سلحونا ليبقى النظام محصنا في دمشق

ما لم يكن السوريون يرغبون في تصديقه قبل ثلاث سنوات، صار اليوم واقع حال.

لقد انساق الكثيرون وراء عواطفهم، ولم يكن أحد بسبب ذلك الطوفان العاطفي ليتوقع أن تطلعات الشعب السوري إلى الحرية، ستتحول غلى مأزق عالمي لن يجني منه السوريون سوى القتل والخراب والتشرد والجوع والحرمان وتمزق النسيج الاجتماعي.

كان المتفائلون يراهنون على ربيع سوري سريع، تحتل بعده سوريا مكانا لها في لائحة الدول العربية التي تم اسقاط أنظمتها السياسية القديمة عن طريق التظاهرات السلمية.

بالنسبة لأولئك المتفائلين كان كل حديث عن اختلاف الوضع في سوريا عما كانت عليه الاوضاع في الدول التي انهارت أنظمتها السياسية هو في أحسن احواله انما يعبر عن رؤية متشائمة غير قادرة على التحرر من الاوهام التي أنطوت عليها شعارات النظام الحاكم وفي مقدمتها ذلك الشعار الذي ينادي بالأسد رئيسا إلى الأبد.

لم يكن مفاجئا أن يلجأ النظام إلى الحلول الأمنية في مواجهة المسيرات السلمية المعارضة. كان ذلك الاجراء متوقعا فهو جزء من سيرة نظام لم يتورع يوما عن استعمال أقسى الاساليب في تصفية معارضيه، في السر وفي العلن على حد سواء.

غير ان مظاهر الاحتجاج التي شهدتها المدن السورية في الأشهر الأولى للثورة كانت حدثا غير مسبوق في تاريخ سوريا المعاصر، وكان ذلك الحدث مؤشرا حقيقيا على تبدل المزاج المعارض، حيث انتقلت الرغبة في التغيير السياسي من الهمس الذي هو أشبه بالصمت إلى رفع الأيدي والأصوت احتجاجا.

كان المتشائمون يراهنون يومها على ذلك الميزان غير المتكافئ.

فما لم يكن النظام يقوى على الاستمرار فيه أن يستمر في قتل متظاهريين عزل، كانت "الحرية" شعارهم.

كم من المواطنين الابرياء كان في إمكان أن يقتل لكي يعترف بهزيمة حلوله الامنية؟

سؤال من هذا النوع يبدو الآن لا جدوى منه. لقد سارت الامور بالطريقة التي رغب فيها المتفائلون. وهي الطريقة التي دأب النظام على تكريسها عنوانا لحربه الخاسرة. فمنذ اللحظة الأولى لاندلاع شرارة الاحتجاج كان الاعلام الرسمي يتحدث عن مجموعات مسلحة كانت قد أندست بين صفوف المحتجين وصارت تهدد أمن المواطنين وسلامة الوطن.

هل مارس الاعلام الرسمي حينها ضغوطا على المعارضة من خلال الايحاء لها لكي تذهب إلى الحل المسلح؟

لقد حذر المتشائمون من فكرة اللجوء إلى تسليح الثورة، كونها طوق النجاة الذي سيُلقى إلى النظام من أجل المضي في مشروعه الامني. ولم يكن يخطر في بال أحد أن تلك الفكرة ستكون الباب الذي ستدخل من خلاله إلى سوريا تنظيمات مسلحة، جهادها لا يرى في تطلعات السوريين إلى الحرية إلا نوعا من الكفر.

هل كان المتفائلون يدركون أنهم عن طريق انجرارهم وراء الدعوة إلى تسليح الثورة قد فتحوا أبواب الجحيم على الشعب حين سلموا المفاتيح كلها لقوى دولية، كان النظام قد سبقهم إلى تسليمها لقوى دولية أخرى؟

يومها كان واضحا أن الثورة السورية قد انتقلت إلى حقبة جديدة، لن يكون الشعب والنظام طرفي ميزانها غير المتكافئ. وهي حقبة صار النظام يقاتل فيها جماعات مسلحة في ظل رعاية عالمية.

بعد هذه الحقبة سيكون الرهان على مزيد من القتل رهانا خاسرا.

أعرف أن كل هذا الكلام لن يعجب المعارضين السوريين، من رهنوا الثورة السورية (لا يزالون) في مزاد عالمي، من غير أن ينصتوا إلى صوت شعب كان يفضل أن يذهب إلى الحرية أو الموت من غير أن يثقل ذاكرته بالقتل.

بعد كل هذا القتل، بعد كل هذا الخراب لم يعد اللوم نافعا.

لقد انتهت سوريا إلى خراب، لن يكون الخروج منه ممكنا.

هناك اليوم مئات الالوف من القتلى لن تستعيد حياتها. هناك ملايين من المشردين لن تجد إن عادت إلى بيوتها شيئا يذكر بتلك البيوت التي غادرتها. سوريا اليوم هي بلد موحش، لن يزيده دعاة التسلح إلا مزيدا من الوحشة. "سلحونا ليقتل بعضنا البعض الآخر" أما النظام فإنه سيكون محصنا في دمشق.