سلامة العراق سلامة لكل جيرانه!

دول المنطقة الاصيلة وريثة حداثية لخلاصات تطور وتصارع كياناتها القديمة وتجربة النظم واشكال الحكم التي تعاقبت على اراضياها، ومنطقة غرب اسيا المتعانقة مع جنوب اوروبا وشرق افريقيا هي دائرة حضارية سحيقة ومتكاملة الابعاد، للجغرافية والتاريخ فيها سبق على اي عامل اخر من العوامل المؤثرة في نواميس النشوء والارتقاء والسطوع والخفوت فيها، حتى ان الغزوات الاستعمارية الحديثة على كياناتها قد كيفت نفسها مع هذا العمق لتختصر طريقا مرهقا على نفسها يمكن ان يطيح بمشروعها ذاته، فالاستغراق الذي لا جدوى منه في مناطحة الواقع الموضوعي الذي لا تغيره الارادات، حماقة، اجتهدت القوى الكولونيالية القديمة والحديثة لتجنبها وقد افلحت بالعموم وفشلت بالخصوص!
لكن الامر لم يكن بهذا الشكل من التسليم، فالامبرياليات ـ البريطانية والفرنسية والاوروبية الاخرى والاميركية ـ قد وجدت انه ليس من مصلحتها مجاراة الواقع الموضوعي الذي تفرضه خصائص الجغرافية والتاريخ والثقافة، فعملت على استنطاق التنوع للاختلاف والتضاد، واستنطاق التطابق على انه رديف من مرادفات التنوع، كي يتسنى لها رسم خرائط لكيانات صغيرة وغير متجانسة على الاقل سياسيا واداريا خدمة لاستراتيجياتها ومصالحها وايضا خدمة لاغراضها التنافسية مع بعضها!
ان شيوع مذهب فرق تسد كخارطة طريق للتغلغل الاستعماري البريطاني واقرانه يكشف عن حقيقة عدم اكتراث الغزاة بالواقع الموضوعي للشعوب المستعمرة ونزعاتها التي تحركها مواقع البيئة الجامعة غير المتغيرة والتراكمات التي سكبها التاريخ في نفوس وكيانات هذه الشعوب!
خصوصية بلدان غرب اسيا ـ الجناح الشرقي لمنطقة الشرق الاوسط ـ انها القلب النابض لمثلث العالم القديم، اسيا واوروبا وافريقيا، وانها مرجل لحضاراته وثقافاته، ومحطة لا غنى عنها للانتشار البشري المتمدن نحو مشارق الارض ومغاربها، وعلى ارضها قامت القرى الزراعية الاولى والمدن الاولى والدول الاولى والامبراطوريات الاولى، منها خرجت الكتابة وخرج الحساب والقانون والعجلة وبنيت فيها اولى السدود وو و، وبين مد وجزر تتلاقح رياحها مع منخفضات ومرتفعات محيطها فأخذت منه وأولته وطورته واعادت تصديره، ومابين استيراد وتصدير واعادة تصدير عاشت المنطقة تقلبات جسيمة تدور وتنفلت لكنها ما تلبث لتعود وهكذا، حتى استهلكت نفسها، من القدم والاستعمال، لكنها بقيت اسيرة عبقرية جغرافيتها وتاريخها اللذان مازالا يسكبان جرعاتهما على سطح هذه الارض وما عليها!
اقوام وشعوب كبيرة لونت المنطقة بالوانها وثقافتها التي استوعبت الوان وثقافات الاقوام الاصغر منها فالعرب والفرس والترك كانوا الوعاء الذي استوعب المنطقة بالتفاعل مع الاقوام الاصغر، كالاشوريون والسريان والاكراد والارمن وغيرهم من الاصول.
فارس تأقلمت مع توازنات الحدود وصراعات القوى الكبرى، وبلاد الترك تقلصت، اما بلاد العرب فقد تشعشعت!
