سري نسيبه، وسيادة عقلية الوصاية على الشعب الفلسطيني وقضيته <b> </b>

أثارت تصريحات سري نسيبه، مسؤول ملف القدس في السلطة الوطنية الفلسطينية، حول إمكانية تنازل الفلسطينيين عن حق العودة في مقابل تنازل الإسرائيليين عن مشروع "إسرائيل الكبرى"، لصالح إقامة دولة فلسطينية مستقلة في كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، لغطا كبيرا في الساحة الفلسطينية، وقد وصلت الأمور إلى حد التشكيك بوطنية نسيبه والمطالبة بإدانته وإقالته.
والمفارقة أنه ثمة حركة أخرى، عكس حركة نسيبه، أثارت منذ سنوات ذات الجدل، تمثّلت بمبادرة بعض المثقفين والناشطين الفلسطينيين لاقامة حركة شعبية تستهدف التركيز على حق عودة اللاجئين إلى أرضيهم وديارهم التي شردوا منها، وبرز بين هؤلاء: هشام شرابي وسليمان أبو ستة وإبراهيم أبو لغد وبلال الحسن، وقد وصمت هذه الحركة من قبل بعض القوى الفلسطينية المعارضة بأنها تصبّ في طاحونة التسوية وتخدم القيادة الفلسطينية المساومة! لأن هدف العودة يحجب هدف تحرير فلسطين بالكفاح المسلح.

أيضا، فإن اللغط من حول فكرة نسيبه يذكّر، مع الأسف، بحالات أخرى جرى التعامل معها بكثير من السطحية والخفة والتشكيك، فقد أثارت أطروحة عزمي بشارة بشأن "الدولة ثنائية القومية" لغطا مشابها لدى بعض الأوساط الفلسطينية التي تعتقد أنها وصية على الشعب الفلسطيني، حتى أنه كاد يتعرض لاعتداء لمنعه من إلقاء محاضرة في مخيم البقعة للاجئين، في الأردن، قبل أكثر من عام، بسبب هذه الأطروحة، وربما أيضا بسبب أنه يحمل هوية إسرائيلية وعضو كنيست أيضا!

حتى مثقف من طراز رفيع، يعد مفخرة للشعب الفلسطيني وللأمة العربية، مثل إدوارد سعيد لم يسلم هو الأخر من هذه الروح العصابية المتخلفة، إذ تعرض هو ذاته لانتقادات حادة ولمعاملات غير لائقة، من بعض الاتجاهات، بسبب أطروحاته السياسية، برغم من أنه يعتبر من أشهر ناقدي سياسة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات.

على كل فإن قائمة التجرؤ على المثقفين الفلسطينيين من قبل الأبوان و"شيوخ الطريقة" طويلة، وهي تصل حتى لمثقف وشاعر كبير بمكانة محمود درويش، الذي يتعرّف الأطفال الفلسطينيين من قصائده الجميلة والعذبة على هويتهم وعلى خارطة فلسطين وملامحها، ويبنون عليها مخيلتهم وأحلامهم، أكثر بكثير مما يتعلمونه من تعاميم وخطابات القيادات "التاريخية" المخلدة والمسلّحة.

وفي الواقع فإنه في كل هذه الحالات فإن الساحة الفلسطينية، للأسف، هي التي تخسر بتغليبها العقلية الإنشائية والاتهامية على عقلية الحوار والتفاعل والبناء، ما يبقيها أسيرة العلاقات الأبوية والوصائية، ويكرس تكلسها في الإطارات التي عفا عليها الزمن، منذ زمن، بسبب ضعف الحراك السياسي والتقاليد الديمقراطية والبني المؤسسية.

عموما فإن الساحة الفلسطينية تستحق أكثر من ذلك بكثير، والمعنى أنها تستحق التحرر من تسلط "الأبوان" وتحكم الجهلة وأصحاب الدكاكين و"الفتاوى الوطنية"، الذين يتحملون مسؤولية هذا الجمود في ساحة يفترض أنها تحمل تراث أربعة عقود، من العمل السياسي، مع تجربة سياسية هي غاية في الغنى والتنوع، وتستند إلى قاعدة واسعة من الخبرات والكفاءات التي يتمتع الشعب الفلسطيني.

وإذا كانت القيادة الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات تتحمل المسؤولية الأكبر عن السلبيات الداخلية في الساحة الفلسطينية بما في ذلك ضعف المؤسسات والعلاقات الديمقراطية، فإن القيادات الفلسطينية الأخرى، تتحمل قدرا هاما من المسؤولية في تكريس هذه السلبيات، أيضا (بحسب حجمها)، بسبب تماثلها مع طريقة عرفات في القيادة وبسبب من فشلها بتقديم النموذج الأفضل في القيادة والبناء والعلاقات، والأنكى من ذلك أن هذه القيادة تبدو نسخة متخلفة عن عرفات الذي يبدو أكثر رحابة وديمقراطية (وأبوية) في الكثير من الأمور، وهي حالة طبيعية لمن يعتبر نفسه الأب الروحي للمشروع الوطني الفلسطيني، وليس مجرد زعيم لفصيل معين.

الآن، وبغض النظر عن فكرة نسيبه، فإن الساحة الفلسطينية بحاجة ماسة للشروع بنقاش جدي من حول الكثير من القضايا، بداية لدراسة هذا الانسداد في الأفق السياسي أمام الشعب الفلسطيني، ولتعيين أشكال العمل والنضال الممكنة والمناسبة في هذه المرحلة، وصولا للبحث في سبل إدخال الحيوية والفاعلية إلى المؤسسات الوطنية الفلسطينية على قاعدة ترسيخ التعددية والديمقراطية والمؤسسية في العمل الفلسطيني.

وبالطبع فإن هذا النقاش ينبغي أن يعالج مسائل سياسية حيوية من نوع مصير الانتفاضة، وأشكال المقاومة المسلحة، ومكانة منظمة التحرير الفلسطينية والدولة الفلسطينية، وكيفية تحقيق الترابط والتكامل بين أهداف الشعب الفلسطيني (أي بين هدفي الدولة والعودة)، وقضية الدولة ثنائية القومية أو الدولتين أو الدولة الديمقراطية العلمانية.

كما ينبغي أن يتضمن سبل الإصلاح السياسي للبيت الفلسطيني، وهذا النقاش لا يقتصر فقط على كيفية اتخاذ القرار وتكريس نظام "الكوتا" ولا على كيفية انتقال السلطة، وإنما يجب أن يطال مشروعية أو مبرر بقاء هذا العدد من الفصائل الذي يفيض عن عدد الشعب الفلسطيني بل وعن التيارات الفكرية والسياسية في العالم كله!

وعودة لفكرة نسيبه، وهي التي حركت هذا النقاش وقلّبت المواجع، فربما اعتقد أنه قدم من خلالها مشروعا اعتراضيا في ظل انسداد الأفق السياسي من أمام الانتفاضة، وبدلا من مصادرة حقه في الرأي كان من الأجدى مطالبته بتوضيح رؤيته تجاه حل قضية اللاجئين، وهو مازال مطالب بذلك كي يكون ثمة نقاش أفضل وأجدى. ويمكن الافتراض، أيضا، بأن عملية الحوار والتفاعل مع نسيبه، كان من الممكن أن تدفعه إلى إغناء أفكاره وتلمّس جوانب غابت عنه، لو أتيح له المجال.

mkayali@scs-net.org