سرقوا الوطن، سرقوا المنفى: شهادة روائية

بقلم: حمزة الحسن

يراد لنا هذه الأيام، كما أريد لنا في كل الأيام، أن تلتبس الصورة لدرجة نسيان المعنى الحقيقي للأشياء بحيث يأخذ كل شيء، في عملية قيصرية سريعة أسرع من دبابات الاحتلال، اسما غير اسمه الأول، ومعنى غير معناه الأول، ونبدل قاموس الأسماء حسب إيقاع أقدام المحتل (والمحتل مفردة جديدة في القاموس العراقي، كما أن مقاومة سرية هي مفردة أخرى لسنوات قادمة).
لكن ما هو مخيف ومقرف ووحشي ابعد مما هو مألوف أن يقع شاعر في غرام جنود الاحتلال (احتلال العراق!) ويطالبهم بلغة الايروتيك طبعا بسحق أهلنا وقتلهم علنا: "ولا تتركوا منهم أحدا حيا"!
هل كان جنود الاحتلال بحاجة لسماع نداء القتل هذا كي يهرسوا رؤوس أطفالنا على مشهد من الكاميرات؟
كيف نقارن، إذا كانت هناك مساحة باقية في الوعي لمقارنات جديدة، بين المخرج العملاق مايكل مور الذي أطلق على الرئيس الأمريكي لقلب (العار!) دون أن يطلب من دكتاتورنا بسحق أمريكا، وبين شاعر عراقي يطالب الرئيس الأمريكي بقتلنا؟
ولن نجد مثقفا أمريكيا واحدا يكره رئيسه ويطالب في نفس الوقت الجيش العراقي بقتل شعبه. المفارقة الأخرى أن جنود الاحتلال يريدون القتل سرا ويخشون من وضوح الصورة. هم يخافون من الكاميرات لأن الصورة تفضح الجريمة التي أريد لها أن تكون سرية وأنيقة وذكية وشاعرية (هذا لغز كراهيتهم لبعض وسائل الإعلام العربية رغم أنها فتحت قواعدها لهم!).
أليس هو القتل من أجل الحرية والسلام؟ وفي هذا النوع من القتل الشاعري تتواجه الضحية مع جلادها في ظلام ليلي أو قبو أو حقل بلا شهود وهذه مفارقة المفارقات:كيف يخجل المحتل من وضوح الجريمة ويطرد الكاميرات ويريدها سرية في الظلام أو الضباب، ولا يخجل الشاعر من تحريض القتل؟!
كيف، إذا كان هناك معنى للسؤال هذه الأيام، أن يزول الفارق بين القنبلة وبين القصيدة؟!بل سبقت قصيدة القتل سرعة القنبلة.
ما معنى أن تلتزم القنبلة بشروط القتل السري، ويدعو الشاعر إلى القتل العلني؟ (لا تتركي لهم شيئا).!
هذا ما أكدته الكاميرات علنا.شكرا لك نيابة عن كل رأس مهروس.هذا يحدث كثيرا في عالمنا العراقي كل لحظة. وهذه واحدة من فوائد الاحتلال: وضوح المعتم والمستور والمقنع.
هل كنا نحتاج لحرب أخرى كيف نكتشف ما كنا نعرفه وما حذرنا منه قبل سنوات طويلة؟
هل ثمة دهشة أو مساحة للذهول بعد؟
أم أن وضوح الصورة يصيبنا بالعمى كما يقول علماء الاجتماع؟
أم أن الانحطاط الأخلاقي والأدبي والسياسي والثقافي يقود حتما نحو هوية جديدة هي هوية الخائن؟
بلا أصباغ.
بلا أقنعة.
بلا لغة تبرير.
هل نمضي في وصف المشهد على أمثلة أخرى أم نتوقف عند النموذج والمثال والقدوة الرديئة؟
كنا نقول عبر سنوات ما أصبح يقوله البعض من الشرفاء علنا اليوم عن هؤلاء أنهم (سرقوا الوطن، وسرقوا المنفى) بل هذا ليس عنوانا جديدا مبتكرا قبل لحظات، بل هو العنوان الفرعي لروايتي "عزلة أورستا: سرقوا الوطن، سرقوا المنفى" التي صدرت قبل سنتين وهي تتعرض بالضبط لهذه النماذج وتوصف بدقة دورهم القادم بعد وقوع مجزرة كبرى وتذكرهم بالأسماء. يومها أكثر من صديق نجيب لامنا على ذلك على أساس أن هؤلاء من التفاهة بحيث لا يستحقون الذكر. وكنا على يقين بأن التفاهة ستصنع حقائق على الأرض أكثر مما يصنع الجمال.
كانوا يريدون منا أن نكتب أدبا "جميلا" ونتكلم بلغة لا تجرح أحدا حتى لو كان جلادا، أدب صالونات مثلا. وكنا نردد الآية "إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما ذبابة". وكنا نقول ان الله شتم أبا لهب وامرأته حمالة الحطب.
فإذا كان الله يلعن حمالة حطب ويضع عقله معها، فلماذا لا يحق لنا أن نلعن هذه الوحوش التي تستنكف منها حتى الوحوش التي ستخرب حياتنا مرة أخرى؟
في الصفحة 60 من الرواية هذا الكلام:

(من كان مسؤولا في العراق صار اليوم زعيما في حزب معارض. ومن كان يقف حارسا خلف ابن الرئيس ويحمل مسدسا لحمايته هو الآن رئيس تحرير جريدة أو مجلة في اسكندنافيا، ومن كان رئيس تحرير جريدة حكومية هو الآن، في طبعته الملونة، رئيس تحرير صحيفة معارضة، ومن كان بوقا وممسحة مناضد ومساح أكتاف في المؤسسات الحزبية والثقافية هو الآن منظر اليسار الجديد وداعية للثورة في هلسنكي...الخ ).

