سعال ملائكة متعبين تفاحة تبتسم لسكين!

بيروت - من جورج جحا
عمل جنائي في الحب

مجموعة قصائد "سعال ملائكة متعبين" للشاعر الجزائري خالد بن صالح تحفل بأجواء جمالية وبغرابة تضيف في احيان كثيرة الى جمال تلك الاجواء.
الغرابة هنا ليست غرابة كلية وغير مسبوق اليها فما سمي الكيمياء اللفظية شأن قديم نسبيا وإن جعل مدرسة ونهجا وأصبح شهيرا على ايدي الرمزيين الذين مزجوا الالوان والاصوات والروائح والحالات النفسية والخواطر وجعلوها تتبادل الادوار.
الا ان كثيرا من قصائد المجموعة يحفل بألوان من "المتعة" الفكرية التي لا تقوم على مزج في وظائف الانسان والطبيعة فقط بل تكاد تكون مغرقة في خلق صور وأفكار وما يقصد به ان يكون "حالات" لكن معظم ذلك نادرا ما يخرج عن "ذهنية" فرضها الشاعر او فرضتها على الشاعر نفسيته او فلنقل ثقافته وتجاربه.
ومن هنا نجد ان كثيرا من هذه "الحالات" لا ينطبق عليه تماما وصفه بانه حالات او حالة ما لان الحالة تفترض تجربة نفسية حارة او دافئة تنقل شيئا من "العدوى" الى نفس القارىء فيؤدي الى نوع من الانفعال او التأثر.
فقد يجد القارىء نفسه ازاء كثير من هذه القصائد كمشاهد يرقب بإعجاب احيانا وبشيء من "الذهول" احيانا اخرى ألعابا يقوم بها "ساحر" من النوع الذي يشتغل بالكلمات والصور التي يصوغها منها بمهارة دون شك.. لكنها تبقي اقرب الى مشاهد "رخامية" هنا او الى ألعاب يخرج بها هذا الساحر عوالم ومشاهد ومزيجا غير مترابط غالبا من فضة هنا او بلور وصفيح هناك وبلاستيك هنالك. انها اجمالا تخلق متعة باردة لا حالة حارة. وفيها ما يبدو طبقات او حلقات تتراكم ونادرا ما تترابط بشكل عضوي.
اشتملت المجموعة على 18 قصيدة في ثلاثة اقسام او ثلاثة عناوين رئيسية. وقد ورد كل ذلك في 77 صفحة متوسطة القطع. صدر الكتاب عن " الدار العربية للعلوم ناشرون" في بيروت و"منشورات الاختلاف" في الجزائر العاصمة. الا ان الناشرين لم ينسوا ان يذكروا لنا ان لوحة الغلاف هي للفنان العراقي ثامر داود وان تصميم الغلاف هو لسامح خلف.
قدم الشاعر لمجموعته بكثير من الكلام الشعري. قال مخاطبا امرأة قبل ان ينتقل الى مخاطبة ابيه "اليك.. او حين تولد الخطى قبل السفر.. وحدك .. امعنت النظر في موتي.. فتأجل... الى ابي.. احتفاء بالخراب الجميل. الى الاصدقاء.. انتماء للحياة".
ننتقل بعد ذلك الى الشاعر الفرنسي بودلير وقوله مترجما الى العربية ثم بأصله الفرنسي "ما يمكننا ان نراه في ضوء الشمس هو دائما اقل اهمية مما يجري خلف الزجاج". ومن هنا ننتقل الى قول ادونيس "مسافر دونما حراك/ يا شمس من اين لك خطاك.." وبعد ذلك الى شاعر بدا تأثيره جليا في المجموعة هو محمد الماغوط وقوله "ان احشائي مليئة بالقهوة الباردة والمياه العمياء وحنجرتي مفعمة بقصاصات الورق وشرائح الثلج. ايها الماء القديم ايها الماء النيء.. كم احبك".
