سليم العبدلي: العلوم لا تتعارض مع ما أتى في الكتب السماوية لكنها لا تتفق

أهم ما يميز نصوص العبدلي أنها مشغولة بعوالم ذات شاعرها، بتساؤلات وجوده في هذه الحياة.


المدن حبيبات


الإسكندرية كالأم التي ولدت أربع حضارات

قدم الشاعر الدنماركي العراقي الأصل سليم العبدلي ثلاث مجموعات شعرية "الأمنكة مقابر الوقت"، و"من رائحة الفراق"، وأخيرا "همس المرآة.. أسرار الجسد" الصادر عن دار ابن رشد بالقاهرة. 
وأهم ما يميز نصوص العبدلي في هذه المجموعة وسابقتيها أنها مشغولة بعوالم ذات شاعرها، بتساؤلات وجوده في هذه الحياة، بتقلباته ومواجهاته، برؤاه وأفكاره، تضرب في الأرض شغفا وحبا وسعيا إلى جماليات ربما عابرة أو متخيلة وربما حاضرة وتريد القبض عليها، ليست مشغولة ببناء أو تقنية أو أسلوب أو صورة أو مشهد أو أي من تلك الأمور التي غالبا ما ينشغل بها الشعراء بحثا عن خصوصية نصوصهم، لذا فهي نصوص بقدر عمقها وعمق دلالاتها وإيحاءاتها بسيطة ونقية. 
وفي هذا الحوار مع العبدلي يتطرق لعدد من القضايا التي لم يتطرق إليها من قبل مثل علاقته بالفيزياء باعتباره أحد علماء هذا العلم، وكذا علاقته بالأمكنة حيث جال العالم محاضرا وسائحا أيضا، وأيضا علاقته بالكتب السماوية وتأثيرها، وغير ذلك من القضايا الإنسانية التي تشغله كشاعر وعالم فيزياء وإنسان. 
بداية يوضح العبدلي تلك العلاقة التي تربط شاعرا بالفيزياء، ويقول: الفيزياء هي علم الطبيعة الشامل، ولحد وقت قريب، لا يزيد عن القرن ونصف، لم يكن مصطلح "الفيزياء" مستعملا أبدا، وانما "فلسفة الطبيعة" هو المصطلح الذي كان يطلق على علوم الفيزياء أو علوم الطبيعة، وبذا فإن للفيزياء علاقة بكل ما هو طبيعي. 
ونعرف جيدا أن معظم النظريات الطبيعية لم تكن نظريات في البدء، وإنما فرضيات وأطروحات فلسفية، ولكن بعد تطبيقها، أو إثباتها عمليا ودعمها بالاطار الرياضي الذي يرتبط بجوانب العلوم الأخرى تصبح هذه الفرضيات نظريات. وهذا يدل على أن الجانب الفلسفي له دور كبير هنا. 
وما أعنيه بالجانب الفلسفي هو الجانب الجدلي في الأمر ثم الجانب الشمولي، حيث النظرية لا يمكن لها ان تقبل في حقل العلوم الطبيعية إلا إذا كانت شمولية وبرهان تطبيقها يعم كل مكان. إن العالم الالماني "رونتجن" الذي اكتشف الأشعة السينية في عام 1895  والحائز على أول جائزة نوبل في العلوم الطبيعية عام1901  دأب على تشجيع طلابه وحثهم على التأمل. التأمل في الطبيعة وفي ظواهرها، وكان يردد أنه من غير الممكن أن نصل إلى فهم للطبيعة دون التأمل في ظواهرها وديناميكيتها. 
