سلوك البشر يضع التنوع الأحيائي في منعطف خطير

مصر
عوائد البيئة الطبيعية في الحسابات البنكية لرجال الأعمال

"التنوُّع الأحيائي" مصطلـحٌ حديثٌ نسبياً، من إنتاج النصف الثاني من القرن العشرين؛ جيء به ليكون إطاراً عاماً لصورة تضم كافة أنواع الكائنات الحية، نباتية وحيوانية، بالإضافة إلى الكائنات الدقيقة المتواجدة في أنظمة بيئية مختلفة.
إنه اصطلاح دال على القدرة الطبيعية على التنوع، وهو يتسع ليشمل "عدد" و"تكرار تواجد" كل من الأنظمة البيئية وأنواع الكائنات الحية وأيضاً العوامل الوراثية المحددة لصفاتها.
ثمة إذن ثلاثة مستويات للتنوع الأحيائي:

الأول لتنوُّع الصفات الوراثية، ونعني به مجموع المعلومات والصفات المشـــفَّرة في جينات كل النباتات والحيوانات والكائنات الدقيقة الموجودة على سطح الأرض؛ ويمثل هذا المستوى القاعدةَ العريضة لتنوع الحياة في كوكبنا.

الثاني هو التنوع الحاصل في مجمل الأنواع من الكائنات الحية والتي يُعتقـد أن عددها حاليا يبلغ خمسين مليون نوع، وإن كان عدد الأنواع التي تم التحقق من وجودهـا وقام العلماء بوصفها وتوثيقها، لا يزيد كثيراً عن مليون وأربعمائة ألف نوع نصفهـــا من الحشــــرات.

الثالث هو التنوع في الأنظمة البيئية، ويأتي من التباين في أنماط حيــاة التجمعــات المختلفة من الكائنـات الحية ومن تعدد وتنوع التفاعلات البيئية في المحيــط الحيـــوي الذي يضــم كل الأنظمة البيئية.
وفي هذه الأنظمة تتم عمليات دوران الأملاح المغذِّيــة في أطوارها الثلاثة من الإنتـــاج إلى الاســـتهلاك إلى التحلل، كمــا يـدور فيهـــا أيضــاً كلٌ من المــاء والأكســـجين والميثـــان وثانـي أكســـيد الكربون وهــي العناصـــر الرئيسية المؤثِّــرة في أحــــوال المنـــاخ.

ويجب بدايةً، أن نعترف بأن هذا المصطلح لا يزال غائماً، أو منقوص الفهم، خاصة بين من يتعرضون للشأن البيئي من غير المتخصصين. وفي اعتقادنا أن المصطلح يمكن أن يصير أوضحَ إذا اهتممنا بتفهم بعض الاصطلاحات التي تتردد عند الحديث عن التنوع الأحيائي مثل:

1. مـوارد طبيعية حيَّـة: وهي مكونات التنوع الأحيائي، التي يفيد منها البشر بصورة مباشرة أو غير مباشرة، حالياً أو مســـتقبلاً من إمكاناتها وقدراتها الكامنة فيها.
2. مجتمع حيوي أو أحيائي: مجموعة متكاملة من الأنواع تستوطن بقعة من الأرض ويؤثِّــر بعضها في البعض الآخـر من حيث الانتشار والوفرة والتطور.
3. صـون الطبيعة: مجموع السياسات التي تدار بها عمليات استغلال المحيط الحيوي، لتحقيق أقصى منفعة مع مراعاة عامل الاستدامة؛ أي إشباع الاحتياجات الحالية والأخذ في الاعتبار ضرورة صيانتها لتفي باحتياجات وتطلعات الأجيال التالية، وعلى ذلك فإن معنى صون الطبيعة يشمل: التفاعل الإيجابي مع البيئة الطبيعية وصيانتها وتحسينها وإنعاشها.
4. النظـــــام البيئــــي: هو البيئة الطبيعية مثل بركة أو بحيرة أو جزء من ساحل بحر أو غابة وكل الكائنات الحية التي تستوطنها أو تعيش مرتبطة بها على مدار حياتها أو في جزء منها.
معنى هذا أن النظـــام البيئي عبارة عن مركَّـــب دينامــي يشتمل على نباتات وحيوانات وكائنات مجهرية ويدخل في تكوينه جمادات البيئة من تربة وتكوينات جيولوجية، وكلها في حالة تفاعل بالتأثير والتأثر كوحدة بيئية، ولا حدود ثابتة للأنظمـة البيئية بل تتحدد أبعادها تبعاً لمعايير متغيرة ولاعتبارات علميـة أو إدارية أو سياسية.
5. الانقـــــــــراض: يعني انتهاء تاريخ التطور لنوع بعينه بسبب فشله في تحقيق التكاثر وهــلاك كل الأفراد المتبقين المنتمين لهذا النوع، وقد يحدث أيضاً بسبب عدم قدرة نوع من الكائنات الحية على الاستجابة لمتغيرات بيئية، مثل الديناصورات.(سيرد فيما يلي تعريف لدرجات التعرض لخطر الانقراض).
6. النوع: مجموعة من الكائنات الحية لها قدرة محدودة على التـزاوج بيـن أفـرادهـا وليس مع أفراد أنواع أخرى.