من الاقوال التي وصفت المجموعة ما حمله الغلاف لعماد فؤاد "يستطيع خالد بن صالح بنزق الشاعر ان يقولها لنا بصراحة.. الصورة ليست كل الشعر. ولانها كذلك فعلا تطالعنا نصوص هذه المجموعة الاولى له وهي تحمل في رحمها اجنة عديدة.. ثمة اصوات منشغلة بالبحث الدؤوب عن الشعر في التفاصيل والاشياء والافكار والعلائق.. ثمة بحث عما هو شعري فيما ليس بشعر...".
وعلى صحة كثير من هذا القول قد يجد القارىء ان ما أشار اليه الناقد يتحول في مجمله غالبا الى تفاصيل لخلق صورة او صور حتى فى الحالات الباردة.
وقال اسعد الجبوري في المقدمة "شعرية خالد بن صالح عمل جنائي في الحب قبل ان تكون كتابة في تأليف نص لغوي. فالتجريب بصيد المفردات من ابعادها الداخلية يكشف لنا عن حوض فوار لمعادن مختلفة في تربته الخضراء وانه شاعر يصوغ من النساء نصوصا ومن بهرجة الاحداث اليومية منازل شعرية بجدران يمكن تخيلها بألواح من زجاج...".
في قصيدة "كما قال الشاعر" نقرأ: "خمرك صاحية يا صديقي/ واجتياز عتبة السؤال مغامرة كسيحة... كأن الموت بوسعك دائما تفاحة تبتسم لسكين/ والعابرون على ظلك الملقى في الطريق العام/ لا يلتفتون لعبارة: "انا الذي.." ولا يلوحون -مبتسمين- بأياديهم المستعجلة/ ظلك لم يعد يلازم انعكاس الضوء الآفل خلف حكاياك...".
والتجريد دائم الحضور عند الشاعر ويختلط بالحسي في صوره وعبرها.
في قصيدة "فينوس" التي تذكر بأجواء تشبه بعض اجواء الشاعر اللبناني شوقي ابي شقرا يقول خالد بن صالح "في المرآة../ نهد يضج بالحكمة/ لتمثال/ منزوع الذراعين/ مبتور الساقين/ ناعم اللذة/ يميل برأسه/ على كتف الفراغ/ نصف زجاجة النبيذ هواء/ ونصفي الممتليء فكرة.../ عندما تلج الغرفة عارية/ بيضة كبيرة/ وجناحان/ الكهرباء تنام على مؤخرة المصباح/ الظلمة ايقونة الجهل...".
وفي "نساء" نقرأ "امراة تنتمي الى آخر البياض/ امرأة ليست شتاء او فصلا اخر.. لحظة دفء/ امرأة كأنها جيوش من الافكار.. احتلال مزيف/ امرأة لا غبار عليها.. قطعة رخام/ امرأة خفيفة الظل/ فراشة تحترق...".
لعل في قصيدة "مطر خفيف يخدش زجاج النافذة" بعض ما يمكن ان يوصف بأنه يدخل شيئا من الدفء كما يدخل حزنا الى اجواء شعر الشاعر فيزيده جمالا بل يجعله اقرب الى الانفاس البشرية. نقرأ: "في الدخول الى الثلاثين/ عتبة محت خطى العابرين ملامحها/ العابرات.. ان كن حافيات اشد فتكا بالعمر/ والعمر في زحفه الغبي نحو النهاية/ في اللحظة الشاردة لا يسأل نادل المقهى...
"في الدخول الى الثلاثين/ حتى الاشياء التي تركتها ورائي/ تعود لتسبق انفاسي الى حتفها/ وألقى في طريقي الى النسيان ما يؤخرني من الاغنيات/ امي بأناملها وهي تحاول محو ما كتب من احزان على جبيني...".
التجول في عالم قصائد خالد بن صالح كالتجول في متحف فيه كثير من الجمال والغرابة والغرابة الجميلة.. لكن القارىء سيشعر على الارجح بالبرد.
المتحف الجميل ينقصه الدفء. وموقد صغير هنا وآخر هناك لا يكفيان.. هناك حاجة الى "تدفئة مركزية".