أما زميله وابن بلده "أينشتاين" فقد توصل إلى فهم التداخل والانحراف الضوئي بعد أن كان يجلس في قارب وينظر إلى الشمسن وعيناه غير مغلقتين تماما، حيث إن الضوء كان يدخل إلى عينيه من خلال رموشه، وهذا بالفعل ما يحدث للتداخل والانحراف المعروف بالـ "دفراكشن" إذا، فلنا أن نقول إن الفلسفة والتأمل هما على الأقل ما يشكل قاعدة مشتركة للفيزياء والشعر، فالشعراء يتمتعون بقوة الملاحظة والتأمل في الظواهر الطبيعية التي يعكسونها كثيرا في نصوصهم، كالنسيم والريح والسحاب والفجر والضوء والرائحة.. إلخ، بجانب المد الفلسفي الذي يطغي على الشعر، وبالطبع لا يمكن أن نقول إن كل شاعر فيلسوف أو كل فيلسوف شاعر، ولكن التاريخ يثبت أننا لا نستطيع التمييز بين الكثير منهم في كلا الجانبين، كالمتنبي وعمر الخيام، أو ديكارت، ليركه، نيتشه، أدونيس، فبقدر ما هم من شعراء فهم فلاسفة أيضا. ولذا لا أجد غرابة أن يكون العالم الفيزيائي شاعرا، والعديد من الشعراء الأوروبيين الذين قابلتهم كانوا يهتمون بالفيزياء خاصة في موضوع فيزياء الكم وعلوم الفضاء والثقوب السوداء.
ويؤكد العبدلي أن "النظرة الفيزيائية لا تختلف من حيث المفهوم العام لها عن النظرة الشعرية، والتي كما أشرنا لها، النظرة الفلسفية والحسية لدى الشاعر. فالزمان هو الوحدة القياسية للتغيير الذي يطرأ على المكان، والمكان هو مقياس للوقت المقطوع في فترة زمنية، لما مضى. وللاثنين علاقة ديالكتيكية وديناميكية في آن واحد، فلا وجود لأحدهما دون الآخر، فليس هناك أي مكان دون زمان والعكس أيضا صحيح. 
من هنا يمكن أن نفهم أن علاقتي مع المكان هي علاقة يفرضها المكان ذاته عليّ، يفرضها بسماته وخصائصه التي تجذبني، تسحرني وتأسرني، حيث في النهاية يصعب عليّ تركه، فتجده يتكرر في قصائدي، لأنه يشغل الوجدان والذاكرة. هناك تلك الأمكنة التي تعيد ذكرى الألم والخيبة والأسى، وتلك التي تبعث على التقزز وتدفعك إلى مغادرة المدينة بأسرع وقت. أما علاقتي مع الوقت فإنها تفرض نفسها بفعل الوقت، فأنا أرى كيف يتكثف الوقت في اللحظة، البعض يسميها الحاضر والبعض يؤمن بوجودها فقط، أي أن ليس هناك أي ماض أو مستقبل، وإنما حاضر ينتقل بعد قليل ليصبح حاضرا جديدا. 
هذا طرح فلسفي طبيعي، ولا أخفي عليك فأني أجده شديد الجاذبية، ولذا كتبت عنه أيضا عندما خاطبت اللحظة وسألتها عدم الغرور، وذلك لأن شرطي الوقت، بعد قليل، سيلقي عليها القبض ويرميها في زنزانة الماضي، محكوم عليها بالسجن مدى الحياة.
ويشير العبدلي إلى أن الوقت والزمان والمدى الزمني لا يمكن فصلها عن الذاكرة، وكما نعلم فإن للذاكرة دورا مهما في وجدان وضمير الإنسان، وهي التي تعلو وتهبط في الإنسان، لما يتعلمه من حسن وغير حسن من التجارب التي خزنت في الذاكرة، بدلا من التعامل مع الذاكرة، وكأنها برادا "ثلاجة" أو "مجمدة" نحفظ فيها لحوم تجاربنا لكي نخرجها متى نشاء لكي نقضم منها شيئا. إنني أتعامل معها وكأنها أنا الآخر، قريني الملازم لي، وله أن يلازمني متى ما شاء هو، ليس أنا، وقد يغادرني للأبد، وهذا ما ندعوه بالنسيان أو مرض الخرف أو الزهايمر كما يسميه المصريون. فالذاكرة هي الآخر فينا وتتقلب بتقلب المكان والزمان، ولكن هل يا ترى ما نتذكره قد وقع فعلا؟ أم أن أمنيتنا أن يكون قد حدث؟ أم أن هناك من شاركتهم في الحدث يخبرونك أن ذلك قد حدث؟".