جميعا احتوت في كياناتها المنبعثة على ملل ونحل اخرى تتعايش معها وتتصاهر فالجدران بينها تخنقها ولا تمنحها غير المزيد من التحارب والتقزم والخسارة التي لا تعوض فالاكراد والتركمان والاشوريون والعلويون والشيعة والسنة والمسيحيون على تعدد كنائسهم، والصابئة والشبك والاسماعيلية، والبلوش والارمن، والازديين وغيرهم، تعدد تاريخي وموضوعي في وحدة السياق وموضوعية التشابك والتداخل والاحتكاك الذي تحكمه وحدة النسق والمصالح المشتركة المنصهرة بالتفاعل الذي لا يفقد الخصائص بل يجمعها ليشكل منها ناتجا جديدا في بوتقة التمدن الحضاري الانساني المنطلق نحو امم جديدة تضمن لعناصرها الامن والرفاه.
ميزة هذه الشعوب الكبيرة التي اطرت كياناتها المعتمدة حاليا انها تجاوزت نفسها، وحققت ذاتها عبر تاريخ طويل من الحكم واطواره المختلفة، اما الاقوام الاصغر منها فانها تعايشت معها باشكال متعددة فيها مزيج من التلاقح والتحارب الى التعايش الموضوعي!
لقد حصلت حروب عديدة ومواجهات طويلة بين الاقوام والشعوب المتجاورة، والمتداخلة حتى ان استقرت الاوضاع على ماهي عليه، وفي عموم المنطقة، وقد لعبت القوى الاستعمارية التي كانت تتربص بالدولة العثمانية دورا لا يستهان به في تسعير وتهييض الحزازيات بين اقوام وشعوب المنطقة واللعب على التناقضات بينها، فكان للقيصرية الروسية المحاذية للدولة العثمانية دورا في حروب الترك والارمن، وقد استغل الترك معسكر الشعوب الخاضعة للدولة العثمانية وقامت باشراكهم بحروبها تلك فكان الاكراد مثلا عونا شرسا للاتراك فيها، ونفس الشيء قد حصل بالضد من الاشوريين السكان الاصليين لمناطق شمال العراق حيث جرت مذابح بحقهم في اعوام 1841 ـ 1845 استقدم فيها قادة ومقاتلون اكراد بدعم تركي، فكان بدر خان بك هو المسؤول عنها وتكرر الامر بمواجهات ومذابح جديدة عام 1915، وادار العرب للعثمانيين ظهورهم في الحرب العالمية الاولى انتقاما من التفرد التركي وقساوته، حتى وصل الامر ببعضهم الى تحالفه مع دول كبرى دخيلة على المنطقة كبريطانيا للاطاحة بالعثمانيين، وبعد ان سقطت الدولة العثمانية وتبلورت الكيانات المنسجمة مع اصولها وتاريخها لم تقم تلك الكيانات على اسس عرقية، فلم تكن تركيا للاتراك فقط وانما كانت للثقافة التركية الاسلامية الطاغية على بيئتها، وهكذا الامر بالنسبة للعراق فلم يكن هو للعرب كعرقٍ او للمسلمين فقط او للسنة فقط او للشيعة فقط وانما كانت لهويته الثقافية العربية الاسلامية الطاغية، فهي مبعث خيمة كيانه، وايران ايضا بثقافتها الفارسية الاسلامية الطاغية قام كيانها الحديث، وهذا امر مسلم به بحكم واقع تلك الكيانات فالهوية الثقافية المستندة للتاريخ والجغرافية وتلاقح المصالح هو مصدر وحدتها الطبيعية!
لقد عرقلت الدول الاستعمارية بعض الاستحقاقات المهمة ومنها قيام المملكة العربية التي توحد بلدان المشرق العربي كما وعدت الشريف حسين في مراسلات مكماهون، وذلك بسبب سياسة التقاسم الاستعماري بين فرنسا وبريطانيا ـ حسب معاهدة سايكس بيكو ـ وايضا لمنع قيام دولة كبرى في منطقة مصالح حيوية ـ الموقع والنفط ـ وقد غضت الطرف ايضا عن احتلال ايران لامارة المحمرة 1925 مقابل ضمان حقوق الامتيازات النفطية لبريطانيا وحلفاؤها فيها وتثبيت اتفاقيات امنية مشتركة لدعم التواجد في ايران بوجه مخاطر جارتها الشمالية روسيا البلشفية!
