سري نسيبة، النجم الخافت

بقلم : نضال حمد

مرة جديدة يعود سري نسيبة بتصريحاته الرنانة ليعتلي صفحات الجرائد ويتصدر عناوينها. ومرة ثانية، وقد لا تكون الأخيرة، يتعدى ويتطاول على المقدسات والمحرمات الفلسطينية. ومرة أخرى وبطريقة أكثر أثارة واستفزازا، يطلق سري نسيبة تصريحاته التي تمس جوهر القضية الفلسطينية وتطال لبها وأسسها.
ان نسيبة يتطاول، وبالعلن، على حقوقنا مقابل لا شيء سوى ما يتكرم به عليه وعلى أمثاله سفير أميركا في اسرائيل ورئيس بلدية القدس وأحيانا بعض الوزراء الاسرائيليين المعجبين بصراحته وبجرأته وبالتيار الأخذ في النمو ضمن صفوف البعض, هذا البعض الذي يريد انهاء الحالة الفلسطينية الكبرى من خلال الحفاظ على الحالة الفلسطينية الصغرى.
ولكن، ما هي الحالة الفلسطينية الكبرى؟
الحالة الفلسطينية الكبرى تعني كل الوجع والألم والعذاب والشتات الفلسطيني؛ أي فلسطين المحتلة عام 1948؛ اراضي ما يعرف الآن بدولة اسرائيل بدون أراضي الـ1967 المحتلة, كما أنها تعني اللاجئين الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم داخل وخارج فلسطين وعددهم يتراوح بين 3 مليون وأكثر من ذلك. هؤلاء المتسلحون بقرار دولي هو القرار رقم 194 الذي ينص على حقهم الفردي والجماعي مع أولادهم وذرياتهم في العودة الى أراضيهم التي احتلت من قبل اسرائيل بالقوة وكذلك التعويض عن الأضرار التي لحقت بهم وبممتلكاتهم.
كذلك تشمل الحالة الكبرى مصير فلسطينيي الخط الأخضر الذين أصبحوا بين المطرقة والسندان, كما أنها تشمل القدس.
وليس بخافٍ على احد أن موضوع القدس هو من المواضيع المعقدة والحساسة جدا للطرفين الفلسطيني والاسرائيلي وأي سباحة عكس التيار سوف تغرق صاحبها في البحر وسوف يطفو كجسد على السطح لكن دون روح. يعني كجثة رجل شجاع لكن على غير حق لأن الذي يقدم تنازلات مجانية لعدوه من أجل قليلا من الاطراء من بيريز ويوسي ساريد وغيرهما، لا يستحق أقل من الموت السياسي أي أن يبقى طوال عمره منبوذا ومعزولا ومملوكا.
ولكي لا نفهم هنا خطأ أو كي لا يتم تأويل أقوالنا، فنحن نرفض أي عمل يمس سري نسيبة بأذى جسدي أو يلحق به الضرر. لكننا مع محاسبته محاسبة شعبية وجماهيرية لأنه يتحدث عن مصير هذه الجماهير دون استشارتها أو اخذ رأيها بعين الاعتبار ويطالبها بالتخلي عن حقوقها الثابتة دون مقابل، بل ويجعل من نفسه خطيبا لتقديم الجدل حول مفهوم الانهزام الجماعي الذي يمثله وهو رأس حربته العلني وبالونه الاختباري الأول كما كان بسام أبو شريف أيام تونس.
سري نسيبة لا يتحدث كباحث وكسياسي لكنه يتحدث كمسؤول سياسي في السلطة الفلسطينية وفي منظمة التحرير الفلسطينية المغيبة بقرار من القيادة التي فظلت بقاء المنظمة كمؤسسة مشلولة ومغيبة يتم احضارها لتوقيع الاتفاقيات التي تتم فيها التنازلات الكبرى.
وهذا البقاء التراجيدي للمنظمة كان مطلبا أميركيا اسرائيليا وفلسطينيا اوسلويا (ان جاز التعبير أو الوصف) من أجل تمرير كل اتفاقية تلزم الفلسطينيين بتقديم التنازلات المبدئية دون مقابل ودون استشارة شعبنا وسؤاله عن رأيه أو استفتائه.
وما هي الحالة الصغرى؟
الحالة الصغرى هي ما يتوجب الحفاظ عليه مما تبقى من الأرض الفلسطينية ومن الفلسطينيين المقيمين على تلك الأرض, أي القبول بالأمر الواقع وبحل يعيد معظم أراضي الـ1967 وجزأ من القدس قد يتم وصله برام الله وتقام هناك عاصمة ويسمح للفلسطينيين بتسميتها القدس بعد موافقة اسرائيل على التسمية كما وافقت على الجغرافيا. وبهذا تكون هذه القدس الجديدة عاصمة للدولة الجديدة المنزوعة السلاح كما يوافق عليها ويريدها سري نسيبة وامثاله من المتنازلين, ولكي لا تكون هذه الدولة خطرا على الكيان الاسرائيلي (الوديع والمسالم) ولكي لا تتطاول في المستقبل على ما سيتبقى من مستعمرات ومستوطنات في الضفة وغزة والقدس.
وللحفاظ على هذه الدولة المبتورة والتابعة للمحتلين اقتصاديا وأمنيا وفعليا، يرضى نسيبة والذين دفعوه للتصريح بذلك بأن تكون الدولة مسخ ومنزوعة السيادة الحقيقية, بدون سلاح وجيش لأن في هذا مصلحة خاصة للشعب الفلسطيني حسب مزاعمه.
ما هي هذه المصلحة؟ أن هذا الكلام يجعلنا نشك أكثر في أفكار وطروحات سري نسيبة المعلن منها والذي لازال خفيا. فخلف كلماته هذه تختفي أشياء كثيرة تنتظر اللحظة المناسبة لتخرج على السطح من جديد.
في ختام الكلام نقول لسري نسيبة: أن كلامك هذا وكلامك الذي سبقه هو مضيعة فعلية للوقت؛ لوقتك ووقت الذين يقفون خلفك وخلف تصريحاتك, لأن شعبنا الذي يتمتع بحس وطني عالي وبمشاعر وطنية عظيمة, هذا الشعب الذي لازال يعاني وبالرغم من انهزامية بعض قياداته ممن وصلوا الى مراكز القيادة الهامة, سوف يبقى متمسكا بالثوابت الوطنية الفلسطينية, بحق العودة والتعويض وبحق قيام الدولة الحقيقية وبحق بناء المؤسسات الديمقراطية المنتخبة وليس الطريقة التي أصبحت فيها أنت مسؤولا لملف القدس وقائدا في منظمة التحرير.
هنيئا لك مديح أعداء شعبك وأولهم بيريز الذي علق على كلامك قائلا: "أنه تصريح شجاع.. ويترجم وجهة نظر محيط الرئيس عرفات الذي يعتقد أنه لا بد من وضع حد للارهاب واستئناف محادثات السلام".