ويضيف "كانت بغداد مدينتي رغم أنها كانت محتلة من قبل عصابات البعث، ولكنها في السبعينيات كانت لم تزل تحتفظ بشئ من الحرية والانفتاح الذي لم يدم أكثر من خمس سنوات، بعدها عادت التقاليد القريشية إلى مقاليد الحكم لتعبث بالمواطن كما يشاء لها، وترمي به إلى عبودية حقيقية وسجن أبدي، وحتى يومنا هذا، وبعد الاحتلال الأميركي سُلمَ الحكمُ إلى أزلام يعتمد عليهم في الإدارة الامبريالية العالمية، ليطبق الاحتلال الديني العنصري المغرور، حتى جاءت داعش لكي تفضح مدى ركاكة هذا النظام وعمق فساده. 
ومنذ هجرتي لبغداد وللآن أجد نفسي أبحث عن مكان لي، مكان أنتمي إليه وينتمي لي، فهناك العديد من المدن التي عشت فيها وكنت أحاول أن أنتمي لها، أن تتبناني أو أتبناها، ولكن للأسف كان الأمر دائما مؤقتا، وفي النهاية أجد نفسي في غربة دائمة. وها أنت هنا تجد الذاكرة قد عبرت عن الزمان والمكان، وفجرت الأحاسيس المتعلقة بمدينتي الأولى، بغداد".
تنقل العبدلي بحكم عمله في البحوث بين بلدان عديدة، تجول وعاش فيها خلال العقود الثلاثة الاخيرة، وتعايش مع حضارات وثقافات شتى من الصين مرورا باستراليا وانتهاء بنيويورك، يقول "عشت في كثير من البلدان، وطالت فترة بقائي في بعض منها وقصرت في البعض الآخر، فقد عشت في بلدان عديدة في أوروبا، وفي ولايات متعددة من أميركا، في الشرق الأوسط وفي الشرق الأقصى ووصلت حتى إلى استراليا المنفية. 
وهناك حقيقة أود أن أطلعك عليها، ألا وهي أني ومنذ مغادرتي بغداد لم أكن سائحا يوما، والمدن التي كتبت عنها عشت حقا فيها، فقد اختلطت بأهلها وعملت فيها، والأهم درست تاريخها وتاريخ أهلها وثقافاتها، ولذا تركت كل منها شيئا في ذاتي، اتنقل به من مدينة إلى أخرى، وامتدت معرفتي بهذه المدن لتغطي فترات مختلفة من حياتي، وفي كل مرة أعود اليها، أعود بوعي جديد ومعرفة جديدة عن المدينة نفسها وعن المدن الأخرى، حتى تسنى لهذه المدائن التأثير في الوجدان، تأثيرا يفرض نفسه في الكتابة، وينعكس وكأن كل منهن إنسانا قابلته وعشت معه أو تأثرت به، وهنا تجد المدن وقد أنسنتها علاقتي معها، وأصبحت المدينة كائنا أتحدث معه، ألومه، أؤنبه أو أتغزل به لشدة إعجابي بجمال المدينة بروحها وبثقافة أهلها. 
كذلك هناك مدن كتبت عنها قبل وبعد زيارتي لها، فالمدن حبيبات كما أعربت عنه في احدى قصائدي، وفي ديواني الأخير وجدت المدن وقد بدأت تزحف إلى الموضوعات الأخرى لنشاهدها تظهر مثلاً في المرأة والذاكرة. وكذلك فقد اختلف المكان هنا وأخذ هو الأخر الزحف في الزمان حتى وصل إلى الأساطير والمثيولوجيات لكي يتشبث فيها أو لكي يقلبها أو يقرأها من جديد، حتى تقترب الرؤيا إلى الواقع أكثر منها إلى الحلم. وأن كنت سأعزي ذلك إلى خيبة الظن التي تصاحبني، خيبة الظن في المكان "أوروبا" بعد أن خاب ظني في الزمان "الماضي"، فهنا لا أستطيع الجزم، وكل ما أستطيع البوح به لك وللقارئ هنا، أنني وبعد انتهائي من كتابة هذا الديوان، شعرت بأنه يختلف عن المجموعات السابقة، رغم أنني تناولت فيه نفس الموضوعات التي تجدها في أخواته. ولا أخفي عليك، فقد كانت هذه الملاحظات واضحة، وسيلاحظها القارئ أيضا، وأتمنى أن يطلع في هذا العمل على جانب آخر من الشاعر، رغم أن ذلك لم يكن مقصودا أو مخططا له.