ثم جرى تثبيت الحدود التركية الحالية بمعاهدات سيفر ولوزان، بين البريطانيين والاتراك والفرنسيين، وكان التثبيت نهائيا حيث جرى فيه معالجة عيوب الاتفاقات السابقة، فظهرت الدولة التركية الحديثة بحدودها الحالية، وظهر الكيان العراق مجددا بحدوده الحالية القريبة نسبيا من تكوينه التاريخي والجغرافي، فالعراق كان ومايزال يغسل اقدامه بخليج البصرة ويطل براسه على قمم زاجروس وطوروس، العراق كان في اوروك وبابل واشور، ثم البصرة وبغداد والموصل، قبل وبعد سايكس بيكو، لا كما يدلس البعض من المغرضين، بان العراق هو تكوين مصطنع، فمتى كان العراق ذا لون عرقي واحد؟
لقد تبلورت ايضا كيانات سوريا ولبنان، ثم الاردن وفلسطين، وهكذا حتى تكاملت الصورة الحالية بعد الحرب العالمية الثانية، وحيث جرى فيها تنفيذ اكبر خطيئة بحق شعوب المنطقة قاطبة عندما تم تنفيذ وعد بلفور باقامة وطن قومي لليهود المنتشرين في شتى الارجاء على حساب الشعب الفلسطيني وعلى حساب كيانه التاريخي، وشرد الفلسطينيون ليدفعوا ثمنا لمشروع عالمي تزاوجت فيه الراسمالية العنصرية اليهودية ـ الصهيونية ـ مع الراسمالية الاحتكارية العالمية فكانت دولة اسرائيل الوليد الشيطاني لهذا التزاوج المتعدد الاقطاب، فالصهيونية مخلب من مخالب القط الامبريالي الذي تتغير جنسياته لكن مشروعه لا يتغير، بريطاني فرنسي الماني اميركي وهكذا! العراق التاريخي هو قلب المثلث دجلة والفرات اطول انهار المنطقة ينبعان من مرتفعات جنوب هضبة الانضول الاخت الاقصر لارارات التي رست عليها سفينة نوح المنطلقة من صميم العراق، والتي شملتها ملحمة الطوفان السومرية ببركاتها، والاسفار الكلكامشية التي تسرب رؤية لما لم يره اي من معشري الانس والجن، تمجد سفرا نحو الشمال البعيد والمرتفع والكثيف والمخيف وهاويته السحيقة التي تنبت فيها عشبة تريدها الالهة في اوروك ثمنا لخلود معشر الانس!
هذه منارة اخرى انها شجرة آدم التي مازالت تحكي حكاية البداية في البصرة، البصرة موحدة النهرين المهرولين اليها حبا واتساقا!
انهما ينطلقان الى خليج البصرة استجابة لمنطق الجغرافية التي افرزت تجلياتها على كل تاريخ بلاد مابين النهرين، وكل الانهار الصغيرة الصابة بها او المتفرعة عن النهرين لتشكل شبكة ري طبيعية تورد الارض وتمنحها غرين الحياة الذي يسمدها بالسواد الغني بالعناصر، والذي يمنح الزرع نسغه المليء بزغب البراعم المفعم بكل الوان الثمار الغنية الثابتة والمتحولة، خابور دجلة، الزاب الاعلى، الزاب الاسفل، ديالى، العظيم، المشرح، الكحلاء، المجر الصغير والكبير، ومنخفضات مملوءة بالفائض منهما تدعى ـ الاهوارـ هي موائد عامرة للحضارة والمدنية التي انطلقت من حوافها!
تركيا ـ العراق ـ ايران ثلاث اضلاع لمثلث العطاء اوالانكفاء الذي ينتصب في صميم منطق ومصير المنطقة كلها، وعلى وتر هذا المثلث عزف العراق اروع ما يكون العزف، وفي جوفه انتعشت امال وحدة المصالح والمصير بافق جديد يتجاوز الفرقة والتصارع!
