سعيد بوخليط .. مُمتهن الريشة

بقلم: د. عمر الشارني
عملان دفعة واحدة

بعد مجهودات كبيرة، وكثير من الصبر، انتهى سعيد بوخليط إلى نوع من الاستحقاق مع مطلع سنة 2009: فقد صدر له عملان دفعة واحدة ! نادرا، هم الكتاب الذين قد يتمكنون من تحقيق لحظة كتلك. لكن، الأمر لا يصعب على بوخليط، وهو الذي كرس ذاته لـ الحلم!
بدأت، سلسلته "باشلاريات" مع كتابه الأول "غاستون باشلار، عقلانية حالمة" (2002)، عن منشورات جريدة الآفاق المغربية بمراكش. ثم حلقة ثانية، جاءت تحت تسمية "غاستون باشلار، نحو أفق للحلم" (2006)، دار أبي رقراق، بالرباط. وجاء المولود الثالث، في إطار مشروعه عن الجماليات الباشلارية، وفق التحديد التالي "غاستون باشلار، بين جمالية العلم وذكاء القصيدة" (2009)، بمجلة فكر الرباط. وهي الفترة ذاتها التي أغنى فيها اللغة العربية، بترجمته لكتاب زميلتنا الأستاذة روني بوفريس Renée Bouvresse عن "كارل بوبر" Karl Popper : "العقلانية النقدية عند كارل بوبر" (2009)، أفريقيا الشرق، بالدار البيضاء. إلى جانب كل ذلك، تبرز مقالاته المتعددة والمتنوعة في منابر مختلفة.
منذ سنوات، حين دافع بوخليط عن أطروحته الجامعية التي انصب موضوعها على الجانب الأدبي والشعري من فكر غاستون باشلار Bachelard، أخذ على عاتقه مسؤولية تبني مشروع علمي جاد يتراوح بين التأليف والترجمة، توجتها بنجاح، إصدارات منتظمة وذات قيمة. وصاحب هذا المجهود الفكري، نشاط غامر أيضا امتد لمختلف الجرائد المغربية والعربية. علما، أن سعيد بوخليط ليس مدرسا في مؤسسة تعليمية، أو باحثا منتسبا لمعهد علمي، ولا حتى هو صحافي محترف.
لقد انطوى بوخليط، على كل عناصر الكفاءة والقدرة المهنية، حيث تجسد أعماله التي جاءت بالكد والمثابرة خير برهان عن ذلك.
استحضر هنا، حديث باشلار Bachelard، عن علماء "يشتغلون يوميا على براهينهم"، فإن سعيد بوخليط يمتهن القلم! لم يتم، بعد احتضانه وتمكينه من وضع مجتمعي مناسب، يؤهله بشكل مريح قصد مواصلة أبحاثه في ظروف نسبيا ملائمة.
توخى، عبر مختلف محور مشروعه، هدفا أساسيا: يتعلق الأمر بمحاورة الثقافة العربية مع بعض المذاهب العقلانية المعاصرة. يكد، بوخليط في القيام بذلك، ليس عبر عمل قد يكون مزعجا ومضجرا للقارئ العربي، لكن من خلال ومضات مقتضبة وسريعة تنم عن ذكاء بسيط وقوي في الآن ذاته، وتمتعنا حينما نقاربها.
على طريقة "شيخه" باشلار Bachelard، يمزج خطاب بوخليط، بين الرصانة ثم اللعب بالكلمات والأشياء مظهرا معطيات معقدة جدا في صيغة تهذب القارئ وتشجعه. منهجية، تميزها رهافتها مع إظهارها لفعالية ناجعة.
بدون شك، فإن طلبتنا بل وحتى المدرسين بمختلف مستوياتهم غير مؤهلين دائما لاقتحام نصوص طويلة، شائكة، والرجوع إلى مؤلفات كُتّاب "تصعب" معاشرتهم. سيكون، من المجازفة على سبيل المثال تهيء عمل حول كانط Kant، ديكارت Descartes أو هيغل Hegel في قالب يتسم بالتسلية. فالبحث الفلسفي، بالتأكيد، اشتغال شاق ومضني يتطلب كثيرا من التركيز والصبر وكذا المثابرة.
أدرك سعيد بوخليط، كيفية إبراز مضامين، إحدى تخصصات الفلسفة المعاصرة الأكثر "وعورة" أي "الإبستمولوجيا" في شكل مبهج. فقد ربط بين العلم والقصيدة عند باشلار Bachelard، وأيضا العلم والسياسة كما عبر عنهما كارل بوبر Popper. في الحالتين، وضع إصبعه على عنصر ذاتي، يسميه المدرسون والتربويون بـ المفتاح المُعلل الذي يمكن من بسط كل العراقيل وجعل القضية في متناول الجميع.
مقاربة مفاهيم منتقاة بعناية مثل الخيال، اللحظة، الحدس...، واختياره لمقالات تدور حول هاته التيمات، ثم تأطيره لمجموع ذلك، تحت مقولة الحلم، يعطي إمكانية ولوج كتابات سعيد بوخليط بنوع من الشجاعة والثقة. يمهد السبيل سواء لمن أراد الانكباب على "المفهومي"، أو من انقادوا وأذعنوا لصيرورة "الشعري". في حين، لا توجد إمكانية لتفكيك أصالته: قصده، قوله لنا، لزومية أن يخدم بشكل متبادل أحدهما الآخر. فالإنسان، كائن يسير على قدمين، يستحيل بالنسبة إليه إسقاط ذكائه أو ذوقه! حتما، نحن رائعون بهذا الذوق القائم على الذكاء، ونصبح أكثر جدوى بذكاء يصاحبه الذوق.
يقدم لنا سعيد بوخليط، فلسفة لـ "المُدهش" على طريقة أبي حيّان بأسلوب شهي، في إطار لغة عربية نظيفة تخلصت من الثقل والتحجر. فتية، خفيفة، وتقريبا موسيقية. لغة حديثة، بقيت محافظة على قوتها وهيجانها، بل وجعلها ناجعة أكثر. انبثق منها، أسلوب حيوي ودينامي، قادر على الإمتاع والتلقين. تعثر اللغة ثانية على ماهيتها ووظيفتها: أداة رائعة للتواصل ومرشد جيد نحو المعنى.
من أجل كل ذلك، لا يسعنا إلا أن نجدد الشكر لسعيد بوخليط ونهنئه على إصداريه الجديدين عن باشلار وبوبر، ونتمنى أن يعثر على وضع اجتماعي يكفل له مواصلة مشواره العلمي، وفق شروط سوسيو ـ اقتصادية محفزة. د. عمر الشارني
أستاذ الفلسفة بالجامعات الفرنسية والتونسية.