ويلفت العبدلي إلى أن موضوعة المكان لا تزال باقية وبنفس مكانتها السابقة، فالمكان لا يزال من أكلِمُ، إن كنتُ لكي أعنفه أو أثني عليه أو أنصحه أو أعريه، فكل ذلك لم يتغير، ولدي الكثير ما سأقوله في المستقبل أيضا، ولكن طرحه يمكن أن يختلف من كتاب إلى آخر. ربما لانني لا أهوى التكرار أو لانني لا يمكن أن أمكث في مكاني، مسكونا بنفس آلياتي في الطرح والعرض.. لا أدري، وأود أن أترك ذلك للقارئ. 
أما ملامح المدن في قصائدي فإنها تختلف من مكان إلى آخر، فتجد كيف كان الصوت والضوضاء في قصيدتي الأولى عن القاهرة ملمحا من ملامح المدينة الذي لم أسمعه من قبل في أي مكان اخر، ولكن في قصيدتي الأخيرة عن القاهرة كانت النكتة التي أدهشني اختفاءها بين القاهريين، وانعكس ذلك وكأن القاهريين وهم يمارسون طقوسهم المسائية على جسر قصر النيل أخذوا في تشييع النكتة في النهر، وهنا انعكست ملاحظتي عن القاهرة اليوم في الطقس الاحتفالي اليومي على هذا الجسر. 
أما الاسكندرية فرأيتها كالأم التي ولدت أربع حضارات عبر تاريخها، وتحتضن قبر كليوباترا في أعماق مياهها، وأحلم أن تنهض من قبرها لتلد لنا حضارة جديدة تنهي فيها يتم المكان. نعم الأسى والحسرة تجدهما طاغيين على انطباعاتي عن المدن العربية. 
أما نيويورك، وبرغم بناياتها الناطحة للسحاب، وجدتها خالية من رائحة البشر. أما بغداد، فقد كان لها أكثر من قصيدة، وتعجبت فيها أن كان تهكما أن تسمى مدينة السلام، وهي التي لم تعرف السلام منذ تأسيسها ولهذا اليوم. هذا كله، والكثير من الملامح الأخرى لمدن متعددة وجدت طريقها إلى قصائدي وانعكست بأشكال متعددة، كل حسب ما تمليه علاقتي مع المدينة. كما هي علاقة الشاعر بالنساء "أو الشاعرة بالرجال"، فلا تشبه أية منهن الاخرى.
وحول إشارة قصائده الأخيرة إلى النصوص من الكتب السماوية، يرى أن "هنالك علاقة جدية، فرضتها دراستي للعلوم الطبيعية، والتي تحتم فهما لفلسفة الوجود وبداية ونهاية الكون. ففي العلوم الطبيعية تجد قانون الديناميكية الحرارية الثاني يعارض أي فهم ورد في الكتب السماوية لوجود الكون، لخلقه!
وكفيزيائي متخصص ومتعمق في فهم القوانين الفيزيائية وتطبيقها وتدريسها لطلبتي، يتحتم علي الفصل بين الفيزياء "والعلوم بشكل عام" وبين ما أتى في الكتب السماوية. فالاثنان، في رأيي، لا يتعارضان ولكنهما لا يتفقان، وهذا ما اعتدت أن أخبر طلبتي في بداية دراستهم للعلوم، وعلينا النظر إليهما كخطين متوازيين لا يلتقيان ولكنهما لا يتقاطعان أيضا. 
وهنا يكمن الخطأ الشائع الذي يقع فيه الكثير من رجال الدين ومن رجال العلوم، حيث نجد الأول يحاول أن يثبت ما يعتقد به من خلال العلوم وبرهنة الأحداث والظواهر، والثاني يحاول إثبات برهانا لعدم وجود ما يعتقد به الآخر. الاثنان على خطأ وقد ارتكبا جرائم كبيرة وكثيرة في حق البشرية، وللأسف فإن التاريخ يخبرنا عن الجرائم التي ارتكبها رجال الدين بحق رجال العلوم، والتي وصلت لحد القتل كما حصل للعالم الأيطالي برونو، كذلك السخرية والاستهزاء من قبل رجال العلوم برجال الدين ومعتقداتهم. وقد عبرت عن العلاقة بين رجل الدين والعالم والشاعر في قصيدة سابقة:
ابتدع الناس الدين
ليجدوا فهما لما استحال فهمه
وابتدعوا الشعر
لينظموا به فهما لما يشعرون
ثم ابتدعوا العلم
فقط لتفسير الفهم
على مر الزمن
يحاول الثلاثة فهم بعضهم البعض
دون جدوى.
