سلطة «حماس» السياسية في قطاع غزة تعاني من مشكلات تكوينية

بقلم: ماجد كيالي

لم يصادف أن واجهت حركة سياسية هذا الحجم من المشكلات والاحباطات والتخبطات كما واجهت حركة حماس، منذ تفوقها على حركة فتح في انتخابات المجلس التشريعي (مطلع العام 2006)، وصعودها إلى سدة السلطة، ثم سيطرتها الأحادية والاقصائية على الأوضاع في قطاع غزة (حزيران/يونيو 2007).
طبعا يمكن إحالة عديد من هذه الإخفاقات والتخبطات إلى المعطيات الدولية والإقليمية غير المواتية، وإلى الخلافات الداخلية (مع حركة فتح). لكن أليس من السذاجة بمكان الافتراض مسبقا بأن الوضع الإقليمي والدولي سيصفق لحماس ويرضى عنها، بل ويدعم بقائها، هكذا ومن دون أي مقابل؟! ثم أليس من التبسيط الاعتقاد أن فتح ستسهل على حركة حماس في السلطة، وهي التي طالما عانت من سياسات هذه الحركة إبان كانت في موقع المعارضة؟ وفي كل الأحوال فإن هذه الافتراضات، أو التبريرات، لا تصبّ في صالح حماس، بل هي تؤكد بأن هذه الحركة لا تتمتع ببصيرة سياسية، وأنها تفتقد للخبرة والتجربة في التعاطي مع تعقيدات ومداخلات القضية الفلسطينية، وأنها تحيل الأمور للبعد الرغبوي، والغيبي، بعيدا عن الواقع والإمكانيات والمعطيات المحيطة.
على ذلك فإن حركة حماس هي بالذات المسؤولة عن مآل الوضع في قطاع غزة، فليس من المنتظر، ولا من المنطقي، توقع أن تقوم الدول المانحة بالاستمرار بتمويل سلطة حماس (هكذا مجانا!) وكأنها مجرد جمعية خيرية، وهي بالأصل كانت قامت لتمويل عملية التسوية بين إسرائيل والفلسطينيين. ولم يكن من المنطقي البتة توقع قيام إسرائيل بتخفيف إجراءات الحصار على سلطة حماس، وعلى الفلسطينيين الذين تسيطر عليهم في القطاع، وهي التي كانت تفرض الحصار (ومازالت) على مناطق السلطة، منذ أواخر العام 2001، أي في ظل قيادة الرئيس الراحل ياسر عرفات، بسبب مواقفه السياسية، وتغطيته السياسية للانتفاضة والمقاومة.
ومشكلة حماس أنها تسرعت في تجيير فوزها في الانتخابات التشريعية لصالح شطب المرجعيات والشرعيات والاجماعات السياسية الفلسطينية الأخرى (رئاسة السلطة ـ منظمة التحرير الفلسطينية ـ برنامج الحرية والاستقلال)، التي يتوحد من حولها الشعب الفلسطيني تاريخيا، في كافة أماكن تواجده، ومنذ ما يقارب خمسة عقود من الزمن، وذلك بدلا من التكامل معها وتطويرها. وكان الأحرى بحماس أن تستوعب أنها نالت هذه الشرعية بفضل الانتخابات، لا بفضل الحسم العسكري، وأن الشرعية المتأتية من انتخابات واحدة لا تكفي، ولا تعني القطع مع الماضي أو مع الشرعيات الأخرى، وأيضا لا تعني الحق في فرض سياسات أحادية.
أما مبادرة حركة حماس لحل الخلاف في الساحة الفلسطينية، بوسائل القوة والانقلاب العسكري (وبهيمنتها على قطاع غزة)، فقد حمّلها هذا الوضع مسؤولية زيادة الشرخ في الساحة الفلسطينية، ومفاقمة الانقسام بين قطاع غزة والضفة الغربية، من الانقسام الجغرافي والديمغرافي، إلى الانقسام السياسي.
