سلطنة عمان ترسي رهان الإستقرار على إقتصاد البدائل

إعداد: أحمد عبد الله
تنمية الموارد

ارتفاع العائدات النفطية قد يخدع الكثيرين، إلا انه لا يخدع القائمين على رسم الإستراتيجيات الإقتصادية في عمان.
لهذا السبب، وفي غمرة السرور الضمني لإرتفاع أسعار النفط والغاز، وكذلك نمو الناتج الإجمالي وارتفاع مستوى الدخل الوطني ومعدل الدخل الفردي، فان سلطنة عمان تبدو وكأنها لا تضع رهاناتها على مصدر المسرّة الراهن، وانما على مصادر بديلة أخرى.
وبينما تُصدّر عمان 10 ملايين طن من الغاز المسال سنويا، فان احد أبرز أمثلة الرهان على البدائل كان في اعلان وزارة النفط والغاز العمانية الأسبوع الماضي عن عزمها على اقامة محطات لتوليد الطاقة تعمل بالفحم من أجل التغلب على ما وصفته "نقص الغاز اللازم لتشغيل مشروعات مستقبلية".
وتسعى عمان لجذب مستثمرين أجانب لبناء أول محطة لتوليد الطاقة باستخدام الفحم بطاقة 1000 ميغاواط في "الدقم" التي تعمل السلطنة حاليا على اقامة منطقة صناعية فيها.
والمسألة التي تواجه وزارة النفط هي، بالدرجة الأولى، مسألة توفير بدائل للطلب المحلي المتزايد على الغاز.
وأظهرت احصاءات لوزارة الاقتصاد نمو انتاج سلطنة عمان من النفط 4.7 بالمئة في الأشهر الستة الاولى من العام ليصل الى 743 ألف برميل يوميا قياسا الى الفترة ذاتها من 2007.
وسجلت عائدات النفط زيادة بمقدار 55 في المئة عن الفترة نفسها من العام الماضي.
وكان الاقتصاد العماني سجل مستويات قياسية خلال الربع الأول من العام الجاري بعد أن حقق معدل نمو مرتفع في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية بلغت نسبته 42.9 % مقارنة بالربع الأول من 2007، والذي يعتبر أعلى معدل نمو منذ 1980.
وأوضح تقرير الملامح الأقتصادية للسلطنة الصادر عن وزارة الاقتصاد الوطني إن معظم الزيادة المحققة في الناتج المحلي الإجمالي جاءت من الأنشطة النفطية بعد أن ارتفع معدل نموها بنسبة 60.8%.
ولكن البحث عن بدائل دفع الى تنمية النشاطات الإقتصادية غير النفطية. وهي حققت نتائج طيبة، إذ بلغ معدل نموها ما نسبته 28.3% خلال الربع الأول من العام الجاري، ويعتبر هذا أعلى معدل نمو منذ الربع الثالث من عام 1996.
وجاءت معظم المساهمات في النمو من تجارة الجملة والتجزئة، وقطاع الصناعات الكيميائية الأساسية، وقطاع النقل والتخزين والاتصالات، إضافةً إلى قطاع الوساطة المالية.
ولا يبدو ان هذه النتائج قادرة على ان تحل بالفعل محل النفط في الأمد المتوسط. ويعتبر المسؤولون الإقتصاديون في السلطنة ان التوجه الطموح للاستغناء عن النفط ما يزال بحاجة الى ما لا يقل عن 20 عاما آخرى من تنمية الموارد غير النفطية، قبل ان يمكن بالفعل الركون الى عائدات إقتصادية بديلة كليا.
وتقول نشرة احصائية تصدرها وزارة الإقتصاد أن إيرادات سلطنة عمان ارتفعت في الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي إلى 3 مليارات و353 مليون ريال عماني، بنسبة زيادة 19.7 % مقارنة بـ2 مليار و 801 مليون ريال خلال نفس الفترة من العام الماضي، الأمر الذي ساهم في تعزيز الإيرادات الحكومية، في الوقت الذي دعمت فيه إيرادات الضريبة الجمركية وإيرادات ضريبة الدخل على الشركات والإيرادات الرأسمالية الموازنة العامة للدولة للعام الحالي.
وبينما ارتفعت إيرادات النفط في الأشهر الخمسة الأولى من 2008 إلى 2 مليار و183 مليون ريال مقارنة بـ مليار و760 مليون ريال خلال نفس الفترة من العام السابق، بنسبة زيادة 24.1 %، فقد انخفضت إيرادات الغاز انخفضت من 333.3 مليون ريال إلى 319.2 مليون ريال.
