سقوط نظام سوريا الحتمي سيترك حلفاءه في حال ضياع

بقلم: حسان القطب

القضية الفلسطينية هي محور الصراع في المنطقة، وتعتبر المشكلة الأساس التي على أساسها يتحقق السلم أو الحرب في المنطقة. بالنسبة للعالم الإسلامي هي القضية المركزية، التي لا يتحقق الاستقرار دون حل معضلتها، سواء بتحريرها بالكامل أو بإقامة دولة فلسطينية ضمن أراضي حدود عام 1967، وعودة اللاجئين أو حل مشكلتهم في بلاد الشتات والانتشار وإنهاء معاناتهم وعذاباتهم وخاصةً في دولة العراق التي تدعمها جمهورية إيران. وبالنسبة لدول العالم أو المجتمع الدولي إن صح التعبير، تعتبر هذه القضية سبباً مباشراً في الإرهاب ونشر القلق في مختلف أرجاء الأرض وبالتالي يجب حل معضلتها وتجاوز أزمتها بأي شكل من الأشكال حتى يستقر الأمر ويحل السلام ويعم الاستقرار ولو على حساب الشعب الفلسطيني ومستقبله وتجاوز ونسيان معاناته وتضحياته وحرمانه من إنشاء دولته المستقلة ولو على جزءٍ من أرض فلسطين أو على الأقل بناء كيان ولو شكلاً يفتقد للحد الأدنى من مقومات الاستقلال والسيادة والحرية. وحسن فعل الرئيس الفلسطيني محمود عباس حين توجه للمجتمع الدولي مطالباً بإعلان الدولة الفلسطينية ليخرج القضية وشعبها من بازار التجاذب والمتاجرة والاستغلال من قبل بعض التنظيمات والدول والمحاور.

والبعض الأخر من هذه الدول والمنظومات والمنظمات ترى في قضية فلسطين ومعاناة الفلسطيني سبباً في الاستمرار في السلطة وسبيلاً ومبرراً لقمع شعوبها والتنكيل بهم تحت اسم فلسطين وشعب فلسطين واستعداداً لتحرير فلسطين، فالنظام السوري لشدة تعلقه بالقضية الفلسطينية، أنشأ فرعاً مخابراتياً يخشاه كل مواطن تحت اسم "فرع مخابرات فلسطين" لفظاعة ما يتم تحت سقفه من ممارسات التعذيب والقهر والتنكيل.. وحلفاء سوريا في لبنان وباسم فلسطين وتحرير فلسطين، سمحوا لأنفسهم برعاية سورية وبعناية وتمويل إيراني بالحفاظ على سلاحهم الذي يستهدف الداخل اللبناني والشركاء في الوطن قبل العدو الرابض على الحدود، وتحرير الدولة من أملاكها العامة بالاستيلاء عليها غصباً وبغطاء سياسي بالغ الدلالة في كافة المناطق اللبنانية، قبل تحرير مزارع شبعا ومرتفعات كفرشوبا. والنظام الإيراني الذي ينكل بالأقليات الدينية والعرقية والإثنية في إيران ويحرم شعبه وأبناءه من أموال النفط لينفقها على حماية مشروعه السلطوي في المنطقة، يمارس كل هذا باسم فلسطين وتحت شعار ويافطة مواجهة مشروع الاستيطان الصهيوني في فلسطين، وهو مع ذلك يحتل جزر دولة الإمارات العربية، ويتدخل في البحرين واليمن ولبنان وسوريا ومصر والعراق وغيرها من الدول العربية تمويلاً وتدريباً واستهدافاً وفلسطين لا زالت محتلة ودولتها لم تعلن بعد، واللاجئون الفلسطينيون لا زالوا يعانون في بلاد الهجرة والشتات وفي مخيمات العذاب والمعاناة كما في الأراضي المحتلة..

