سروال لبنى

بقلم: مصطفى الفيتوري

لبنى حسين صحفية سودانية تكتب في صحيفة "الصحافة" الصادرة في الخرطوم التي أسهها زوجها الراحل عبد الرحمن مختار في "العاصمة المثلثة" قبل أكثر من 40 عاما.
ولبنى هذه كانت موظفة علاقات عامة تابعة للأمم المتحدة حتى يوم الثالث عشر من يوليو/تموز حين قبضت عليها الشرطة مع ثلاثة عشر سيدة أخرى وهن يجلسن في مقهى عام وجريمتهن كانت أنهن كلهن يرتدين سراويل! عشرة من النساء اعترفن بأنهن مذنبات وبالتالي تلقين عشر جلدات ودفعن غرامة بحوالي مائة دولار. أما لبنى فرفضت الاعتراف وطلبت أحالتها إلي المحكمة لأنها مصرة على أنها "غير مذنبة".
حيثيات القضية تقول أن جريمة لبنى هي "أرتداء ملابس غير محتشمة" وفق المادة 152 من القانون الجنائي السوداني (والقانون لا يحدد مواصفات تلك الملابس) ما كانت ترتديه لبنى لباس عادي مع غطاء رأس وسروال من النوع الذي يعتبره أهل الخرطوم محتشما، في حين يعتبره سكان الجنوب محتشما جدا وفق أحد استطلاعات الرأي.
وسروال لبنى عبارة عن سروال أخضر فضفاض يعتبر بمقاييس الموضة متخلف جدا!
ويوم جلسة المحكمة حضرت لبنى الي القاعة مرتدية نفس السروال ورافقها عدد من المناصرات لها في حين أحتشدت بعض النسوة أمام المحكمة بسراويلهن وقررت وزيرة الصحة السودانية، وهي من الحركة الشعبية الشريكة في الحكومة الانتقالية، حضور كافة اجتماعات مجلس الوزراء بسروال منذ ان قٌبض على لبنى في حين أرسل الرئيس الفرنسي سفيره في الخرطوم إلي الخارجية السودانية معبرا عن احتجاجه. وبعد ذلك كتب إلى لبنى يعرض عليها الإقامة في فرنسا بعد ان تحرك الحزب الإشتراكي الفرنسي وطلب من الرئيس التدخل، كل هذا من اجل سروال لبنى حسين!
شعبيا نالت القضية اهتماما واسعا خاصة في الأوساط النسائية بين معارض لجلد لبنى وبين مؤيد لجلدها ووصل الأمر انها تلقت تهديدا من مجهول اتصل بها هاتفيا ليخبرها أنه سيقتلها في قاعة المحكمة تماما كما قتل ألماني متطرف مروى الشربيني في محكمة في مدينة دوسلدورف الألمانية بسبب أرتدائها الحجاب وصارت الراحلة تٌعرف باسم "شهيدة الحجاب". واذا ما نفد المجهول تهديده ضد لبنى فقد تصبح "شهيدة السروال"!
المادة 152 من القانون الجنائي السوداني هي جزء من قوانين تٌسمى قوانين الشريعة التي سنها محمد جعفر النميري. وما فعلته الحكومة الحالية هو أنها كانت حازمة في تنفيذها ولكن أن يصل الأمر الي سروال لبنى فذلك ما لم يخطر على بال الكثيرين! ومع أن حالات عديدة مرت على القضاء الا ان ضحاياها لم تتوفر لهن أمكانية الاحتجاج والرفض كلبنى حسين كونها صحفية!
الحكومة السودانية وجدت نفسها في ورطة أمام أصرار لبنى على محاكمتها بل ان الأخيرة وجهت دعوات الي الصحفيين ومراسلي وكالات الأنباء تبلغهم فيها بموعد جلدها ليحضروا حفلة الجلد تلك لولا أن القاضي أجل القضية حتى التاسع من الشهر القادم! والقاضي في تأجيله أراد أن يتأكد من أن لبنى لا حصانة دبلوماسية لها كونها تعمل لدى الأمم المتحدة مع أن المتهمة أعلنت أمامه إنها استقالت متعمدة حتى لا تتمتع بالحصانة مصرة على محاكمتها وجلدها لإحراج الحكومة!