ولكن، في حدود الموارد البديلة، فقد ارتفعت إيرادات الضريبة الجمركية من 45.6 مليون ريال إلى 65.4 مليون ريال. وارتفعت إيرادات ضريبة الدخل على الشركات من 156.3 مليون ريال إلى 194.1 مليون ريال، كما ارتفعت الإيرادات الرأسمالية من 15.9 مليون ريال إلى 40.6 مليون ريال، وارتفعت الايرادات الأخرى من 413.8 مليون ريال إلى 536.4 مليون.
وسجل الإنفاق العام ارتفاعا في الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي إلى 2 مليار و539 مليون ريال مقارنة بـ 2 مليار و204 مليون ريال خلال الفترة نفسها من 2007، بنسية نمو 25.5 %. وبلغ حجم الفائض في الموازنة العامة للدولة بنهاية مايو/أيار الماضي 818.8 مليون ريال مقابل 777.2 مليون ريال في الفترة نفسها من 2007.
وحتى مارس/آذار الماضي، فقد بلغ إجمالي الناتج المحلي في سلطنة عمان بالأسعار الجارية حوالي 4 مليارات و904 ملايين ريال عماني مقارنة بـ 3 مليارات و 431.9 مليون ريال خلال نفس الفترة من 2007، بنسبة ارتفاع قدرها 42.9 %.
وتشير الإحصائيات الصادرة عن وزارة الاقتصاد الوطني أن نمو الناتج المحلي يرجع إلى ارتفاع إجمالي الانشطة النفطية بنسبة 60.8 %، حيث بلغت 2483.4 مليون ريال بنهاية مارس/آذار 2008 مقارنة بـ 1544.6 مليون ريال خلال نفس الفترة من 2007. ولكن الناتج المحلي للانشطة غير النفطية ارتفع بنسبة 28.3%، حيث بلغ الاجمالي حوالي 2502 مليون ريال مقارنة بـ 1951 مليون ريال بنهاية الفترة نفسها عام 2007.
يذكر ان عدد سكان السلطنة يبلغ 577ر2 مليون نسمة، بزيادة بنسبة 2.2 في المائة عن العام 2006. ويبلغ عدد الوافدين 693 ألف نسمة بزيادة 1ر4 في المئة مقارنة بالعام نفسه.
وتعمل سلطنة عمان على تشجيع الإستثمارات في مصادر الطاقة البديلة، ومنها الطاقت الشمسية وطاقة المستخرجة من زيوت النخيل. وأنشأت لهذا الغرض عدة مشاريع يتصدر القطاع الخاص الإستثمارات الرئيسية فيها.
وتشكل السياحة والخدمات التجارية عنصرين رئيسيين في اقتصاد البدائل بالنسبة للخطط الاقتصادية المستقبلية.

وكانت استراتيجية التنمية طويلة المدى (1996-2020) رسمت ملامح اقتصاد يركز على تنويع مصادر الدخل الوطني للسلطنة والحد من الاعتماد على النفط "مع تنمية القطاع الخاص وتنشيط سياسات التخصيص وتحقيق تنمية متطورة للموارد البشرية وجذب المزيد من الاستثمارات في اطار تنمية مستدامة تحقق مزيدا من الاندماج في الاقتصاد العالمي".
وتراهن التوجهات الرئيسية لخطة التنمية الخمسية الراهنة 2006/2010 على توفير فرص التعليم العالي، وتوفير فرص تشغيل المواطنين وتشجيع الاستثمارات القطاع الخاص المحلي والأجنبي، وتنمية قطاعات السياحة والأسماك والصناعة، بوصفها من جملة القواعد الضرورية الأولى لتسريع عمليات التنويع في مصادر الدخل القومي من خلال تنمية الأنشطة غير النفطية.
وفي اطار السعي لتطوير بنيتها السياحية وجذب الزوار العرب والأجانب، تقوم سلطنة عمان بتنفيذ عدد كبير وهام من المشاريع السياحية والاستثمارية في مناطق مختلفة.
ويقول محمد بن حمود بن زاهر التوبي وكيل وزارة السياحة ان العمل يجري لاستكمال مشروعين سياحيين في "نيابة الجبل الأخضر" سيتم افتتاحهما العام المقبل، بالإضافة إلى منح موافقتين لمستثمرين من أبناء الجبل الأخضر لإقامة مرافق ومنشآت إيوائية سياحية في النيابة.