و في أعقاب قمـة الأرض الأولـى (ريو 92)، أعلنت الأمم المتحدة يومَ الثاني والعشرين من مايو يوماً عالمياً للتنوع الأحيائي يجري الاحتفال به كل عام بمناقشة موضوع متَّصـــل بقضية التنــوُّع الأحيــــائي.
وكان موضوع الاحتفال في العام 2003 "التنوع الأحيائي والتخفيف من حـدة الفقــر: تحديـات تواجه التنمية المســتدامة"، وفي احتفال الأمم المتحدة بذلك اليوم، كشف العالم البيئي الأميركي بيتر رافن النقـــاب عن الحقيقة المؤلمة لوضع التنـــوع الأحيائي بالعالم في محاضرة كان عنوانها "اختيــارنـا: كم عدد الأنواع من الكائنات الحية التي سيكتب لها البقاء في القرن 21"؟ وجاء فيها أن البشر لم يقوموا بما كان يجب عليهم القيام به لإيجاد الأسلوب الذي يحقق عنصر الاستدامة في تعاملهم مع موارد الأرض، وأن هذا الاتهام ينسحب بالمقام الأول على العالم الغني.
وحسب تقدير دكتور رافن فإن في العالم الآن 10 مليون نوع من الكائنات الحية لم يتعرف علماء التصنيف والبيولوجيا إلا على مليون ونصف المليون فقط منها (أي 15 %) من بينها أعداد كبيرة من الأنواع نستغلها استغلالاً فاحشاً يقودها إلى الانقراض، كما أن ثمة سلوكيات وأنشطة بشرية تؤدي إلى اختفاء أنواع قبل أن نراها ويتعرف عليها العلماء.

وقد حدد علماء البيئة في الاتحاد العالمي لصون الطبيعة والموارد الطبيعية (آي يو سي أن ) خمس درجات تهديد بالانقراض تواجه الكائنات الحية مواصفاتها كالتالي:

أولاً: أنواع انقرضت فعلاً، وهي الأنواع من الكائنات الحية التي تأكد بالدليل القاطع وبإجماع العلماء اختفاؤها من الحياة البرية في السنوات الخمسين الماضية.
ومن أمثلتها ذئب طسمانيـا الذي لم يره أحد منذ عام 1936، وديوجونج بحر ســتيللار الذي اختفي منذ منتصف القرن الثامن عشر.

ثانيـاً: أنواع اختفت من البرية ولا يوجد منها سوى أفراد معدودين يعيشون في الحبس (حدائق الحيوان الخاصة أو العامة ومراكز البحوث).

ثالثاً: أنواع من الكائنات الحية معرَّضــة للانقراض وأوضاعها حرجة
إذ يحدق بها خطر الانقراض في المستقبل المنظور، وتضم هذه المجموعة الكائنات الحية التي تندرج تحت واحد أو أكثر من الأحوال التالية:
أ. الأنواع التي نقص تعداد تجمعاتها بنسبة 80%، في السنوات العشر المنصرمة.
ب. الأنواع التي لا تزيد مساحة موائلها أو بيئاتها الطبيعية عن 10 كيلومترات مربعة وتعيش بحالة من الشتات في تجمعات صغيرة معزولة بعضها عن بعض، أو تلك التي يتناقص تعدادها بصورة مستمرة، أو التي يتردد تعدادها بين الزيادة والنقصان.
جـ. الأنواع التي يقل عدد أفرادها البالغين عن 250 فرداً ويطرأ عليها نقصان بمعدل 25% كل 3 ســـنوات.
د. أنواع يقل تعدادها عن 50 فرد بالغ.
هـ. أنواع يصل احتمال انقراضها خلال خمس سنوات أو بعد جيلين إلى 50%.