القاسم المشترك بين هذه الدول والقوى، سوريا، إيران، العراق، حزب الله وحلفائه، هو الاتجار بقضية فلسطين ومعاناة شعب فلسطين. فالقتل في سوريا يجري بوتيرة يومية متصاعدة لحماية نظام سوريا المستهدف من القوى "الغاشمة" ولكن على يد الشعب السوري، وهل من المعقول أن ينخرط شعب برمته في مؤامرة تستهدف نظام وعائلة حاكمة؟ أم أن هذه الانتفاضة هي نتيجة ممارسات وسياسات ومعاناة متراكمة على امتداد سنوات وعقود من الظلم والقهر والقتل والتهجير والإبعاد! والهدف كما يقول إعلام هؤلاء من هذه المؤامرة هو ضرب تحالف القوى الممانعة والمقاومة وإضعافه لصالح قوى الاستسلام والانهزام؟ لذلك وإحباطاً لهذه المؤامرة، أصبح قتل أبناء الشعب السوري مباحاً ومسموحاً؟ تماماً كما أيد ودعم النظام السوري ما ارتكبه حزب الله وحلفائه في لبنان من فظائع في السابع من أيار/مايو من عام 2008، تحت عنوان حماية مشروع شبكة اتصالات المقاومة من مؤامرة يعد لها تحالف قوى الرابع عشر من آذار/مارس. ولكن يوم السبت 24/9/2011، نشرت صحيفة النهار: وأفادت أوساط متابعة أن "المدعو أبو عبد إسماعيل هرب من لبنان قبل شهر بمساعدة قوة كومندوس إسرائيلية لاقته عند قرية حدودية". وكشفت الأوساط لصحيفة "النهار" أنه (أبو إسماعيل) كان بمثابة وزير للبنى التحتية في الحزب الذي ينتمي إليه. ولا يكفي أن ينفي حزب الله هذا الخبر لأنه لن يكون كافياً وشبكة الاتصالات ولا شك تعتبر من البنى التحتية.

القضية الفلسطينية التي كانت عنوان وشعار المرحلة التي عشناها ونعيشها لضمان هيمنة أنظمة واستقرارها وتجاهل بطشها وجبروتها أخذت تتلاشى، وما يجري على الأراضي السورية اليوم يؤكد أن نظام سوريا لم يكن يستعد يوماً لمواجهة جيش الاحتلال ولا لتحرير الجولان، فالجيش السوري كما نراه اليوم ليس أكثر من فرقة مسلحة لحماية نظام وعائلة وسلطة لا تقيم وزناً لأرواح المواطنين وممتلكاتهم ولا لكرامات الناس وإنسانيتهم.. وهذا الانكشاف الفاضح لحقيقة النظام السوري ولطبيعة نظامه المقاوم لتطلعات شعبه، وغير الممانع للمفاوضات غير المباشرة والاتصالات الخاصة وعبر الوسطاء لم يكشفه وحده، بل كشف إلى جانبه مجموعة أحزاب تسير في ركاب حزب الله، التي ترى نفسها اليوم ملزمة بالوقوف إلى جانب هذا النظام في ممارساته رغم خطورة ما يرتكبه، ولكنه واجب الوفاء لتاريخ طويل من التعاون المشترك والتغطية المشتركة لارتكابات بعضهم البعض في لبنان سابقاً وحالياً، مماثلة للتي تجري اليوم في سوريا بحق أبناء الشعب السوري والفلسطيني، وهو الفريق نفسه الذي يدين ما يجري في العراق من أعمال تفجير تستهدف مناطق معينة ويتجاهل أعمال مماثلة تقع في مناطق مقابلة، وهل الإجرام أو أعمال التفجير تتفاوت أو تتباين ترجمة مفهومها بين منطقة ومنطقة أو بين مجموعة وأخرى: فقد علق "حزب الله" في بيان أصدره على "الجرائم الإرهابية التي استهدفت المواطنين العراقيين في مدينة كربلاء"، بالقول: "لم تكف يد الإرهاب الإجرامية عن استهداف أبناء الشعب العراقي المسالم، وقتل أطفاله ونسائه، وتخريب ممتلكاته في مختلف المناطق، ولاسيما في المناطق المقدسة وعلى رأسها مدينة كربلاء". وعبر الحزب "عن إدانته لهذه الجريمة الإرهابية الجديدة". أليس قتل الأطفال والشيوخ على يد جيش الأسد جريمة وتهدف لخدمة مشاريع مرفوضة أيضاً ويجب إدانتها واستنكارها تماماً كما هذه الجريمة؟