لكن وما اكثرشجون الاكن هنا، اي عندما نتناول شؤون هذا المثلث المجسم الذي يراد له التهشيم بتكسير اضلاعه واحدا بعد الاخر، بما يحقق مصالح الاقطاب العظمى التي يسيل لعابها لنفطه وموقعه اكبر قدر من التحكم فيه، فدورها لا يستهان به في عرقلة انسياب دول المنطقة نحو الاستقرار المثمر والرافض للهيمنة الاميركية، ولاسرائيل وسياستها الصهيونية العنصرية المسيئة لشعوب المنطقة قاطبة دورا ميدانيا فاعلا في اجهاض واحباط الانسجام الذي يذكي عوامل تطور ونهوض شعوبها وبلدانها، اضافة الى بروز نزعات متطرفة في بعض اجزاء هذا المثلث تحاول تهريب ازماتها الداخلية الى خارج حدودها لتكون هناك جبهات مشتعلة تمنحها الوقت والمجال لتصفية ما تعتقده عوامل معرقلة لهيمنتها وتثبيت حكمها داخليا وخارجيا، متصورة ان انكسار ضلع من المثلث سيمنح ضلعها امكانية حقيقية للاستطالة!
كان ميثاق سعد اباد عام 1937 بين تركيا وايران والعراق يشكل علامة بارزة للتفاهم السياسي بين انظمة هذه الدول في مواجهة المخاطر المحدقة بها وبارتباطاتها، فالاتحاد السوفياتي كان فزاعة لهذا التقارب لقربه منها،اضافة لتعرضها لذات الاشكاليات الامنية والاقتصادية المرتبطة بوجودها المشترك!
لقد مرت هذه الدول بعد الحرب العالمية الثانية باختبار قوي، فقد صمدت تركيا فيه وحققت ذاتها ككيان متسق، رغم انها اخذت جانب دول المحور، ونجح العراق في اعادة لملمة ذاته، التي لم يرق لها القنوط للتبعية البريطانية ـ فكان الجيش العراقي مدرسة للوطنية الثائرة لنفسها ـ انقلاب بكر صدقي 1936، حركة مايس 1941، اما ايران فقد كانت الحلقة الاضعف في هذا المثلث، لقد قسم الى ثلاث مناطق عمليا، شمالا تحت احتلال الجيش الاحمر وجنوبا تحت حكم البريطانيين، وقد ترك وسط ايران للحكم الشاهنشاهي المربوط بالوصاية البريطانية الاميركية، وفي ظل هذه الظروف قامت الاقلية الكردية في شمال شرق ايران بمحاولة لاقامة كيان مستقل عن ايران والذي عرف باسم جمهورية مهاباد، والتي سقطت بنفس سرعة قيامها عندما انسحب الجيش الاحمر من شمال ايران!
ان استقرار العلاقات بين الانظمة التي تحكمت بالبلدان الثلاث بعد نهاية الحرب العالمية الثانية كان معززا بدفع امبريالي واضح "بريطاني اميركي" لمواجهة مخاطر توسع المد الشيوعي ولحشد قواها في التصدي لاي تطلع شعبي تحرري يفسد عليها نهبها وهيمنتها، فما حصل في ايران ابان تسلم الدكتور مصدق منصب رئاسة الوزراء فيها وتاميمه لشركات النفط الاجنبية العاملة هناك من استنفار لصالح الشاه وحاشيته ولصالح حلف الاطلسي وتحركاته للانقلاب على الحكم الوطني الذي كان يمثله مصدق خير شاهد حي على هذا الدفع، وفعلا حصل انقلاب عسكري ايراني بقيادة الجنرال زاهدي على الحكم بتخطيط ودعم اميركي بريطاني يستند الى ميادين دول الجوار وخاصة تركيا والعراق، وكان اول عمل قام به الانقلابيون هو الغاء قرار التاميم!
ثم جاء قيام حلف بغداد الذي جمع تركيا وايران والعراق وباكستان عام 1955 ليكرس وحدة المصير السياسي لهذه البلدان المسنود من الدول الغربية للوقوف بوجه المد السوفياتي من جهة والمد التحرري للدول المستقلة حديثا، والتي اخذت تلعب دورا كبيرا في محاصرة محور الدول التابعة، فالهند ومصر والصين واندنوسيا ويوغسلافيا راحت تعزف على وتر الحياد الايجابي محرضة شعوب العالم الثالث للتحرك بالضد من السياسات الاستعمارية، فأخذت بلدان حلف بغداد تحسب حسابها للاحتماء والتكتل عسى ان يقيها شر القادم المجهول!