رابعاً: أنواع (عُــرْضـــة) للانقراض ينتظر أن تنقرض في المستقبل القريب وتضم هذه المجموعة الحالات الآتية:

أ. أنواع نقص تعداد تجمعاتها بنسبة 50% في السنوات العشر الماضيــة.
ب. أنواع تعيش في مساحة أقل من 500 كم مربع.
جـ. أنواع يقل عدد الأفراد البالغين في تجمعاتها عن 2500 فرد، مع تعرضها لنقص مستمر في التعداد بنسبة 20% أو تعيش في تجمعات معزولة أو تتذبذب أعداد أفرادها بين الزيادة والنقصان.
د. أنواع يقل تعداد أفرادها البالغين عن 250 فرداً.
هـ. أنواع يصل احتمال انقراضها خلال العشرين سنة القادمة أو خمسة أجيال تالية إلى 20%.

خامساً: أنواع (مُسْتهدَفَة) تواجه خطر الانقراض في المستقبل غير القريب وتضم هذه المجموعة الحالات التالية:

أ. أنواع وقع بها نقص بمقدار 50% من تعداد تجمعاتها في السنوات العشرين الماضية أو خلال الأجيال الخمسة المنقضية.
ب. أنواع تعيش في مساحة أقل من 2000 كم مربع، بالإضافة إلى أنها تقع تحت ضغط اثنين من العوامل التالية: نقص مستمر في التعداد وتشتت واضح وحاد في التجمعات، وألا تتواجد إلا في موقعين فقط وتعاني تذبذباً حاداً في التعداد بين الزيادة والنقصان.
جـ. أنواع يقل تعدادها عن 10 آلاف فرد بالغ وتتناقص باستمرار.
د. أنواع يقل تعدادها عن ألف فرد بالغ يعيشون في مواقع محدودة جداً.
هـ. أنواع تواجه احتمال انقراضها في السنوات المائة القادمة بنسبة 10%.

ويلخص الجدول التالي الحالة العامة لانقراض الكائنات الحية في العالم:

الوضع العام لمختلف درجات تعرُّض الكائنات الحية للانقراض بالعالم
جملة مستهدف عُرضةً معـرَّض في الحبس منقرض
6161 3157 1353 925 33 693 حيوان
5701 3331 1266 1014 17 73 نـبات

ويمكن إيجاز أسباب تدهور أحوال التنـــوُّع الأحيائي في العالم بعامة في العوامل التالية:

1. فقــدان المــوئل.
2. الصــــــيد الجـائـــر والمتلصـــص.
3. التنافــس بين الكائنات أصيلة النشأة والأنواع الدخيلة أو الغازية.
4. الاتجــــار في الحيوانات والنباتات البرية، إذ يبلغ حجم التجارة القائمة على الحياة البرية 20 بليون دولار سنويا، ربعها غير قانوني.
وفيما يلي نماذج من "السلع" التي تقوم عليها تلك التجارة (الكميات المذكورة بمعدل سنوي):

- 40 ألف من الشمبانزي وأنواع الرئيسيات الأخرى.
- 2-5 مليون طائر حــي، لمختلف الأغراض.
- 2-3 مليون من الزواحف الحية.
- 10-25 مليون من جلود الزواحــف.
- 500-600 مليون سمكة زينة ملونة.
- 1000-2000 طن من الشعاب المرجانية.
- 7-8 مليون نبات صــبَّـــار.
- 9-10 مليـــون نبات أوركيد.

إن التنوع الأحيائي هو المدخل الذي من خلاله يمكننا تقدير قيمة "الخدمات" التي تقدمها لنا الأنظمة البيئية المختلفة بما تكتنزه من موارد طبيعية حيَّـة، وتتمثل هذه القيمة في الأوجه التالية:

1. أوجه غير مباشرة لمجموعة من القيم غيـر المحســوســة مثل عملية البناء الضوئي وهي أضخم عملية تصنيع للمواد الكربوهيدراتية على وجه الأرض وأساس الحياة في كل صــورها، وعملية تنظيم أحوال المناخ الأرضي وهاتان العمليتان يتحكم فيهمــا بعــض مكونات الأنظمة البيئية.

