين الشفتين، وهو مجهور شديد، وهو من حروف المعاني، ومن معانيه الاستعانة أو الاعتمال مثل: كتبتُ بالقلم، وضربتُ بالسيف. والسببية مثل: أُخذ بذنبه (أي بسبب ذنبه)، ومثل قوله تعالى في الآية 100 من سورة النحل: (والذين هُم بِهِ مُشرِكُون)، أي بسببه أو من أجله، والظرفية نحو قوله تعالى في الآية 123 من سورة آل عمران (ولقد نصركم اللهُ ببدرٍ) وهنا ظرف مكان، أي في بدر.
أيضا من معاني حرف الباء الإلصاق مثل: أمسكت بالقلم، وأخذتُ برأيك. والقَسَم مثل: أقسمتُ بالله، وتكون الباء لتعدية الفعل، مثل: ذهبتُ به، بمعنى أذهبتُه، أو مثل قوله تعالى في الآية الأولى من سورة الإسراء: "أسرى بعبده ليلا".
وهناك الباء الواقعة موقع "عن" مثل قولهم: (سألتُ به) والمراد سألتُ عنه. ومثل قوله تعالى في الآية رقم 1 من سورة المعارج: (سأل سائلٌ بعذاب واقع)، والمقصود سأل عن عذاب واقع. وهناك الباء الواقعة موقع "مِنْ"، مثل قوله تعالى في الآية 6 من سورة الإنسان: (عينا يشرب بها عباد الله) والمقصود يشرب منها عباد الله. والباء التي موضع "في"، والباء التي في موضع "على".
وهناك باء المصاحبة، مثل "دخل فلانٌ بثيابه وسيفه"، ومثل "ذهبتُ به".
وهناك باء البدل، مثل "هذا بذاك".
والباء الدالة على نفس المخبَر عنه، والظاهر أنها لغيره، مثل "لقيتُ بفلانٍ كريما" إنما قُصد هو نفسه.
وهناك الباء الزائدة مثل: "هززت برأسي" والمراد هززتُ رأسي.
وأخيرًا هناك باء الابتداء مثل "بسم الله" أي أبدأ باسم الله.
فأي هذه المعاني أرادت الشاعرة بقولها (بالذي أجرى بحار اللازورد)؟
بداية سنقول القَسَم، فهي تُقسم بالله الذي أجرى هذه البحار بين جفني الإسكندرية، ولكن ألا تدل هذ الباء أيضا على الاستعانة، أي استعنت بالذي أجرى بحار اللازورد، أي استعنت بالله؟ ألا تدل أيضا على الإلصاق، وأنها تريد الالتصاق بالله الذي أجرى هذه البحار؟ إلى آخر هذه التفسيرات اللغوية لحرف الباء الذي افتتحت به الشاعرة قصيدتها الجميلة "رحيل النوارس"، والذي جاء متناغما مع باءات أخرى في (بحار، بين، البيض) في المقطع القصير الذي سقناه سابقا. فضلا عن الباءات الأخرى الممتدة على طول القصيدة مثل الباءات الواردة في الكلمات: قلبي ـ بتعاويذ الغرام ـ برغم البعد ـ بالعتمة ـ بالتحنان ـ بالدفء ـ صباحاتي ـ بملح ـ بالأنين ـ أبحر ـ غربتي ـ بآفاق المغيب .. الخ.
لقد لعب الإيحاء دوره في هذه القصيدة، وخاصة في قول الشاعرة (وساق النورساتِ البيضَ للماءِ السماء) فهل تقصد رسم صورة النورسات البيض وهي مرفرقة بين الماء والسماء؟، أم أنها تقصد البدل بين كلمتي الماء والسماء؟ فعدم وجود فاصل بين الماء والسماء، يوحي بأكثر من مدلول.