واليوم ونحو نتطلع إلى يوم قريب يتخلص فيه الشعب السوري من ظالميه ومضطهديه، نتساءل ما هو دور القوى والحركات والشخصيات التي ربطت مصيرها ومستقبلها ونهجها بنظام سوريا، وكيف ستقدم نفسها لمجتمعها وجمهورها ومواطنيها، وكيف سيتم تعريف وتفسير إستراتيجيتها الجديدة، بعد أن تهالكت مقولة المقاومة والممانعة التي لم نر منها شيئاً؟ وما نطرحه هنا ليس تنبؤات بل بناءً على ما ورد في سياق هذا الخبر الذي نشرته إحدى الصحف المؤيدة لنظلم سوريا وحزب الله ويقول: زار وفد رفيع المستوى من حركة «حماس»، يضمّ مسؤولين في الحركة من خارج لبنان، الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله منذ نحو أسبوع. ودام اللقاء أكثر من خمس ساعات. وتناول الحديث ما يجري في المنطقة العربيّة من أحداث وتطوّرات وكيفيّة تنسيق المواقف من جميع الأحداث، «على مستوى محور المقاومة المكوّن من إيران وسوريا وحزب الله والمقاومة الفلسطينية».

يبدو انه القلق الذي أصاب هذه القوى من شدة قوة وعزم وزخم الانتفاضة السورية التي ستنتصر حتماً مهما تحالف وتآمر عليها الذي اجتمعوا في هذا اللقاء وغيره لوأدها ومحاربتها والطعن بها والتشكيك بجمهورها وتضحياتها وشهدائها وعذابات معتقليها وتشويه شهدائها وآخرهم الشهيدة زينب الحصني، حيث نقلاً عن تقرير لوكالة رويترز: أكدت منظمة العفو الدولية، أن الشابة السورية زينب الحصني (18 عاماً) من مدينة حمص، عثرت أسرتها على جثتها الممثَّل بها في مشرحة بالصدفة حين كانت هناك للتعرف إلى جثة أخيها. وذكرت أن الجثة كانت مقطوعة الرأس والذراعين ومسلوخة الجلد. الشهيدة زينب سقطت لأنها واجهت السيف بالدم، أليست هذه ثقافة الإمام الحسين التي يحدثنا عنها حزب الله؟ ومع ذلك يؤيد حزب الله سلطة السيف الظالم، ويتجاهل سفك دماء المظلومين في سوريا؟ رغم أن المعاناة متشابهة والمفاهيم واحدة والضحية فتاة في مقتبل العمر؟ وانتفاضة زينب ضد الظلم والطغيان والقهر والذل والعيش في حال الخوف من المخابرات والاعتقال تشبه إلى حد بعيد بل هي عينها طبيعة ومفهوم انتفاضة شعب فلسطين ضد الاحتلال الإسرائيلي، ومع ذلك حماس تتجاهل معاناة الشعب السوري ودور حزب الله ونظام إيران في دعم وتأييد هذا النظام، مقابل دراهم قليلة، وشعارات ترفع لفلسطين، ولكنها تستثمر للاستيلاء على السلطة في سوريا ولبنان والعراق والبحرين وغيرها.. مصير حلفاء سوريا لن يكون أقل سوءاً من نظام الأسد نفسه لأن المشروع واحد، وشعب سوريا ولبنان واحد في دولتين كما كانوا يرددون، وسقوط نظام سوريا حتماً سيتبعه بناءً على هذه المقولة سقوط حلفائها في لبنان، لذا يجب أن يكون مشروعهم المقبل هو في العمل على الخروج من حال التبعية لنظام سوريا وإيران والانخراط في بناء لبنان الوطن إلى جانب سائر مكونات الكيان اللبناني وهو الخيار الوحيد، لأن سقوط النظام السوري سيتركهم في حال ضياع أو في مهب الريح..

حسان القطب

مدير المركز اللبناني للأبحاث والإستشارات

hasktb@hotmail.com