سلطة +احتكار- نزاهة= فساد!

بقلم: محمد كركوتي

("السلطة لا تفسد الرجال.. لكنهم لو أتوا إليها يفسدونها"، الأديب والكاتب الأيرلندي جورج برنارد شو)

قبل سنوات، كنت في مجلس ضيق لأحد الرؤساء الراحلين في المنطقة، عندما قال له أحد أتباعه، إن مسؤولا كبيرا في حكومته، يمارس سلطاته بصورة فاسدة، وأنه حقق مكاسب مالية كبيرة مستغلا منصبه، وأنه من الأفضل إقالته. ماذا كان رد الرئيس الراحل؟. قال: "نعم.. لدي كل المعلومات عن سلوك هذا المسؤول، ولكن إذا أقدمت على تغييره، سآتي بآخر، سيحقق مكاسب مالية أخرى. علينا أن نكتفي بما حصل عليه المسؤول الحالي من أموال". لم يتوقف الرئيس الراحل عند هذا الحد، بل استدرك قائلا: "لو قمتَ بعملية حسابية بسيطة، سوف تكتشف أنه من الأوفر لنا هذا الذي تتحدث عنه في منصبه، لأن المسؤول البديل سيحصل على نفس الأموال، وربما أكثر، وبذلك نكون قد خسرنا مرتين"!.
الفساد موجود في كل الأزمنة والأمكنة وكل الدول، ولا يقتصر على مؤسسات الدولة، بل ينتشر أيضا في المؤسسات والشركات الخاصة والمساهمة. وكما أن نسب التضخم والفائدة والبطالة والنمو متباينة حسب الحالة والمعطيات والمكان، فللفساد نسب متفاوتة أيضا، حسب طبيعة بيئته وساحاته. وهو مكون ببساطة، من سلطة زائد احتكار ناقص نزاهة أو شفافية. والسلطة البعيدة عن المحاسبة أو الرقابة، هي بمثابة مصدر دائم للخطر. لماذا؟ لأنها تستقطب السيئين، وتفسد الأخيار. وحتى عندما تُسن القوانين "لخنق" الفاسدين، فإن هؤلاء يجدون دائما الثغرات المناسبة فيها، للنفاد منها وتحقيق أكبر قدر من الانتفاع الشخصي أو الجماعي. وهذا أيضا يخضع لطبيعة المكان والبيئة العامة. ولا يختلف الفساد، عن مبدأ تكون السرطان وطبيعة انتشاره ومكنونات عدوانيته. فكلما تم القضاء على خلية منه في مكان ما، ظهرت أخرى في مكان آخر، ثم لا تلبث أن تظهر خلية في المكان الأول، ربما تكون أكثر عدوانية من سابقتها. فالمبدأ واحد، والضرر واحد، مع اختلاف طبيعة المتسبب. والاختلاف الوحيد هو أن السرطان ينمو لمجرد النمو، لكن الفساد ينمو عابثا بالنمو.
لقد أوجدت الأزمة الاقتصادية العالمية الحاضرة لأجل غير مسمى – من ضمن ما أوجدت- حقيقة مريعة أخرى، زادت من الهموم والمصائب، تتمثل في ارتفاع مستوى الفساد – بكل أشكاله- في الشركات الخاصة. هذا ما تقوله مؤسسة "الشفافية الدولية" التي تتخذ من برلين مقرا لها، والتي توصلت إلى هذا الاستنتاج من خلال استطلاع للرأي أجرته في العام الجاري شمل 73 ألف شخص في 69 بلدا. الاستطلاع أظهر أن 53 في المئة من هؤلاء يعتقدون أن القطاع الخاص يعاني من الفساد. وهذه النسبة ارتفعت 8 نقاط مئوية، مقارنة مع استطلاع مماثل أجري في العام 2004. وفي دراسة مصاحبة للاستطلاع تبين المؤسسة الدولية، أن الشركات الخاصة تقوم بتوزيع "مكافآت" ( بالتعبير المصري "حلاوة"، وبالدمشقي "سكرة"، وبالعربي الفصيح رشوة)، للتأثير على القرارات الرسمية الخاصة بها!. وقد جمعت الدراسة دولا مثل أرمينا وجورجيا، وأيضا بلدانا مثل الولايات المتحدة الأميركية وكندا، في قائمة الدول التي تشهد القطاعات الخاصة فيها، ارتفاعا في مستوى الرشوة، ووصفت الحالة في البلدين الأخيرين، بأنها خطيرة.
