سلطة الأبوة: النص والعلاقات النصية عند العرب (4 / 7)

السرقة بوصفها أداة لتجريح الشاعر

إن ما يلفت الانتباه في عمل النقاد القدماء هو استخدامهم لفكرة السرقة بوصفها أداة لتجريح الشاعر والنيل منه واتهامه بالسرقة وعدم الابتكار، ويصف محمد مندور استراتيجية العمل لهؤلاء النقاد بقوله:

"راحوا يرددون أبيات الشاعر الذي يريدون تجريحه إلى أبيات تشبهها شبهاً قريباً أو بعيداً في المعنى أو اللفظ أو فيهما معاً، بل افتنوا في ذلك فردوا الكثير من الشعر إلى جمل نثرية من القرآن والحديث وأقوال السابقين واللاحقين من خطباء وحكماء واستقصوا ذلك أبعد استقصاء حتى تمحلوا في إظهار سرقات مستترة يدعونها، ثم يجهدون أنفسهم في التفنن للتدليل عليها".

هل يمكن أن نتصور أن هؤلاء النقاد أسسوا لاستراتيجية قرائية للنص الأدبي من خلال قضية السرقات؟ لا يمكن أن نتصور ذلك، فهؤلاء النقاد وجهوا ضربات قاسية وعنيفة وقفت في وجه التجديد والابتكار، هذه الضربات جعلت الشاعر المحدث يتصور أن إبداعه في محنة، وينبغي عليه أن يتجاوز هذه المحنة بمحاولة إرضاء النقاد، أو أن يجتهد في إبعاد نفسه عن الاتهام بالسطو والسرقة.

لقد عبر "ابن طباطبا" في كتابه "عيار الشعر" عن أزمة الشاعر المحدث، كما يتصور "إحسان عباس" و"جابر عصفور"، هذه الأزمة وصفها "ابن طباطبا" بقوله:

"والمحنة على شعراء زماننا في أشعارهم أشد منها على من كان قبلهم لأنهم قد سبقوا إلى كل معنى بديع، ولفظ قبيح، وحيلة لطيفة، وخلابة ساحرة، فإن أتوا بما يقصر عن معاني أولئك ولا يربي عليها لم يتلق بالقبول وكان كالمطروح المملول".

لقد أقنع النقاد الشاعر بأنه لن يأتي بجديد، مادام هناك البحث الدائم والاستقصاء المستمر في فكرة أنساب النصوص، مع ملاحظة أن البحث الدائم والاستقصاء المستمر في تلك الفكرة هو سبيل الناقد للهجوم على الشاعر واتهامه.

ماذا يفعل الشاعر، إذن، للانفلات من سطوة الناقد المستبد؟ إنه لا سبيل أمامه لإرضاء الناقد إلا بنوع من التحايل وبذل الجهد في مخاتلة هذا الناقد الذي يتعقب نسبة النص وإسناده، يكتب ابن طباطبا:

"وإذا تناول الشاعر المعاني التي قد سبق إليها فأبرزها في أحسن من الكسوة التي عليها لم يعب بل وجب له فضل لطفه وإحسانه فيه ... ويحتاج من سلك هذه السبيل إلى إلطاف الحيلة وتدقيق النظر في تناول المعاني واستعارتها وتلبيسها حتى تخفى على نقادها والبصراء بها وينفرد بشهرتها كأنه غير مسبوق إليها، فيستعمل المعاني المأخوذة في غير الجنس الذي تناولها منه، فإذا وجد معنى لطيفاً في تشبيه أو غزل استعمله في المديح، وإن وجده في المديح استعمله في الهجاء؛ وإن وجده في وصف ناقة أو فرس استعمله في وصف الإنسان، وإن وجده في وصف إنسان استعمله في وصف بهيمة، فإن عكس المعاني على اختلاف وجوهها غير متعذر على من أحسن عكسها واستعمالها في الأبواب التي يحتاج إليها فيها. وإن وجد المعنى اللطيف في المنثور من الكلام، أو في الخطب والرسائل فتناوله وجعله شعراً كان أخفى وأحسن".

كان يجب على الشاعر المحدث أن يتحايل وأن يخاتل الناقد بنقل المعنى، ومحاولة إقناعه بتفرد نصه وانكفائه على نفسه. لكن هل يفلح الشاعر في مخاتلة الناقد المستبد، الذي يعمد إلى تتبع أنساب النصوص، بنقل المعنى من دائرة معينة إلى دائرة مختلفة؟ لا أظن ذلك؛ إن هذا الناقد يتمتع بصفات تمنع الشاعر من مخاتلته والتحايل عليه، إنه ناقد بصير، وعالم جليل، لديه القدرة على ممارسة فكرة السرقة، وتعقب أنساب النصوص، ورد كل مصنوع إلى صانعه، ولديه القدرة على معرفة إن كان الشاعر قد ابتدع معنى جديداً مخترعاً أم أنه وقع في دائرة المحظور. هذا الناقد وصفه القاضي الجرجاني بقوله:

"هذا باب لا ينهض به إلا الناقد البصير، والعالم المبرِّز ... ولست تعد من جهابذة الكلام، ونقاد الشعر، حتى تميز بين أصنافه وأقسامه، وتحيط علماً برتبه ومنازله، فتفصل بين السرق والغصب، وبين الإغارة والاختلاس، وتعرف الإلمام من الملاحظة، وتفرق بين المشترك الذي لا يجوز ادعاء السرق فيه، والمبتذل الذي ليس أحد أولى به، وبين المختص الذي حاز المبتدئ فملكه، وأحياه السابق فاقتطعه، فصار المتعدي مختلساً سارقاً، والمشارك له محتذياً تابعاً، وتعرف اللفظ الذي يجوز أن يقال فيه أخذ ونقل، والكلمة التي يصح أن يقال فيها: هي لفلان دون فلان".

هذا الناقد البصير المتمرس الخبير، الذي يستطيع أن يميز بين أصناف الكلام ورتبه، والذي يعد من جهابذة الكلام ونقاد الشعر، لا تنفع معه الحيلة والمخاتلة بنقل المعنى، إنه يستطيع أن يميز بين المبتدئ والمتعدي والمحتذي. أما الناقد غير البصير قد يخدعه ذلك، ولا يفطن إليه، وهذا لا يعد من جهابذة الكلام ونقاد الشعر. ومهما تكن براعة الشاعر في نقل المعنى لا يخفى على ذلك الناقد البصير، يقول الجرجاني:

"وحتى لا يغرك من البيتين المتشابهين أن يكون أحدهما نسيباً، والآخر مديحاً، وأن يكون هذا هجاء، وذاك افتخاراً، فإن الشاعر الحاذق إذا عَلِق المعنى المختلس، عدل به عن نوعه وصنفه، وعن وزنه ونظمه، وعن رويه وقافيته، فإذا مر بالغبي الغفل وجدهما أجنبيين متباعدين، وإذا تأملهما الفطن الذكي عرف قرابة ما بينهما، والوصلة التي تجمعهما، قال كثير:

أريد لأنسى ذكرها فكأنما

تمثل لي ليلى بكل سبيل

وقال أبو نواس:

ملك تصور في القلوب مثاله

فكأنما لم يخل منه مكان

فلم يشك عالم في أن أحدهما من الآخــر، وإن كان الأول نسيباً والآخر مديحاً".

إن هذا الناقد البصير لا يؤمن بالطبيعة التناصية للنصوص، تلك الطبيعة التي تحيل النص على نصوص أخرى، وإدراك تلك الطبيعة قد تدفع الناقد إلى تأويل النص من خلال علاقته بغيره أو اكتشاف عملية التحويل والامتصاص لنص آخر أو نصوص أخرى.

إن الشاعر أو الكاتب في نظر الناقد القديم لا يعيد ما كتب سلفاً، وينبغي أن ينفصل نصه عما عداه، وأن يكتفي بنفسه، وأن ينكفئ على صانعه ومبدعه الأول. وإن تجاوز الشاعر أو الكاتب بنصه إلى نصوص أخرى، فإنه قد وقع فيما لا يرضي عنه الناقد ولا يقره. لكن الناقد البصير قد يعتذر عن الشاعر المحدث، مثلما فعل سلفه ابن طباطبا من قبل، بأن المتقدمين قد استغرقوا المعاني وسبقوا إليها وأتو على معظمها، ولم يبق للشاعر المحدث سوى بقايا يسيرة. وإذا كان الأمر كذلك فهل يقر هذا الناقد الجليل الطبيعة التناصية للنصوص؟ لا أعتقد ذلك، إن ما يؤمن به هو سلسلة النسب، ورد كل مصنوع إلى صانعه، والمحافظة على نقاء النص، والابتعاد عن تلوث ذلك النص بنص أو نصوص أخرى، يكتب الجرجاني:

"ومتى أجهد أحدنا نفسه، وأعمل فكره، وأتعب خاطره وذهنه في تحصيل معنى يظنه غريباً مبتدعاً، ونظم بيت يحسبه فرداً مخترعاً، ثم تصفح عنه الدواوين لم يخطئه أن يجده بعينه، أو يجد له مثالاً يغض من حسنه".

وإذا كان الشاعر قد أجهد نفسه وأجال فكره وخاطره ليبتدع معنى غريباً وبيتاً فريداً مخترعاً، فلماذا يلجأ الناقد إلى التفتيش عنه في الدواوين؟ ففي ظل عملية التفتيش والبحث سيجد الناقد حتماً ما يشبه هذا البيت، وما يسقطه عن تفرده، وفي تلك الحالة لا يملك الناقد البصير سوى أن يقول: "قال فلان كذا وقـد سبقـه إليه فلان فقال كذا". إنه الهوس بفكره أنساب النصوص والبحث عن الأصل.