ويضيف "لذا معرفة ما هو مكتوب في الكتب السماوية أصبح ضرورة، خاصة وأن هذه الكتب لا زالت، وللأسف، تتحكم بمصائر معظم شعوب العالم، حتى تلك التي تدعي غير ذلك، ونرى تفسير تعاليم هذه الكتب إن لم يكن وراء مآسي الشعوب فإنه ضليع في الامر. وخلال العقود الأخيرة بدأت أتردد على هذه الكتب باستمرار، اقرأ وأعيد فهم ما فيها. 
ورغم أن هذه الكتب ليست الا تكرار بعضها لبعض، فإن قراءة أحدها لا تغني عن معرفة ما في الاخر. فما جاء في التوراة مفصلا بروائية عالية التفاصيل نجده في القرآن معروضا ولكن بإيجاز يصل في كثير من الاحيان إلى الرمزية، ولولا تفاسير رجال الدين لأصبح القرآن غريبا على البشر، ولاشترطت قراءته قراءة التوراة والأنجيل معا. 
ولكني لا أبحث عن تفسير من قبل أي رجل دين، وذلك لأن رجل الدين بضرورة الحال متحيز، أن لم نقل قد غُسلَ دماغه وأصبح بوقا يكرر ما كتبه أو قاله من أتى من قبله دون أية نظرة نقدية للأمر، 
ومن جانب اخر، فإننا شبعنا من هذه التفاسير، فمنذ صغرنا ومنذ المراحل الإبتدائية في دراساتنا والتعليم لم يتوان عن حشو أدمغتنا بإعادة ما قاله الأسبقون وما علينا إلا الأخذ به وإطاعته وترديده. أن كل ذلك دفعني لإعادة القراءة لهذه الكتب، بعيدا عن الأحكام المسبقة وسلطة الفهم الجماعي الموروث. وقد وجدت أن هناك الكثير مما مر على مسامعنا وعلى نواظرنا دون تدقيق أو حتى التوقف حياله من اجل استيعابه. 
يرى العبدلي أن "كلام الكتب السماوية ليس إلا كلاما كتب بقلم الإنسان والأمر من ذلك بعد موت الرسل بعدة قرون، ولا يحتوي على أية الغاز تحتاج إلى منجمين أو عباقرة لحلها، سوى تلك التي أضافها أو حرفها الكتاب الذين جاؤا بعد رسلهم وأنبيائهم. 
ومع ذلك فإني لا أكذب هذه الكتب مما فيها، ولكني أسأل نفسي باستمرار، كيف يقبل العقل أن الرب يخاطبنا بلغة الألغاز؟ وأي جدوى من نصيحة الرب للإنسان إن كانت قد نزلت بشكل غير مفهوم. لماذا؟ ولم يرهق الرب خليقته بكل هذه الأعباء من الطقوس والتقاليد إن وجدت في كتابه؟ وهل يجدي بشيء إن كان ما يذكر في هذا الكتاب السماوي أو ذاك أن حدثا قد حدث فعلا أم لا!  
إن رغبة أي إنسان في تثبيت ما جاء في هذه الكتب ليست إلا تعبيرا عن شكه فيما يقرأه في هذه الكتب، ورغبته ليست إلا رغبة في أن يكون إيمانه الحسي إيمانا عقلانيا أيضا. وأجد أن هذا الأمر محزنا. 
أما تطرقي لبعض من هذه النصوص لا يتعدى التذكير بأن علينا قراءة النص السماوي بموضوعية تحتم على المؤمن احترام الأديان الأخرى، ومثال على ذلك وصية النبي موسى إلى بني إسرائيل التي وردت في التوراة والقرآن، حيث أخبرهم بأن الله قد اختارهم واصطفاهم بين العالمين، وجعل أرض فلسطين لهم وما عليهم إلا طرد وإبادة سكانها (الكنعانيين) وغيرهم). فإن آمن المؤمن بما جاء في هذه الكتب، فما عليه إلا الطاعة)! أليس كذلك؟ إنني أتساءل فقط.