سميح القاسم.. المخلصُ للقصيدة

بقلم: نمر سعدي
يا لهُ من ساحر

مساء الجمعة الثلاثين من أبريل/نيسان عام ألفين وعشرة. يحاصرني قلقٌ لا يُفسَّرُ ولكنَّهُ قلقٌ جميل.. أجدُ نفسي أهبطُ إلى جنَّةٍ معلَّقةٍ على أطرافِ النبوءةِ.. أقصدُ حيفا التي أقاسمها خبزَ الألم.
أسيرُ بسيارَّةٍ ذاتِ محرِّكٍ متداعٍ نحوَ حيفا لحضورِ أمسيَّةٍ شعريَّةٍ للشاعر الكبير سميح القاسم. أتذكَّرُ بعضَ شعرهِ الذي لا يغيبُ عن قلبي: سوفَ آتيكِ بطفلة
ونسمِّيها طللْ
وسآتيكِ بدوريِّ وفلَّة
وبديوانِ غزلْ
برغمِ القلقِ الغامضِ أجدُ نفسي منتشياً بلقاءِ سميح.. مطمئناً كاطمئنانِ هذا الشاعرِ المستندِ إلى جبلٍ حريريٍّ إلى حقيقةِ ما حقَّقهُ من مجد.
القاسم في نظري آخرُ الفرسان الفلسطينيِّين الذينَ مهروا قصائدهم بدمهم الغالي، وهو الآن شيخُ شعرائنا بلا منازع، والطلائعيُّ الفذُّ لشعرِ المقاومة. وأحدُ ثلاثة شعراء اصطبغَ شعرهم وحبرهم بقرمزيَّةِ النضالِ القومي والمواجهةِ الرافضة للظلمِ في الأدبِ الفلسطيني بالإضافةِ لمحمود درويش وتوفيق زيَّاد.
كانَ لقائي بقصائد القاسم الباذخةِ منذ الطفولةِ عندما كانَ التلفزيون السوري يبثُّها ويشيد بقوميَّتها وعنفوانها. وها أنا اليومَ على موعدٍ مع هذه النبرةِ البطوليَّةِ ضمن احتفاليَّةِ بيت الكرمةِ هذا العامِ لتكريمِ شاعر الهمِّ القومي وشاعرِ المقاومة.
حيثُ حلَّ الشاعر ضيفاً على حيفا التي أحبَّ في أمسيَّةٍ شعريَّةٍ ولقاءٍ أدبي آخرَ في الثالث عشر من مايو/أيَّار هذا العام. ولقد كنتُ حاضراً في كليهما. ولمستُ بعضَ وفاء وإخلاص القاسم لقصيدتهِ المتجذِّرةِ في أديمِ البهاءِ والكلامِ النابض.
لمستُ إخلاصَ القاسم لتجربتهِ وإخلاصَ الجمهورِ له ولشعرهِ.
حاولتُ مرارا أن أنفذَ إلى أبعدَ من نكتتهِ الحاضرةِ أبداً، وبديهيَّتهِ المتوقدةِ كالجمرةِ الهائلةِ وراءَ تجربةٍ تمتدُّ إلى أكثرَ من نصفِ قرنٍ في الكتابةِ والهمِّ الثقافي.
سألتُ القاسمَ عن سرِّ نجاحِ الشاعرِ أو نجاحِ القصيدةِ، فقالَ أشياءَ كثيرةً وعميقةً وركَّزَ على مسألةِ الوفاءِ والإخلاصِ للتجربةِ مضيفاً الموهبة والمران والثقافةَ والتكرَّسَ كعناصر لا بدَّ منها ولكنها لا تصنعُ كاتباً عظيماً. قالَ إنَّ نصَّاً رديئاً لا يعيشُ طويلاً مهما كان، أو يضمنُ لصاحبهِ مكاناً بحجمِ نقطةِ الضوءِ في بحرِ الظلام. ولكنَّنا ويا للأسفِ في زمنِ الديجيتالِ وقت اللا وقت وقت اللا قصيدة وقت اللا محبَّة ووقت اللا وعي وقت الهذيانِ المحمومْ.