وقد فات حماس أن هذا الانقلاب، بالتداعيات التي يولدها في الساحة الفلسطينية، هو بالضبط ماكانت تأمله إسرائيل لدى تفكيرها بالانسحاب من هذا القطاع، لتكريس الانقسام والخلاف والفوضى في الساحة الفلسطينية. وغاب عن حركة حماس أنها بانقلابها هذا تضعف شرعيتها الفلسطينية، وأن الواقع العربي والدولي لا يمكن أن يتعاطى معها، وأنها بذلك تسهم في تبرير مساعي إسرائيل لتشديد حصار قطاع غزة، والتملص من كل استحقاقات التسوية مع الفلسطينيين.
إضافة إلى كل ما تقدم فإن حركة حماس أخفقت في عدة مجالات، فهي لم تستطع تحقيق التوازن بين كونها حركة سياسية وكونها حركة دينية، في مجمل إدارتها للوضع في غزة، وفي عديد من الإيحاءات والتصريحات الصادرة عن قيادييها، خصوصا بشأن انتهاء زمن العلمانية، والعودة إلى الشريعة الدينية، خصوصا أن هكذا تصريحات تنم عن ضحالة فكرية، خصوصا أن العلمانية، تقضي بالفصل بين الديني والدنيوي (لا الخلط بينهما)، وعدم تشويه الديني أو المقدس بالدنيوي أو بالشخصي، دون أن يعني ذلك عداء للدين بذاته أو إقصاء له. كما أن هكذا تصريحات تضعف المحتوى الوطني لحركة حماس، لصالح كونها مجرد حركة دينية. وفي هذا الإطار يمكن فهم قيام جماعات من حماس بالتكبير والتهليل إبان السيطرة على غزة، واعتبار ذلك بمثابة نصر كبير (في تشبيه لفتح مكة)، وكان لافتا إنزال ناشط من حماس للعلم الفلسطيني من على مباني السلطة ورفع علم حماس مكانه، وكذا تدمير صرح الجندي المجهول في غزة.
اللافت أيضا أن حماس لم تستطع أن تحافظ على مكانتها كحركة مقاومة، بعد أن صعدت إلى السلطة باعتبارها كذلك (بين عوامل أخرى). هكذا فإن هذه الحركة دخلت إلى المربع الحرج الذي عانت منه حركة فتح (غريمتها) سابقا، كونها عندما استلمت السلطة، وتقيدت بقيودها، لم تستطع الحفاظ على وضعها كحركة مقاومة. وهكذا فإن حماس تبدو اليوم أكثر التزاما بتحقيق الهدنة أو التهدئة مع إسرائيل للحفاظ على مكانتها في السلطة (فما الذي يميزها عن فتح؟!)؛ والأنكى أن هذه الحركة، وهي تجنح نحو التهدئة مع إسرائيل، باتت منشغلة بكبح جماح جماعات المقاومة، وبحسم مشكلاتها مع فتح عبر الاقتتال وبقوة السلاح!
أما في امتحان الديمقراطية، فقد فشلت حماس كحركة سياسية إسلامية في إشاعة الثقة بشأن امكان تحول الحركات الإسلامية إلى الديمقراطية، التي تتضمن احترام الرأي الأخر، واغناء التنوع والتعددية في المجتمع، والقبول بمبدأ المشاركة ومبدأ تداول السلطة. وأكدت بأن هذه الحركات تعتبر الانتخابات والديمقراطية مجرد سلم للوصول للسلطة، ليس أكثر.
من كل ذلك يمكن القول بأن حماس معنية بمراجعة ونقد سياساتها وممارساتها، وترشيد أوضاعها، والخروج من عباءة الواقع الافتراضي والرغبوي، إلى الواقع المحيط، بتعقيداته ومداخلاته ومشكلاته، وقبل فوات الأوان. ماجد كيالي