2. المنتجات الطبيعية التي يجري استغلالهـا من الطبيعة مباشرةً وعلى حســاب كثير من أنواع الكائنات الحية –نباتية وحيوانية– دون أن تمر بمرحلة تسويق مثل أخشاب الوقود والأعلاف وحيوانات الصيد.

3. القيمة الاقتصادية للمنتجات الطبيعية الحية التي تُســـتغل تجارياً مثل أخشاب الأشجار التصنيعيـة وأنياب الفيلة (العاج) والنباتات الطبية والكائنات البحرية التي أظهرت مؤخَّـراً قدرات وإمكانات صيدلانية مبهرة، منها:

(1) مركبان مضادان للسرطان مأخوذان من نسيج الإسفنج، الأول هو باستادين الذي يؤثر بالسلب على نمو خلايا سرطان الدم وأورام المبيض، أما الثاني فيسمى جاسبلا كينولايد ويفسد أسلوب انقسام خلايا سرطان الكلى وسرطان البروستاتا.
(2) مركَّب مضاد للبكتيريا اسمه بيوكسالو مايسين من أجسام بكتيرية تعيش في المياه الشاطئية.
(3) مركَّب شديد الفعالية ضد الفطريات هو إستاتين من بكتيريا تحمي بيض الجمبري ومركَّبين من المضادات الحيوية هما سالينوميد–أ، وسالينوميد–ب من بكتيريا متعايشة مع نوع من قناديل البحر.
(4) ومن الدودة البحرية المســمَّاة بالبلُّوطية يستخلص مركَّب مضاد للسرطان.
(5) من أرنب البحر يأتي مركَّب ببتيدي هو دولا ستاتين-13، المضاد للأورام.
(6) ديســـكو درمولايد: من نوع الإسفنج الذي ينمو في جزر الباهاما، ولهذا العقار خاصية خفض كفاءة أجهزة المناعة، والمأمول أن ينجح العلماء في إخضاعه للتأثير على النشاط المناعي للجسم وتعطيله عقب جراحات غرس الأعضاء.
(7) بريو ستاتين: من الأشنة البحرية.
(8) دايديمنين–ب: من الغلاليات.

والمركبان السابقان في مرحلة التجريب السريري، كمضادين للنشاط السرطاني للخلايا.
(9) سودو تيروسين–أ: من شعب مرجانية تعيش بالبحر الكاريبي.
(10) سكالاراديال من: إسفنج يعيش في مياه غرب المحيط الهادي.

والمركبان السابقان في المراحل النهائية من الاختبارات للتأكد من كفاءتهما كمضادين للالتهابات.

(11) إكتيناسيدين: من أحد أنواع الغلاليات، ويجري تجريبه على مرضى متطوعين لتحديد مدى فعاليته كمضاد سرطاني.
(12) هاليكوندرين–ب: من عدة أنواع إسفنجية.
(13) هالمــون: من الطحلب الأحمر.

والمركبان (11) و(12) في مرحلة التجريب الإكلينيكي، كمضادين للسرطان.

(14) مركب مضاد للسرطان من أسماك القرش، وهو مادة في غضاريف سمكة القرش لها خاصية تثبيط النشاط السرطاني وعند تجريبها في المختبر على ورم في عين أرنب أعطت نتائج مذهلة.
ولعل قيمة التنوع الأحيائي للأرض تبرز أكثر عند ترجمة قيمة ثروات الأرض من الموارد الطبيعية الحية الموزعة على أنظمتها البيئية المتعددة إلى نقــود، فثمة من لا يعترفون إلاَّ بهذه اللغة.
لقد اهتم فريق من علماء معهد اقتصاديات البيئة بولاية ماريلاند الأميركية، برئاسة البروفيسور روبرت كوستانزا رئيس المعهد، بتقدير القيمة الاقتصادية للمنافع والخدمات التي تقدمها الأنظمة البيئية المعروفة في العالم للبشر من سكان الأرض.
ويقول الدكتور كوستانزا "لقد حددنا 17 نوعاً من الخدمات والمنافع البيئية لـ 16 من الأنظمة البيئية المتصلة بحياة الناس".
وأضاف كوستانزا "وقمنا بتقدير ثمن كل نوع من تلك الخدمات والمنافع على أساس وحدة مساحة هي الهكتار من كل نظام بيئي، ثم القيمة الكلية للنوع الواحد من الخدمات والمنافع على أساس المساحة الكلية للنظام البيئي (مساحة بيئة حزام الغابات الاستوائية المطيرة مثلاً) ثم جمعنا القيمة الكلية لكل أنواع الخدمات في كل الأنظمة البيئية المحددة وتوصلنا إلى أن النظام البيئي للأرض كلها يوفر للبشر خدمات ومنافع تتراوح قيمتها بين 16 و54 تريليون دولار سنوياً، ولكننا نميل إلى تقدير معتدل، في حدود 33 تريليون دولار في السنة"، موزعة كالتالي(تريليون دولار/سنة):
12.568 من السواحل
8.381 من المياه البحريـة العميقة
4.879 من المستنقعات أو الأراضي الرطبة
4.706 من الغابات
1.700 من البحيرات والأنهار
0.900 من المـراعي
0.128 من الأراضي الزراعية
33.268: الإجمالي