وإذا كانت هذه الصناعة – صناعة الرشوة- ازدهرت في أعقاب الأزمة، إلا أنها كانت أحد الأسباب الرئيسية لتفجر الأزمة الاقتصادية نفسها، إلى جانب الأكاذيب والنتائج الوهمية. فالقطاع الخاص، لم يكن نزيها ولا شفافا في الأعوام التي سبقت الأزمة، وبالتالي لم يكن ضحية لها. بل على العكس تماما، فقد ساهم في استفحال الأزمة بصورة مريعة، لم يسبق لها مثيلا، حتى لو أدرجنا الصورة التي كان عليها العالم، في سنوات الكساد الكبير الذي اندلع في العام 1929، ضمن نطاق مراجعتنا لـ "ألبوم" صور الأزمات العالمية كلها. فقد كان "نظام بونزي" ( أكبر أنظمة الاستثمار الاحتيالي في التاريخ، وأكثرها قباحة)، أحد الأعمدة التي قام عليها الاقتصاد العالمي في العشرين عاما الماضية، وكان سلوك سماسرة الأسهم في البورصات العالمية وغير العالمية، أقرب إلى سلوكيات المقامرين الباحثين عن ورقة اللعب الكبرى، عندما ضاعت كل الأوراق. وأغرقت مؤسسات التصنيف والتقييم العالم، بأكاذيب مفجعة عن الشركات والمؤسسات الخاضعة لتقييمها. ولا شك في أنها حصلت على " الحلاوة"، لتجميل الصور البشعة المتوارية عن الأنظار آنذاك. ولكي تكتمل الصورة، انضمت المؤسسات الحكومية، إلى عمليات التجميل هذه، وصارت مع الوقت مؤسسات "متخصصة" في " الفوتوشوب" ( برنامج معالجة الصور) الاقتصادي – إن جاز التوصيف-. ولذلك فقد تحول رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي السابق (البنك المركزي ) آلان جرينسبان، في السنوات التي سبقت الأزمة، إلى أشبه بـ " غرافيك ديزاينر" أو مصمم، يوظف كل قدراته لتجميل الصورة، وكذلك فعل زميله الحالي حاكم بنك إنجلترا المركزي مارفن كينج، وغيرهما.
ولذلك.. فالفساد لا يقتصر فقط على سرقة الأموال العامة أو الخاصة، والحصول على "الحلاوة" أو"السكرة"، ولكن ينسحب على صناع القرار، الذين ساهموا بإنكارهم لمقدمات الأزمة الاقتصادية، في استفحال الحالة اللا أخلاقية التي كانت تعيشها مؤسسات كبرى في العالم، بل لنقل الحالة التي كان يعيشها الحراك الاقتصادي العالمي. بماذا نفسر تأكيدات وزير المالية الأميركي السابق هنري بولسون – قبل اندلاع الأزمة – بأن الركود الاقتصادي ليس سوى سحابة صيف؟!. أليس هذا فساد أعتا من الفساد التقليدي؟. وكيف يمكن أن نتقبل "تطمينات" غرينسبان، بأن السوق " ستصحح نفسها"؟!. هل من فساد على الأرض أشد ضررا من هذه "التطمينات"؟. وإذا كان فساد الشركات والمؤسسات الخاصة، مع فساد أصحاب القرار الاقتصادي – لاسيما "الملهمين" منهم - أدى إلى مصيبة، فانضمام الفساد الحكومي إلى "الجوقة"، ولد الكارثة العميقة. فلا عجب إذن.. في أن مؤسسة" الشافية الدولية"، وجدت في استطلاعها، أن الأحزاب السياسية تصدرت قائمة الفساد، لتتجاوز في تقدمها، الشركات الخاصة الفاسدة نفسها!
مع اندلاع الأزمة الاقتصادية، فقد عدد كبير من المدراء التنفيذيين للشركات الكبرى والصغرى وظائفهم، عن طريق الطرد لا الاستقالات، بعد أن تدخلت الجهات الحكومية – في وقت متأخر طبعا- لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الشركات المتداعية، لأن انهيارها يزيد من هشاشة الاقتصادات الوطنية نفسها، ويخلف آثارا سلبية كبيرة، لا تقوى هذه الحكومات عليها في وقت المحن. بل أن بعض السياسيين في الغرب، من أولئك الذين كانوا يؤمنون بترك الأسواق هائمة بدون ضوابط وقيود، سارعوا للتأكيد على أمرين أساسيين، الأول: ضرورة الوقوف في وجه الشركات والمؤسسات – بما في ذلك المصارف- التي تجعل من حياة الأسر أكثر صعوبة. والثاني: حتمية التمسك بالأخلاق في الحراك الاقتصادي، بصرف النظر عن أي اعتبارات. وبالفعل أصبح أداء الشركات المعنية، تحت غطاء من الرقابة، أدى بالتالي إلى حماية ما يمكن حمايته، من أموال المساهمين والمتقاعدين فيها، والحفاظ على موجوداتها.
لكن هل توقفت أعمال الفساد في هذه الشركات بفعل هذه الإجراءات؟. المؤشرات تدل، على أنها لم تتوقف، لكنها تراجعت في دول وارتفعت في دول أخرى. ولأن الأمر كذلك، فعلى الساعين لوضع نظام اقتصادي عالمي جديد – بفعل الأزمة- أن يعرفوا، أن الحلول الآنية، ربما تأتي بنتائج آنية، لكنها لا توفر نتائج مستدامة، يحتاجها العالم اليوم، أكثر من أي وقت مضى. فالكل يعرف، أن الفساد هو مثل كرة الثلج، ما أن تتشكل نواتها، يستحيل وقف نموها. محمد كركوتي