لقد كان قلق نوري السعيد بمحله، لكن حلفه لم يمنع التغيير الذي راح ضحيته هو شخصيا كما راح ضحيته كل رجالات عهده البارزين!
ثورة 14 تموز التي اسقطت الحلف مثلما اسقطت النظام الملكي في العراق كانت برهانا على حيوية شعب العراق ووطنية جيشه، وفعلا كان لوقوف الاتحاد السوفياتي الى جانب التغيير الجديد في العراق احد العوامل المهمة لنجاحه وعبوره مرحلة الخطر الاولى، اضافة لوقوف مصر عبد الناصر وكل احرار العرب والعالم مع ثورة العراق!
ان تميز الوضع السياسي الجديد في العراق جعله عرضة لاستفزازات الضلعين الاخرين وخاصة الضلع الاكثر خبثا في استغلال حالات الصراع في وحول العراق، اي ايران التي راحت ابعد مما رسم لها في التحرش العسكري الحدودي وفي احتواء الانفصاليين البارزانيين بالتعاون مع المخابرات الاسرائيلية ودفعهم للعصيان لعرقلة عملية البناء الجديد الذي كانت الثورة تهم به، ولم يكن دور شركات النفط الاحتكارية في العراق خافيا في الوقوف مع كل هذا التخريب ومنذ قيام الثورة وتضاعف هذا الدور التامري بعد صدور قانون رقم 80 لسنة 1961!
كان الضلع التركي اكثر كياسة وموضوعية من ايران، فتركيا لاتريد رمي العراق بحجارة قد تؤدي الى ارتدادها عليها وهي تدرك ان عراق مستقر وقوي ومتعاون افضل الف مرة لها ولغيرها من عراق مضطرب، ناهيك عن عراق مفكك يؤدي حتما الى انفراط عقد المثلث المكون من اضلاعهم جميعا!
لقد اكتسب التحالف الايراني الاسرائيلي بعدا تقليديا في التامر على العراق وخاصة من خلال استخدام ورقة تمردات القيادات العشائرية البارزانية!
ان نجاح الثورة الشعبية الايرانية عام 1979 واطاحتها بالحكم الشاهنشاهي العفن لم يغير من جوهر النظرة والممارسة الرسمية الايرانية ازاء مصيرها الكلي ومصائر شركاؤها القدريين في المنطقة، العراق وتركيا، بل جنحت وتحديدا بعد ان صودرت الثورة واختطفت من اصحابها الحقيقيين ـ اليسار الايراني ـ وصارت حكارا على طغمة الملالي والبازار المحافظ الذي استهوته لعبة التوسع الطائفي دون التخلي عن ذات النهج الشاهنشاهي في دعم الانفصاليين البارزانيين شمال العراق، وهي بهذا المعنى تلتقي مع الصهاينة والاميركان في التأمر على وحدة وسلامة كيان العراق وشعبه وبشكل مزدوج ـ طائفي وعرقي ـ وهي بذلك لم تتعلم الدرس بعد، والذي تعلمته تركيا مبكرا واخذت تتصرف على اساسه، فمن كان بيته من زجاج لا يرمي على الناس حجرا!
لقد دشن الملالي حكمهم بتسعير الصراع مع العراق، من خلال محاولات تصدير الحالة الطائفية التي يحكمون ايران بها الى اليه، وكان الدافع الداخلي هو المحرك لهذا التسعير فالحكم الجديد تمسكن حتى تمكن من الامر، ومع ذلك لم يكن الامر يسيرا عليه، فانفراد الملالي بالحكم لم يكن ليستقيم لولا ذريعة الحرب التي دفع العراق دفعا لها، ومن خلالها صادروا كل الاصوات الاخرى ـ مجاهدي خلق، فدائيي خلق، النقابات العمالية والمهنية، وحرموا التحزب خارج مؤسساتهم وتكاياهم، ولم يقبلوا بكل الوساطات لايقافها، رغم هزيمتهم الواضحة، كانوا يعولون على الوقت وعلى فوائدها في تصفية خصومهم الداخليين، لكن ندية العراق وصموده، بل وتحديه لتطاولاتهم طيلة الثمان سنوات 1980 ـ 1988، جعلت الملالي يدركون ان تواصل الحرب وبهذه الطريقة قد يقلب المعادلات الداخلية عليهم، خاصة بعد ان اصبحت الحرب حرب مدن مفتوحة، لذلك سلم الخميني بالموافقة الاضطرارية على وقف اطلاق النار، لكنهم اشعلوا نارا اخرى بتأمرهم مع الاميركان والاسرائيليين والطائفيين العراقيين وعنصريي الشمال، من خلال توفير واستثمار ما يلزم الاميركان وجحافلهم لاحتلال العراق وتحطيم كيانه، وهم الان يريدون ثمنا من اميركا لوقفتهم معها، ويريدوه مضاعفا، تمدد ايراني على حساب العراق وغض الطرف عن بناء قدرتهم النووية!