والملاحظ أن قيمة خدمات الأنظمة البيئية البحرية 20.949 تريليون دولارسنويا وهي أعلى من مجموع أنظمة بيئات اليابس 12.319 تريليون دولار في السنة.
وللمقارنة، فإن مجموع الدخل القومي لكل سكان الأرض لا يتجاوز 18 تريليون دولار سنويا، أي نصف قيمة الخدمات والمنافع التي يجنيها البشر من الأنظمة البيئية حسب تقدير فريق الدكتور كوستانزا الذي اضطر إلى إهمال قيمة خدمات بعض الأنظمة البيئية الأرضية المهمة مثل الصحراء وسهول التندرا المترامية في القطب الشمالي وذلك لتعذر الحصول على بيانات تخصها.

إن حماية التنوع الأحيائي هي مسؤولية الجميع أفرادا وحكومات، وإن كانت أعباء مسؤولية الحكومات أكبر لأن السياسات الحكومية وبخاصة تلك التي تغيب عنها الاعتبارات البيئية هي التي تتحمل وزر تدهور الأنظمة البيئية والموارد الطبيعية الحية، فهـي التي تهيمن على الموارد المائية والغابات وهي المسؤولة عن النمو العمرانـي على حســاب الأنظـمة البيئية والموائل الطبيعية؛ وهي التي تسـتورد المبيدات أو تسمح بجلبهـا بآثارها المدمرة للتنوع الأحيائي، وعلى تلك الحكومات أن تراجع سياساتها البيئية، كخطــوة أولــى لحمايـة ذلك التنوع.

ومن الأفكار التي طرحت لتأمين التنوع الأحيائي الكوني، نظرية "البقع الساخنة" التي جاء بها عالم البيئة الإنجليزي نورمـان ميـرس ونشرها في مجلة نيوساينتيست في فبراير 2002.
وتتلخص النظرية في أن في العالم 25 موقعاً أو بقعة،لا يزيد إجمالي مساحاتها عن مساحة جزيرة جرينلاند أطلق عليها اسم "البقع الساخنة" حيث يتركز فيها أعلى درجـات التنوع الأحيائي بالعالم، إذ يعيش فيها نصف عدد أنواع الكائنات الحية، فإذا أُحيطــت بإجـراءات حماية قوية نكون قد قطعنـا شوطاً كبيراً في مواجهة خطر الانقراض الذي تتعرض له أنواع عديدة من الكائنات الحية.
والمشكلة التي تواجه فكرة ميرس التي تبدو طيبة من الناحية النظرية، هي أن هذه البقع الساخنة لا تسكنها كائنات التنوع الأحيائي وحدها فهـــي الموطن لبليون إنسان، أي سُــدس سكان الكرة الأرضية ومعظمهم من الفقراء الذين تقوم حياتهم على أنشطة زراعة ورعي محدودة في هذه المناطق الساخنة ويستحيل حرمانهم منها بفرض الحماية على تلك البقع.