بعد هذه الصورة الطبيعية، أو المستوحاة من الطبيعة، تعود الشاعرة إلى ثنائيتها المتفشية في كل قصائد الديوان تقريبا، ولكن هذه المرة تكون الثنائية بين الشاعرة والمدينة، فهي تخاطب الإسكندرية قائلة: ما تزالين برغم البعدِ
في هذا الفضاء الواسع
الممتد بالعتمة والخوف
والشتاءات الثقيلة
تُمسكين القلب
بالتحنانِ .. بالدفءِ
في صباحاتي الجليد
ومساءاتي الكسيرة
تنزوي عنه الجراحاتُ
بملحٍ .. بالأنين
ثم تلتفت إلى نفسها قائلة: لم أزلْ أبحرُ في مدنِ القاعِ العتيقة
أدخلُ الأعماق
أًصغي
ولعلنا لاحظنا تكرار الباء ووظائفها في الجزء الذي تخاطب فيه الإسكندرية في قولها: برغم البعد، والباء الظرفية (بالعتمة) وباء الإلصاق والاستعانة (بالتَّحنان .. بالدفء) و(بملحٍ .. بالأنين). وكان في استطاعة الشاعرة أن تستبدل الواو بالباء، فتقول على سبيل المثال: (تُمسكين القلب بالتَّحنان والدفء) بدلا من قولها (تمسكين القلب بالتَّحنان .. بالدفء) و(تنزوي عنه الجراحاتُ بملحٍ .. والأنين) بدلا من قولها (بملحٍ .. بالأنين). ولكن تمسكها بهذه الباءات يجئ أولا متوائما مع مطلع القصيدة (بالذي أجرى بحار اللازورد) وثانية الإصرار على بنية الاستعانة والإلصاق، بدلا من بنية العطف والتعددية التي تتحقق عن طريق حرف الواو الذي استخدمته في (العتمة والخوف والشتاءات الثقيلة). هذا الخوف الذي انتقل إلى الظرفية بعد عطفه على العتمة التي سبقتها باء الظرفية (في هذا الفضاء الواسع الممتد بالعتمة والخوف) وكأن الخوف تحول بدوره إلى ظرف مكان أو زمان، وكأنه أصبح طقسا أو فصلا من طقوس أو فصول النفس البشرية، مثله في ذلك مثل فصول الشتاءات الثقيلة التي أعقبت فصل الخوف. وهنا يصبح الخوف ظرفا زمنيا في هذا الفضاء الواسع.
هنا تتحقق ثنائية أخرى هي ثنائية التماهي بين الشاعرة والمدينة، فهذا الفضاء الواسع الممتد بالعتمة والخوف والشتاءات الثقيلة، ليس فضاء المدينة، ولكنه الفضاء النفسي للشاعرة المبدعة التي تريد الالتصاق أو الإمساك أو الاستعانة بالمدينة التي ستمنحها الحنان والدفء والأمن النفسي. بعد أن سمعت ـ في قصيدة سابقة ـ الأصوات التي تطلب رأسها.
الرحيل بنية أخرى من بنى الشعر لدى سناء الجبالي، وتكشف عناوين بعض قصائدها عن ذلك، فنجد على سبيل المثال: رحيل النوارس، ارحلْ في أعماقي، رحيل. هذا عن العناوين المباشرة، أما عن العناوين غير المباشرة، فنجد عنوان الديوان نفسه "الخروج من اللحظة" الذي يعني المغادرة أو الرحيل عن اللحظة الآنية، طلبا للحظات أو لزمان أفضل من الزمن الآني، و"في تأبين عام" الذي يعني رحيل عام مضى، و"انطلق" الذي يعني الرحيل السريع عن النقطة الزمنية أو المكانية التي يقف عندها شهريار المخاطَب حيث (انتهى دور الحكايا فانطلق)، و"تردد" الذي يعني التردد بين الإقبال والإحجام، بين البقاء والرحيل، (بين المد وبين الجزر) و"سأنساه" التي تعني الرحيل من الحضور إلى الغياب، وأيضا "غيبوبة" التي تعني الرحيل من عالم الحضور إلى عالم الغياب، و"إلى أبي" التي تقول الشاعرة في مطلعها: عيناي ما رأتا سوى عينيك من يوم الرحيل و: ما زلتُ واقفةً على باب الرحيل والرحيل عند الشاعرة، مرتبط في معظم أحواله بالبنية الزمنية، فهو رحيل في الزمان، أكثر منه رحيل في المكان، مثل رحيل الأب في وقت معلوم.
وهنا نعود مرة أخرى إلى عنوان الديوان "الخروج من اللحظة" الكاشف للبنية الزمنية التي يمتد فيها عالم الشاعرة النفسي، والذي يكثِّفُ الزمن في تلك اللحظة، و"في تأبين عام" التي تعلن فيها عن تهاوي الشموس (تهاوت بعام ذوى شموسٌ لنجمٍ هوى) و"لو يتسع الوقت" التي تعلن فيها أن اللحظة تمتدُّ عمرا بين يديكَ، وتقول في مطلعها: هل كنت أحبك قبل اليوم
قد كنتُ قديما
أسَّا قط من نفسي
حينا
وأفرُّ إليك.
وهي في بعض الأحيان تجمع بين بنية الرحيل والبنية الزمنية والبنية المكانية في آن واحد، مثل قولها في قصيدة "ارحلْ في أعماقي": فتنقلْ وارحلْ في رئتي
افتحْ بابًا وتنفَّسْ
فهوائي يرقدُ من أعوامٍ
في شُعَبي
فالهواءُ راقدٌ في المكان (الصدر الذي يضم الشُّعَبَ الهوائية) منذ أعوام.