ان النفاق والخبث الذي يستثمر مشاكل الاخرين هو ما ميزالنهج الايراني ازاء العراق طيلة العهود السابقة، وخاصة عهد الخميني واتباعه، مما يفتح الابواب على مصراعيها للتعامل بالمثل عاجلا ام اجلا، والنار ستحرق حتما اصابع من يلعب بها!
لحم العراق مر وغضبه أمر، واهم ميزاته انه لن ينسى، والمشروع الطائفي فيه تتساقط اوراقه الواحدة بعد الاخرى، والشعب الذي يقاوم كل هذه الاهوال ـ احتلالات متعددة تتزعمها اقوى امبراطورية عرفها التاريخ، تخريب طائفي وعنصري، طواعين وحروب متتالية ـ قادر على الحاق الهزيمة بكل من تجاوز عليه! التيه العربي لقد كان ضعف اسناد العمق الاستراتيجي العربي للعراق نابع من حالة التمزق والهيمنة الخارجية ومصادرة الارادة الحرة لدوله، اضافة الى حالة الانهاك التي يعانيها بسبب من صراعات القوى المتنفذة على السلطة، والمشاغلة الاسرائيلية شبه الدائمة له، لكن الامر لم يعد عبارة عن هجمة، وتعدي، بحكم قدرة تعامل الشعب العراقي معها، انها الان اخطر من ذلك بما لا يصدق، واللاسف هناك من لا يريد التصديق اصلا لانه لو فعل فعليه ان يتصرف، وهو غير قادر على التصرف، لانه بالاصل مسلوب الارادة ومعزول شعبيا، والادهى من ذلك ان بعضهم لا يكتفي بسلبيته وعجزه وانما راح ينغمس حتى اذنيه بالمؤامرة الجاري تنفيذها في وعلى العراق، متناسيا ان النجاح الاميركي الايراني الاسرائيلي في العراق يعني التقدم باتجاه كياناتهم، فالشرق الاوسط الجديد ينطلق من العراق ويتسع ليستوعب الجميع بعد ان ترسم الادوار الجديدة، والحدود الجديدة، وحكامها الذين يجب ان يكونوا اقزاما وان لم يفعلوا فانهم سيقصرون!
الكويت : بدلا من المساعدة على تمزيق العراق وتقديم كل التسهيلات لاعدائه، كوني على الحياد، ففي النهاية العراق المقسم سيكون وبالا عليها، ان تجاور الكويت مع دولة البصرة ذات النفس الطائفي سيجعل نهارها يشبه ليلها، فاسمعوا وعوا، وحده العراق الامن والمستقر والمؤسس على روح المواطنة، العراق القوي والمتطور والبناء في علاقاته مع محيطه، هو الضمانة الوحيدة لمصائركم واقدارها!
بذات الغصة ننظر لكل دول الجوار العربي، بل لكل الكيانات العربية، فعلى مصير العراق تتوقف مصائر كياناتكم فاسرعوا لدعم مقاومة شعبه واتعضوا من الخطوب التي تتقاذفه، وافتحوا ابواب المشاركة الشعبية، لتكون اساسا لصمود مواقفكم، وحاربوا الفساد والتفرد، وابحثوا عن التكامل، فكل هذه بلاسم قد تنقذكم مما انتم سائرون اليه! جمال محمد تقي