على أي حال، فإن التنوع الأحيائي مسألة حياة أو موت بالنسبة للبشر، وينبغي على الجميع، أغنياء الأرض وفقرائها على السواء أن يعملوا على إزالة معوقات حماية هذا التنوع التي نذكر منها:

1. أن خـطط وبرامج التنمية الوطنيـة لا تعطــي الاهتــمام المناســب لقيمـة الموارد الطبيعية الحية.
2. أن العلاقة بين الأنظمة البيئية المختلفة والأنواع من الكائنات الحية التي تعيش بهـا والتي تمثل عمــاد حيــاة البشــر، بحاجـة إلى مزيد من الدراسة من أجل مزيد من الفهـم، فالثابت أن إمكانيات وجهود علماء التصنيـف في رصــد ووصف التوثيق العلمي للكائنات الحية لا تزال قاصرةً عن الإلمــام بكائنــات حية تعيش معنـا الآن وتخلــو منها الخرائـط التصنيفيـة، بل إن بعـض هـذه الكائنـات ينقـرض قبل أن يتعرف عليه العلمــاء.
3. أن ثمة قصوراً علمياً آخــر يتمثل في عدم كفاية سُــبل الإدارة العلمية للأنظـمـــة البيئية، وعلى سبيل المثال لا تزال علوم إدارة المصايد البحرية (المسامك) عاجـزة عن تحقيق الاســتغلال الأمثـل للمـوارد البحـريـة الحيـة ولا يزال الجدل دائراً حول حقيقة المخزون الطبيعي من تلك الموارد وخصوصاً اللبونيــات البحرية، وهذا هو أصل النزاع القائم بين الهيئات والمنظمات البيئية الغربية واليابان حول حظر صيد الحيتان.
4. أن معظم المنظمات والهيئات العاملة في مجـال صون البيئة والموارد الطبيعية الحية يعمل منفصلاً بعضه عن بعض، وتتركز أنشطته في مجالات ضيقة ذات تأثير محدود.
5. أن المؤسسات التي تتصــدى لتحمل مسؤولية حماية التنوع الأحيائي تفتقر إلى التمويل المادي، فعلى سبيل المثال وفي أحد المؤتمرات حول التنوع البيولوجي الذي أقامه جهاز شؤون البيئة بمصر، كانت الشكوى العامة لكل العلماء المشاركين بالمؤتمر أن مشروعاتهم العلمية لا تكتمل نتيجة عجـز الموارد المالية.
6. أن الجانب الأعظم من مردودات استغلال الموارد الطبيعية الحية يصبُّ في خزائن التجار ورجال الصنـاعة الذين لا يلتفتون في الغالب إلى تحمُّل أنصــبتهم من التكلفـة البيئية لاســتغلال تلك الموارد، بينما يقع عبء هذه التكلفة على كاهل الوطنيين من سكان البيئة محلّ الاستغلال الذين قد يفاجأون بنضــوب تلك الموارد واختـلال الأنظمة البيئية في مواطنهــم، وقد يؤدي ذلك إلى اهتـزاز استقرار معيشتهم.
7. أن صوت "أصحاب الأرض" لا يؤخذ في الاعتبار في أغلب الحالات عند إعداد خطط التنمية وإجراءات صون التنوع الأحيائي وتنظيم وإدارة الموارد الطبيعية الحية بالرغم من أهمية هذا الصوت، الذي لا يخلو من حكمة وخبرة قد لا تتوفر للكثيرين من خبراء التخطيط.
لنستمع إلى المواطن الماليزي باتريك سيجونداد من شعب كادازان يقول "التنوع الأحيائي مصطلح غريب علينا ولكن إذا طُلـب مني أن أترجمه إلى لغتنا، أقول إنه يعني كل شيء بالعالم ويشمل ما في أعماق البحار وكل ما يمكن أن تلمسه أيدينا وفوق كل ذلك وبالإضافة إلى الأشياء الحية، يجب أن نضيف الهواء والماء والشمس".
وأضاف سيجونداد "كما أن للمصطلح جانبه الأخلاقي والروحي، فالناس في بلادي مهما اختلفت دياناتهم يعتقدون في وجود الروح(...) إنها أشبه ما تكون بالدليل، وهي ذلك الشيء الذي عليك أن تبجله وتعيه، و للأرض روح وكذلك الأشياء التي تعيش على الأشجار وبين الصخور، لها كلها أرواح كما أن للأسلاف أرواحاً.

وقال سيجونداد أيضا "وفي لغتنا غير المكتوبة نقول 'أدات'، وهي كلمة تدل على مفهوم للمعرفة العامة، وهي تعني عند أهلنا من السكان الأصليين في ماليزيا المعتقدات والقيم التي تحكم كل شؤون الحياة، إنها منظومة من القواعد والمبادئ الشفاهية التي تحيط بكل شيء وبالعلاقات القائمة في العالم المحسوس والعالم الخفي".
وأنهى سيجونداد حديثه بأن "كل الأشياء مسكونة بنوع ما من الأرواح، وثمة وسيلة مؤكدة للاتصال بها كما أن كل الأشياء قائمة في حالة من الاتزان وإذا حل بعالم الأرواح ما يكدر صفوه انعكس ذلك على 'أفراد العائلة الأرضية' أو المجتمع".