الشرطة التي اعتقلت لبنى لم تكن تتوقع هذا كله، بل ظنت أن الأمر سيمر كما في السابق واحالة القضية الي المحكمة نتيجة اصرار المتهمة واضعة الحكومة في ورطة محكمة الحبك: من ناحية الحكومة لا تستطيع أن تلغي المحكمة خاصة أن المتهمة رفضت كل الوساطات التي قيل أنها سعت الي اقناعها بالتخلي عن المحكمة وقيل أن أحد تلك الوساطات عرضت عليها عفوا رئاسيا فرفضته لبنى، والحكومة أيضا ستكون في وضع أكثر حرجا أن هي نفذت العقوبة خاصة في عيون الغرب الذي بالكاد يريد أن يتقبل محاورة حكومة الخرطوم، خاصة أميركا بسبب دارفور والموقف من الحكومة السودانية أساسا! ولعلنا نذكر أن الحكومة الأميركية عينت مبعوثا جديدا للسودان يتحدث بلهجة جديدة ويحمل رؤية جديدة ولا يصر على ان ما يجري في دارفور "أبادة جماعية" كما كان يصر جورج بوش، وادارة اوباما تحاول أن تجد أرضية مشتركة مع الخرطوم من أجل إغلاق ملف دارفور!
أما على صعيد الرأي العام فكأنه بالضبط هذا ما كان ينقص الإسلام: أن يتم تناوله من ضمن سروال لبنى ولحية ذاك الفقيه و حجاب تلك السيدة ورداء هذا العجوز.
تحول الأمر الي مجرد تسلية مع ان موضوعها الدين الحنيف وليس حديث في لقاء عابر! ولكي نعي مدى الإساءة التي نسببها كأفراد وحكومات لديننا الحنيف يكفي ان اقول أن محرك البحث على الانترنت وعند البحث عن لبنى حسين باللغة الانجليزية يعطي 767 ألف وثيقة و437 ألف أخرى بالعربية ولا يزال الحبل على الجرار.
اعلاميا الحالة أسوأ. فقد كتبت صحفية بريطانية مقالة بعنوان "أن الله غفور رحيم إن كنت رجلا فقط" في حين نشرت مجلة الإكونومست الذائعة الصيت مقالة بعنوان "شهيدة سروالها"، في حين أجرت صحيفة الأوبزرفر العريقة حوارا مع المتهمة وهي ترتدي سروال ومما قالته لبنى في ذلك الحوار هي أنها ترحب بجلدها أربعمائة جلدة وليس أربعون جلدة من أجل كشف زيف اللبوس الديني الذي يتمسح به البعض في السودان.
وفوق هذا كله تجدر الإشارة الى أن محاكمة لبنى تصادفت مع صدور حكم المحكمة الدولية في قضية أبيي المتنازع عليها بين الحركة الشعبية وحكومة الخرطوم فتم طمس هذا وعدم ابرازه اعلاميا في مقابل تغطية قضية سروال لبنى!
محليا (سودانيا أقصد) وعربيا وإسلاميا السيدة لبنى حسين هذه تستحق الشكر والثناء والدعم لأنها وقفت الموقف الصحيح من قانون ظالم للمرأة ومحبط ولا يستند الي أي نص قرآني، بل أن النص القرآني المؤكد يقول بجلد من يرمي المرأة بغير حق وليس بجلد من ترتدي سروالا محتشما حتى بمقاييس طالبان!
موعد النطق بالحكم سيكون في شهر رمضان وهو شهر العبادة والتقرب من الله وهذا يضيف الي ورطة الحكومة في الخرطوم بعدا آخر لا يخفى على أي حصيف.
فهل يا ترى ستتراجع الحكومة وتترك سروال لبنى وغيره من السروايل فتظهر وكأنها متخاذلة في تطبيق الشريعة (كما سيقول الفقهاء وهم كثر والحمد لله) أم أنها ستمضى في تنفيذ العقوبة وجلد لبني وسروالها أمام العالم وفي الشهر الكريم فتظهر محافظة على الدين صائنة للشريعة كما سيقول الفقهاء أيضا وهم كثر أيضا!
في الحالتين وحتى وان قبلت لبنى الوساطة وتخلت عن القضية او ميعت الحكومة القضية عبر تأجيل البث فيها فان الهدف قد تحقق سودانيا واسلاميا وعربيا: سودانيا أثبث الحكومة للغرب (وهي الساعية الي الإنفتاح عليه) أنها متطرفة كما يقول هو، واسلاميا سجلت نقطة سوداء ضد الإسلام كونه لا يحترم المرأة كما يقول الغرب أيضا، وعربيا أعطت دفعة قوية لتيار في الغرب يقول أن لا حرية حقيقة مع الإسلام، مع أن الأمر كله بدأ من سروال لبنى!

مصطفى الفيتوري، رئيس قسم إدارة الأعمال باللغة الإنجليزية في أكاديمية الدراسات العليا، طرابلس، الجماهيرية.

mustafafetouri@hotmail
.com