ولكن هل هذا الهواء القديم الراكد أو الراقد منذ أعوام ـ والذي سيرحل فيه المحبوب ـ سيكون صالحا للتنفس؟
أيضا في أقصر قصائد الديوان "انصهار" نلاحظ بنية الانتظار التي تتوالد في الزمان، تقول الشاعرة: حياتي .. انتظار
وموتي .. انتظار
فلا شيءَ يأتي
بدونِ انصهار
لقد تأملتُ الحروف الأكثر دورانا أو الأكثر شيوعا في بعض قصائد الديوان، فوجدتُ أن حرف القاف تكرر حوالي اثنتين وثلاثين مرة في قصيدة "الخروج من اللحظة"، وأن حرف الفاء تكرر أيضا حوالي اثنتين وثلاثين مرة، في قصيدة "ارحلْ في أعماقي".
وورود حرف القاف بهذه الكثرة في قصيدة "الخروج من اللحظة" يدل على مدى المعاناة منذ مطلع القصيدة التي تبدأ بقول الشاعرة (ملقىً ومقيَّد) ذلك أن حرف القاف من الحروف المَجْهورة، يخرج من اللَّهاة مع أقصى الحنك الأعلى، ويُبذل بعضُ الجهد عند النطق به، وبعض الناس لا يستطيعون نطق حرف القاف الشديد المفخَّم ويقلبونه كافا، أو جيما أو همزة وخاصة في بعض العاميات أو بعض القراءات في اليمن ومصر، على عكس حروف شفوية أخرى.
ولعلنا نلاحظ ورود أربعة قافات في الكلمات التالية (جحيم الأوقات الغرقى في عمق الروح المنطلقة) لقد أحدثت هذه القافات موسيقى من نوع ما، لعلها موسيقى اللحظة التي تبذل الشاعرة جهدا كبيرا من أجل تجاوزها أو الخروج من جحيمها.
يقول لسان العرب نقلا عن التهذيب: إن العين والقاف لا تدخلان على بناء إلا حَسَّنَتَاه لأنهما أطلق الحروف، أما العين فأنصعُ الحروفِ جَرْسًا وألذُّهَا سَمَاعًا، وأما القاف فأمتنُ الحروفِ وأصَحُّها جَرْسًا.
أما ابن فارس فيقول في كتابه "الصاحبي في فقه اللغة العربية وسنن العرب في كلامها": "وأما القاف فلا أعلم لها علَّة إلا في جعلهم إيَّاها عند التعريب مكان الهاء".
أما حرف الفاء في قصيدة "ارحلْ في أعماقي" فهو يفيد العطف والترتيب، والتعقيب، والإشراك، والسببية، والتوكيد، وأن يكون الذي قبلها علَّةً لما بعدها، وأن يكون جوابا للشرط. وهو من الحروف المهموسة والشفوية، ولعلنا نلاحظ كيفية وروده بين الكلمات التالية: فتنقلْ وارحلْ في رئتي
افتحْ بابا وتنفَّس
فهوائي يرقد من أعوامٍ
في شعبي
وارحلْ في أغواري
لقد ورد حرف الفاء في هذه السطور السابقة ثماني مرات (يُحسب مرتين في تنفَّس المشددة). منها ما هو من صلب الكلمة مثل: افتح، في، تنفَّس، ومنها ما يحقق أحد الاستعمالات السابق الإشارة إليها.
وكثرة ترديد حرف الفاء في هذه القصيدة على سبيل المثال، فضلا عن الموسيقى التي يُشيعها، يُشيع أيضا نوعا من الفأفأة وهي ـ كما يقول "معجم الأصوات في اللغة العربية" ـ حبسة في اللسان وغلبة الفاء على الكلام. ولكننا لا نجد في القصيدة حبسة في لسان الشاعرة، فهي منطلقة في دعوة الحبيب إلى الرحيل في أعماقها، ليفجرها شوقا وحريقا، ويحرك بركانها الخامد، لينطلق ويثور. ويجعل منها خيلا برية أو فرسا عربية.
أخيرا أشير إلى ظاهرة أسلوبية، أرجو أن تتخلص منها الشاعرة، وهي إضافة بعض الحروف الزائدة على المعنى، مثل اللام والباء، في بعض سطورها بغرض إقامة الوزن فحسب مثل: (محتلٌ لجمجمتي) فهي تريد: محتلُ جمجمتي و(على حدٍّ لسكين) فهي تريد: على حدِّ سكين، و(بترياقٍ لتذكاري) فهي تريد: بترياقِ تذكاري، و(في يومٍ بنحسي) فهي تريد: في يومِ نحسي، .. وهكذا.
وفي النهاية أرى أن ديوان "الخروج من اللحظة" للشاعرة سناء الجبالي، إضافة جديدة وجيدة، إلى ديوان الشعر العربي المعاصر، وإلى شعر المرأة عموما في مصر والوطن العربي، وقد لاحظنا من خلال قصائده، جرأةً واضحةً، تحسب للشاعرة، وتمكنا من أدواتها الشعرية، استطاعت عن طريقها إطلاق رؤيتها لقضاياها الفنية واللغوية الخاصة، وقضايا المرأة العاطفية والروحية بعامة. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية