سلطة التدوين!

بقلم: م.س. احجيوج
سلاح بيد من لا يصل صوته الى الاعلام

يوم الخميس السادس أبريل/نيسان أقال وزير الشؤون الاقتصادية والعامة كاتبه العام لحسن بلكورة من منصبه بسبب رحلة إلى نيوزلاندا كلفت الوزارة اكثر من عشرة ملايين سنتيم، والفضل يعود إلى الصحفي/المدون رشيد جنكاري الذي كشف هذا التبذير.

* * *

(1)

ما بدأ في تسعينات القرن الماضي كهواية يتحول الآن إلى وسيلة جديدة تغير طريقة عمل الصحفيين، وسلطة إعلامية تؤثر على صناع القرار: إنها المدونات (Weblogs)!
ظهر الاصطلاح WebLog لأول مرة أواخر سنة 1997، ثم ظهر الاختصار Blog بعد ذلك بسنتين. لكن هذا النوع من مواقع الانترنت ظهر قبل ذلك بسنوات، وبالضبط في شهر ماي من العام 1994. وحسب إحصائيات شهر فبراير الماضي فقد تجاوز عدد المدونات حول العالم 27 مليون مدونة!
الـ WebLog يعني حرفيًا "سجلات الشبكة"؛ ويقصد بها: دفتر يوميات إلكتروني. وقد تم الاتفاق عربيًا على "مدونة" كتعريب لـ Weblog (أو Blog)، و"تدوين" تعريبًا لـ Blogging.
المدونات هي مواقع على شبكة الانترنت تتميز بسهولة إعدادها وصيانتها وتحيينها، وقد ظهرت في البداية كدفتر يوميات شخصي يكتب فيها المراهقون اهتماماتهم وتفاصيل حياتهم، ثم تطورت لتصبح وسيلة للتعبير عن الآراء والحوار حول قضايا مشتركة، ثم جاءت حرب الخليج الثالثة لتخرج هذه المدونات إلى الأضواء ليعرف بذلك فعل التدوين طفرة نوعية في أكثر من منطقة من العالم. حيث تطورت مواضيع المدونات وفرضت نفسها كنمط جديد من الصحافة الالكترونية، ولعل قوتها الأساسية هي أنها تمثل صوت "رجل الشارع" دون أي رتوشات إيديولوجية أو رقابة مؤسساتية. فالمدونات وسيط مفتوح لنشر الأراء من جميع الاتجاهات، كما أنها بآنيتها وسرعة مقاربتها للإحداث تكاد تسحب البساط من الصحافة التقليدية، خاصة في الدول ذات الحيز الضيق من حريات التعبير، والاحتكار شبه الكلي للإعلام من طرف السلطة.

(2)

كان لدى خوان كول، أستاذ التاريخ، الكثير ليقوله حول الإرهاب والحرب على العراق، لكن القليل من كان يصغي إليه، ولم يستطع نشر مقالاته في الصحف، لكنه حين أنشأ مدونته حصل على 250 ألف قارئ شهريًا، وبدأ في الظهور في وسائل الإعلام، بل وشهد أمام لجنة مجلس الشيوخ للعلاقات الخارجية؛ يقول: "نتيجة لتدويناتي، دعتني مجلة ميدل إيست جورنال للمساهمة في عدد خريف 2003. وعندما أجرى موظفو لجنة مجلس الشيوخ للعلاقات الخارجية بحثا بين المنشورات عن مقتدى الصدر وحركته، لم يظهر سوى مقالي. وقد قرأه موظفو مجلس الشيوخ وبعض الأعضاء وكانوا متشوقين لمعرفة آرائي حول الوضع". هذا التحول لـ خوان كول إلى خبير ومفكر معروف يعزز التأثير المذهل لعالم المدونات.
في ديسمبر 2002 اضطر ترينت لوت، قائد حزب الأغلبية في مجلس الشيوخ الأمريكي، إلى الاستقالة من منصبه، بسبب تعليقات قالها ذات احتفال. وسائل الإعلام لم تهتم، لكن تلك التعليقات لم تمر بسلام بالنسبة للمدونين، فتحولت غلطة ترينت لوت إلى فضيحة تامة.
شهر سبتمبر 2004 نشرت شبكة CBS الإخبارية تقريرًا لكبير مذيعيها (دان راذر)، حول وثائق ذات صلة بخدمة الرئيس بوش العسكرية. صاحب مدونة PowerLine بدت له تلك الوثائق مزورة فكتب عن ذلك في مدونته، وفي غضون ساعات توصل من أحد القراء بوثائق أصلية صادرة عن الحرس الوطني فقام بنشرها فورًا في مدونته، ثم سريعًا سيشير أكثر من 500 موقع آخر إلى مدونة PowerLine، وسيبدأ الحديث عن هذه المدونة في الإعلام الأمريكي وسينسب لها الفضل في كشف خطأ تقرير الـ CBS.
هذا مثال جيد على قوة المدونات، وهناك من يعتبر هذه الحادثة بداية النضج للمدونات الأمريكية.
قوة المدونات أيضًا تبرز في مواصلتها متابعة الأحداث والتطورات حتى بعد أن تتحول عنها وسائل الإعلام التقليدية إلى أحداث جديدة، وكتاب المدونات في الولايات المتحدة صاروا قوة إعلامية ومؤثرين في القرارات بشكل متزايد.

(3)

الامتياز الآخر للمدونات برز خلال تسونامي جنوب شرق آسيا، حيث سبق كتاب المدونات هناك الصحافة بتغطية الكارثة، وغطوا بالتفصيل كلمة وصورة الدمار الحاصل، حتى أن كبريات قنوات التلفزة قامت بالنقل من هذه المدونات. أيضًا قامت هذه المدونات بالحض والتحفيز على التبرع، حتى أن هذا الحماس دفع الحكومة البريطانية إلى الرفع من قيمة تبرعها بعد أن فاق تبرع البريطانيون ما كانت تعتزم تقديمه.
أيضًا نفس الامتياز حققته المدونات خلال إعصار كاترينا المدمر الذي ضرب الولايات المتحدة الأمريكية.

(4)

عربيًا ما يزال تأثير المدونات محدودًا، فباستثناء المدونات المصرية التي برزت تعبئتها مع الانتخابات الرئاسية الماضية وظهور حركة "كفاية" الشعبية ثم التغطية المتميزة للمجزرة التي ارتكبها النظام المصري في حق اللاجئين السودانيين، يبقى تأثير المدونات العربية منعدما. وأما المدونات المغربية فما يزال عددها أقل من أن تشكل حركة يعتد بصوتها، لكن السبق الذي حققته مؤخرًا مدونة رشيد جنكاري قد يكون النقلة التي تنتظرها المدونات المغربية لتعلن عن نفسها ولتصبح قوة إعلامية متميزة، خاصة مع اقتراب الانتخابات التشريعية.

(5)

خلال الأسبوع الأخير من مارس نظمت منظمة ICCAN اجتماعها الأخير بنيوزيلاندا، وقد مثل فيه المغرب السيد حسن بلكورة الكاتب العام في وزارة الشؤون الاقتصادية والعامة. على عكس باقي الوفود التي قامت برحلتها عبر ماليزيا، قام الممثل المغربي برحلة ماراطونية عبر باريس ولوس أنجلس، وهو ما كلف الوزارة أزيد من 130 ألف درهم –وهو على أي حال مبلغ أكثر بكثير مما تكلفه رحلة مثل هذه.
المدون رشيد جنكاري (jankari.org)، الصحفي التقني بشركة casanet المشرفة على البوابة الإخبارية Menara.ma والمملوكة لشركة اتصالات المغرب، قام بنشر الفاتورة التي تفضح هذا التبذير في مدونته، فجاء رد الفعل غير متوقع بالمرة: مدير رشيد في العمل يرغمه على سحب ذاك الموضوع من مدونته مع تهديده بالفصل من وظيفته. رغم أنه لا علاقة مطلقًا بين الشركة والوزارة، وحتى المدونة مستقلة تمامًا عن الشركة!
مجتمع المدونين المغاربة تحرك بسرعة متضامنا مع رشيد، فقامت أكثر من مدونة بإعادة نشر ذاك الموضوع، ووصل الحماس إلى الصحافة المكتوبة التي تحدثت عن الموضوع. النتيجة: إعلان مدير رشيد عن بقاء هذا الأخير في عمله، وإعلان وزير الشؤون الاقتصادية والعامة عن إقالة كاتبه العام حسن بلكورة.
رغم أن رشيد اضطر إلى سحب الموضوع من مدونته، خوفًا على مصدر دخله الوحيد، إلا أن تدخل باقي المدونين جاء بالسرعة الكافية، ليقول بأن المدونات المغربية بدأت رحلتها نحو النضج، وقريبًا سوف تأخذ مكانها كمصدر مؤثر في صناعة القرار. م.س. احجيوج www.mshjiouij.com