سميح من أهمِّ المخلصينَ للقصيدةِ إن لم يكن عربيَّا وعالميَّا ففلسطينيَّا بامتياز. وكم آلمني عادل الأسطة حينَ كانَ يحاولُ تقزيمَ حجمِ الشاعرِ بالمقارنةِ مع مجايليهِ. ففي نظري هو عالمٌ قائمٌ بذاتهِ ولا يجوزُ لنا أن نقارنَ بينهُ وبينَ غيرهِ بهذهِ الصورةِ المجحفة.
منذُ أواسط الخمسينيات وسميح لا ينفكُّ يستدعي القصيدةَ. يُراوغها ويخاتلها وهيَ تنقادُ حيناً وتستعصي أحياناً.
منذُ تفتُّحِ وعيي الشعري وأنا أرى في القاسمِ قامةً شعريَّةً باسقةً وجذوةً تلتقي في نهايةِ النفقِ مع الكبار من سدنةِ الجمالِ والثقافةِ: أدونيس، الماغوط، درويش، المقالحن. عبدالرحمان منيف، نجيب محفوظ، أحمد شوقي، نزار قبَّاني ...
هو شاعرٌ كبيرٌ حقَّاً برغمِ كلِّ الأقزامِ التي تحاولُ غمطَ حقِّهِ في أمارةِ الشعرِ الفلسطيني، والتقليلَ من شأنهِ الأدبي.
أكثرُ ما يُميِّزُ القاسمَ في أمسيَّاتهِ حضورُ روح الدعابةِ والنكتةِ إلى جانبِ الروحِ الوطنيَّةِ. ترى شاعراً قادراً على جذبِ انتباهِ الجمهورِ وإثارةِ كوامنِ فرحهِ وحزنهِ. يملكُ حاسَّةً فريدةً في فنِ الإلقاءِ. قصائدهُ طازجة وطالعة من خميرةِ الحياةِ كالزنبقِ الحارِّ. بتواضعٍ جمٍّ وشفافيَّةٍ مرهفةٍ ينثرُ جمانَ معانيهِ بصوتٍ مشحونٍ بالنبرةِ الحماسيَّةِ ومخزونٍ بالحبِّ الصافي.
في كلِّ مرَّةٍ ألتقي فيها القاسم أُكبرُ هذهِ الروحَ الفضفاضةَ المتألقةَ بالشعرِ. وأُكبرُ هذا الطموحَ العنفوانيَّ إلى إصلاحِ العالمِ بالشعرِ والصدقِ عن طريقِ الإيمان بالحبِّ. إنَّهُ يبني ما تهدَّمَ من روحِ العالمِ بالوردِ. يا لهُ من ساحرٍ.
الشعراءُ بحاجةٍ إلى نقطةِ إخلاصٍ واحدةٍ وحقيقيَّةٍ من محيطِ القاسمِ الزاخرِ لمحاولةِ الحلمِ بإنباتٍ وردةٍ يانعةٍ في سهوبِ الرماد، وبإصلاحِ العالمِ الخربِ المنهارِ بابتساماتِ أوفيليا.
عمليَّةُ الحلمِ هذهِ بحاجةٍ إلى مياهٍ آخذةٍ بالنضوبِ يوماً بعدَ يومٍ. في وقتِ الفضائياتِ والمذهبيَّةِ والطائفيَّةِ والعولمةِ الشرسةِ والرقصِ على جثثِ الضحايا الأبرياءِ. في وقتِ اللا وقت. في زمنِ الجنونِ وضياعِ القيمِ الإنسانيَّةِ.
تحيَّة حب صادقة لسميح القاسم فارسِ القصيدةِ الجامحةِ الأخيرِ المطلِّ علينا على فرسِ الشنفرى حاملاً تمرَّدَ جدِّهِ أبي الطيِّبِ المتنبِّي.