ويضيف التوبي "هناك ايضا مشروع سياحي يتضمن ثمانية مواقع في الجبل الأخضر، ففي حصن الرديدة سيتم تطوير الحصن وتحويله إلى متحف خاص بالبنادق التقليدية الخفيفة، حيث تتجاوز كلفة المشروع المليون ريال عماني مشيرا الى ان المشروع يعد الأول من نوعه في المنطقة ويعرض بإسهاب الأسلحة الخفيفة".
ويحتوي المشروع والذي يتوقع ان يفتتح خلال الأشهر القليلة القادمة على متحف سياحي مميز بمؤثرات جميلة ومقهى سياحي ومحل لبيع التحف والهدايا ومكان مخصص لعمل الحرفيين بشكل مباشر وأرشيف على شكل مركز أبحاث مصغر.
ويشكل الإستثمار في السياحة واحدا من أبرز مصادر الدخل البديلة، لا سيما في بلد يوصف بانه نموذج للأمن والإستقرار في المنطقة.
ويقول مؤشِّر السلام العالمي "غلوبال بيس انديكس" 2008 الذي صدر عن منظمة "الرؤية نحو الانسانية" في استراليا حديثاً، "ان عُمان من الدول الأكثر أمناً ومحبة للسلام في الشرق الأوسط وإفريقيا على حد سواء". ووضع التقرير السلطنة في المرتبة 25 من بين 140 دولة على مستوى العالم.
وينظر المؤشِّر الى 24 دليلاً تتعلق باجراءات السلام الخارجية والداخلية ومن بينها احترام حقوق الإنسان والمشاركة في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتَّحدة ومستويات الجريمة العنيفة.
وتحتل موانئ سلطنة عمان مكانة مهمة في استراتيجية اقتصاد البدائل. أما إذا أضيفت لها المخاطر التي تشكلها إيران على خطوط الملاحة في مياه الخليج العربي، فان التصدير عن طريق موانئ عمان يمكن ان يصبح بديلا استراتيجيا مهما، يحد في الأقل من قيمة التهديدات الإيرانية.
وتقول المصادر الرسمية العمانية ان خطة تطوير قطاع الموانئ في السلطنة والتي تمثل جزءاً هاماً من المشروعات العملاقة، ركزت على محورين أساسيين هما استغلال الموقع الاستراتيجي المتميز للسلطنة والذي يقع على خطوط الملاحة الدولية بين المنطقة ومختلف مناطق العالم من ناحية، وتطوير قدرات وإمكانيات النقل البحري والتخزين والخدمات في موانئ السلطنة لتتجاوب مع احتياجات التنمية وتحويل السلطنة إلى مركز حيوي على خريطة النقل البحري بالمنطقة من ناحية ثانية.
وفي هذا الإطار تم الانتهاء من تطوير وتحديث ميناء السطان قابوس من حيث التصدير والاستيراد فأصبح قادراً على استقبال السفن ذات الغاطس الكبير وسفن الحاويات من الجيل الثالث، ومع زيادة طاقة التشغيل والتخزين، وزيادة سرعة وكفاءة أعمال الشحن والتفريغ والمناولة وتبسيط الإجراءات وزيادة امتيازات السفن والناقلات، وهو ما وجد صدى إيجابيا أنعكس في الزيادات المضطردة في أعداد شركات الملاحة الدولية التي تستخدم الميناء.
ويقع ميناء السلطان قابوس، الذي يعد من اكبر موانئ عمان، على بعد 370 كيلومتر إلى الجنوب من مضيق هرمز وبالقرب من رأس الكاب على الساحل العماني. مما يجعله في منأى عن المخاطر المباشرة التي قد تهدد خطوط الملاحة في مياه الخليج.
وتقول احصاءات وزارة الاقتصاد الوطني ان كمية البضائع المفرغة والمشحونة بمينائى السلطان قابوس وصلالة حتى نهاية شهر أبريل/نيسان من العام الحالي بلغت 3412 الف طن مقارنة بـ2296 الف طن خلال نفس الفترة من العام الماضى بنسبة ارتفاع قدرها 48 بالمائة.
وليس من المنتظر ان يتراجع انتاج النفط والغاز في عمان قبل مرور 20 عاما على الأقل، هذا إذا لم تتمكن أعمال التنقيب الحديثة من اكتشاف مكامن جديدة. إلا ان "المكمن" الرئيسي الذي تراهن عليه السلطنة هو "مكمن" البدائل الإقتصادية.
وكأي بدائل أخرى، فحيثما يتطلب تنميتها وضمان استقرارها كمصدر ثابت للدخل، الكثير من الوقت، فان مخططي الإستراتيجيات التنموية يدركون فيما يبدو ان أوقات المسرة بعائدات النفط لا تدخل في حساباتهم.