ويقول المواطن ميشيل كابو من بابوا (غينيا الجديدة) "لست بحاجة لأن أذهب إلى الجامعة لأعرف ما هـو التنوع الأحيائي، الذي تعـرِّفــه لغة العلماء بأنه الفلزات والصخور والرمال والمياه وغيرها من المواد التي يعالجها العلماء، وعلى الجانب الآخر، فإن مفهوم الناس البدائيين عن التنـــــوع الحيوي في نهر أو بحر أو بين الشعاب المرجانية لهو أكثر تماسكاً من مفهوم العلماء لأنه يتضمن أيضاً التنوع الحيوي للقرية (العالم) بمعناه الفيزيقي حيث يعيش البشر، أو العالم الخفي (عالم الأرواح).
وقال "فإذا لم نتعلم كيف نحترم السكان الأصليين وقوانينهم فإن علاقة الثقافة بالبيئة والإنسان والروح ،تلك العلاقة التي يجب أن نصونها على الدوام، سوف يصيبها الاضطراب".
يجب أن نحرص على أن تبقى هذه العلاقة بحال من التوافق والتآلف لتسير أحوال التنوع الأحيائي على ما يرام.
إن العلماء المبجلين "ينشالون" و"ينحطُّون" متصايحين "ماذا جري لكوكب الأرض"؟، والسكان الوطنيون يعرفون السر وراء تدهور أحوال هذا الكوكب، إن الأحوال لن تنصـلح ما لم يربط التنـوع الأحيائي بالجانب الروحي والثقافي والأخلاقي.

وأخيراً، فإن السعي من أجل حماية تنوع الحياة والأحياء في الكون ليس عملية بسيطة، إذ يتطلب جهوداً في اتجاهات متعددة، كما يستلزم إنفاقاً ضخماً فمن يسدد قيمة الفاتورة؟
والجواب ببســـاطة ووضوح شديدين:
إن على من استفادوا من التنوع الأحيائي للأنظمـة البيئية -أو بالأحـــرى من اشــتركوا في اســـتنزاف موارد تلك الأنظمـة- أن يشاركوا بتحمُّـل الجانـب الأكبـر من تكـالــيف علاج هذه الأنظــمة المنهكـة، وإن تلك المشــاركة هي فـي الحقيقـة اســتثمارٌ لصــالح البلدان الغنية يهدف إلى إنعاش قدراتها الإنتاجية ولمنفعة كل الأطراف.
لقــد خلَّفنــا وراءنـا قرنـاً من الاســتغلال غير الرشــيد لمـوارد العالم الطبيعية وهـــا نحــن ذا قـد وضعنـا أيدينـا على جــوهــر المشــكلة وأمامنـا فرصــة ولعلها آخر الفرص المتاحة أمام البشر لاتخاذ القرارات المناسبة، وللســعي من أجـل تأميـن المـوارد الطبيعيـة الحية وحماية الأنظمة البيئية وإنعاشها لتعود قادرةً علـى إمداد خطط وبرامج التنمية، في الألفية الثالثة من عمر حضارة البشر، باحتياجاتها من الخامات.

لقد ولَّى القرن العشرون وقد تركنـا في مفترق طرق، فتوجهاتنا خلال الســـنوات القليـلة القادمة هــي التي ســـتحدد فـــي أي السكَّتيــن نسير: "سكة الندامة"، بالاســتمرار في الإســــاءة إلى مـواردنـا الطبيعية الحية وتدميرها دون أن ندري أو ربما بوعي تام، أننا نصــدر الفوضــى إلى أبنائنـا وحفــدتنـا، ونحرمهم فرصة طيبة للحيــاة.
أم "سكة السلامة"، بأن نتيح لخريطـة الحيـــاة في كوكبنــا أن تعــود إلـى الازدهــار وبأن ندرك أننا -بنــي الإنسـان لسنا وحدنـا على سطح الأرض، وأن استمرار وجود الكائنــات الأخرى معنا هو ضرورة لاستمرار الحياة.