وفي صفحة 107:
(متاجرة بالوطن، متاجرة بالمنفى. هل تعتقد أن السلطة مسؤولة عن كل شيء بما في ذلك الانحطاط الفردي؟).

صفحة 110:
(نحن أمام: نفس الوجوه الكالحة التي خربت حياتنا هناك).

صفحة 112:
(المفجع أن هؤلاء هم من صنف اللصوص والمتاجرين بالوطن والثروة والمستقبل...الخ. الخ..).

صفحة 128:

(عندما يسرقون منك العمر ويعطونك قبرا، فهذه مكافأة مقبولة، وعندما يسرقون منك الوطن ويمنحونك منفى فهذه مقايضة مفهومة على أية حال، لكن عندما يسرقون منك الوطن والمنفى فهذه فضيحة..).
والمقطع أعلاه موجودة أيضا في رواية "سنوات الحريق" الصادرة سنة 2000، في صفحة 60.

صفحة 190:
( اتركوا لنا المنفى، وخذوا الوطن).

صفحة 147:
(قلت لعبد الأمير جابر:
ـ إذا عدنا يوما فستكون في قلوب كثيرة.
رد علي ساخرا:
ـ هل تتوقع هذا؟ هناك كلاب صيد تتربص. سيكون الجبناء في الواجهة. وربما سينصبون لنا المشانق بتهمة أو بدون تهمة. هؤلاء سراّق كل الثورات).

صفحة 238:
(وتصبحون على انفجار أيها الهاربون من الغدر والجراد وزجاجة البيرة في الشرج وموت الشاحنة والكاتم والسم. في يوم ما عندما يعود مناضلو وشعراء وحزبيو الطاولة والنرد والقبض والزار والحشيش والصحف الصفراء، وعارضو أشجار ومنائر وأضرحة ومساجد وكنائس وحقول وقناطر وشهداء وجبال وسهول وطيور الوطن للبيع.
عندما يعود هؤلاء إلى العراق، سوف لن تجد أم فرات ولا عبد الله الفاضل ولا قاسم شريف وحسين عبد المهدي ولا الأسير والمطرود والعاشق أو عاشور وغيرهم مكانا فارغا للنوم والموت والحلم على مائدة ذئاب تخجل منها حتى الذئاب).

صفحة 254:
(هؤلاء سيكتبون التاريخ مرة أخرى، بل سيصنعونه. لقد أخذ التاريخ شكل البورديل).

وهاهم يصنعون التاريخ مرة أخرى على حساب غفلتنا وسخف معاييرنا وسذاجة عقولنا وتساهلنا. هل كانت نبوءة أن يقع هؤلاء في غرام المحتل حين أرادوا إبعادنا عن رؤية التفاصيل أم إن هذه التفاصيل الصغيرة، لا الشعارات والكلمات الكبيرة، هي التي تعري غموض الصورة، وتفضح الكائن المختبئ خلف متراس صلب من وطنية وإنسانية وهوية زائفة سرعان ما أعلنت أن ارتباطها الحقيقي هو بالمحتل والقاتل وليس بالوطن الذي كان قناعا؟
أمس وصف الشاعر سعدي يوسف هؤلاء بمثقفي السي. آي. إيه. وتوعدهم عند العودة (إذا عادوا). ألم يكن ذلك متأخرا كثيرا بعد صمت طويل عن هؤلاء الذين اشتبكنا معهم منذ عشر سنوات بلا هوادة؟ وفي كل مرة حاولوا إخراج صورة لنا هي صورتهم. وفي كل مرة حاولوا نقل صورتهم الداخلية ونشرها على حبل غسيل ونسبها للآخرين. بعد ذلك تتكفل اللغة الشاحبة في صياغة أسباب هشة وكاذبة للاختلاف.
هل هناك أمريكي أو فرنسي أو سويدي يجد صحيفة أو منبرا ينشر له شناعة تطالب جيشا آخر بقتل شعبه مهما كان موقفه من النظام السياسي القائم؟!
عقد من الزمن كانت حفنة من كتاب شرفاء وشعراء وفنانين تنشد لوطن جميل وسليم ومعافى وتدعو نحو جبهة ثقافية سياسية وطنية من أجل إسقاط الفاشية، لكن على الجانب الآخر كانت هناك جوقة أخرى.
لماذا يراد لنا واليوم أيضا وفوق جثث وخرائب وحرائق أن نتكلم بقاموس المجرم رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي الذي يقول "إن إرهابيين عراقيين يقاتلوننا. ان العراقيين يخالفون اتفاقية جنيف لأنهم يقاتلون بملابس مدنية!!"
لماذا يحاول البعض أن يقلب الاسطوانة، وهي مشروخة أصلا، ويريد إيهامنا عن طريق اللغة العاجزة ان جيلا عراقيا جديدا سيولد من رحم دبابات الاحتلال، وان الشمس العراقية لا تحتاج كل هذا التاريخ الشعري والأسطوري والحضاري والسياسي والنضالي، بل أنها قضت العمر كله وهي في انتظار الغزاة؟!
وأمام سرعة اندفاع الدبابة، هل يجدي أن نسرع في طرح أسئلتنا القديمة التي ضاعت في الفوضى؟
هاهم اليوم على أبواب السلطة.

لقد سرقوا الوطن
ثم سرقوا المنفى
ثم سرقوا الوطن !

* روائي عراقي مقيم في النرويج.
** نشر هذا المقال خلال الحرب ولأول مرةفي 28/3/2003