سرد: إنفعالات رأس الدمية

بقلم: عزيز التميمي
إنقلب الكأس وساح النبيذ

تجمّد الليل فوق خده الأيمن، دمعة، كذلك السكون، الدمعة صرخة، والصرخة صفعة في بركان ناضج، كان الإنفجار شظايا من الخوف والفزع، وانشطرت الرؤيا دروباُ قاتمة، تاهت فيها انتقالات الخطى، تحت جلده اشتعل الخدر وفي كعبيه تثائب الشلل، تذلل الفتى أمام ازدراء الجدران واختفى في عظامه ضبع مندحر، سار بلا رأس يفقه الفكرة، الجدران تبصق في قفاه، لعابٌ، صراخٌ، جحيمٌ،....، همس في ذاته: "إصفع، إصفع بي أيّها الليل المملوء عِبر، لعل الثور المتغابي يفهم"،..

كان الانفجار هائلاً في تلك اللحظة، شُلّت الذاكرة، سقطت في سلة النسيان، في رأسه أسئلة حائرة، لم يلتفت إلى جوابها، الجواب المنفلت في شدّة الانفجار، جرى بين قباب المدينة المعلقة كثريا في السماء، ترك قدميه تتدلى فوق درجات السلّم المحطمة، نزولاً في الهواء، تدك سمعه لعنات الفم الغاضب، في غرفته المزروعة بالكآبة، فكّ ربطة عنقه، شعر بجسده المائع يهوي خلف قدمية، يُسكب في فراغٍ ضاوٍ بين مسامات العتمة، كل هذا لم يره من قبل، لم يسمع به.

أراد أن يقول شيئاً، رفع رأسه، كانت الصفعة موت الحروف، ومثل كلب مهزوم، كنس ذاكرته ومن جديد هيّأ نفسه، أراد أن يقول شيئاً، رفع رأسه، ربما كانوا ثلاثة وهو رابعهم، وربما أربعة وهو خامسهم، لايهم، إقتربت الكؤوس من بعضها، كان خارج دائرتهم، أمال رأسه إلى الخلف قليلاً، استدرج الفكرة التي تمارس مخاضها، لحظات صامتة، شرع ماء وجهه يتململ، توسّلها، لم تخرج، كانت بيضة كاذبة وتخلخل في ضغط الدماغ، تراخت يده، تركت الكأس ينقلب، ابتسم رفاقه، سألوه: كم تحدثنا...؟، شاح بوجهه بعيداً عبر النافذة المعبأة بالضباب، أرسل نظراته دون تركيز، كم تشاجرنا ولك الرهان، عليه أن يتذكّر شيئاً، ملؤا كأسه من جديد وعاد يشرب فشله في الحديث للمرّة الرابعة وربما الخامسة في هذه الجلسة، " هو هكذا أخرس بلسان طويل وما أكثرهم.."، علّق أحد رفاقه الذي استطرد قائلاً: " يتأمل الديناصور كثيراً، معجب بجسده الغريب، يفضله على النحلة، كل شيء تصدّع في هذا الزمن وهدد الخوف كل من النحلة والديناصور الهرم ولم يبق ما يحفظ ماء وجه البروسترويكا الحديثة..".

ساح النبيذ على سطح المنضدة، العقد انفرط وأصبحت فكرة الكل كلاسيكية، رفع رأسه، زحزح شفتيه، بانت مقدمة لسانه وبدت نبرات صوته مشحونة باليأس..، " كنت أقول له أنني ما زلت طفلاً، آسف كنت أقول له لم أعد طفلاً، " ثم انقطع الكلام، تشظّت الفكرة في رأسه من جديد، ارتجّ جسده عندما ارتطمت قدمه بحافة الدرجة المحطمة، لم ير شيئاً، المصباح المثبت في أعلى السلّم منطفيء، إحتوت الفضاء المنثور حوله ظلمة مدهشة، عليه أن يخمن المسافة بين درجة واخرى وإلاّ فمصير قدميه الإنزلاق المفاجيء، شعر بالغثيان للحظة وأحسّ بثقل رأسه فأسند جبهته المتعرقة إلى حافة المنضدة، تنخطف إلى سمعه بين آونة وأخرى كلمات حديث طويل، لم يستطع أن يميز نبراته أهو شجار أم عربدة، وفي أي زمن يحدث، هل في زمن الصفحات الصفر التي كان يقرأها إبتداءاً من مجلس أبيه وجده أم يحدث هذا في زمنه الذي لم يستطع أن يحضره؟، وكم عدد الرؤوس التي تحدثه؟، يعتقد أنهم كانوا ثلاثة ورابعهم صادفوه بباب الحانة، سلّموا عليه ومضوا إلى الداخل، لكن من المرجح أن تكون هذه كلماته: "لم يعد الإنسان شمبانزي أبله يفرح بالسلسة الذهبية التي تطوق عنقه.."، ضحك بصوت عال، وبصق قرب قدميه، الصعلكة في عصر الكمبيوتر تعني له شيئاً، قاطعه أحدهم قائلاً: وماذا تعني لهذا الرأس النائم بجانب الكأس !، لا تعني اكثر من برنامج منتظم يقدم كلمات وجمل مكررة من يوم تعلّمه الحديث، اتهموه بهذه الكلمات في وقت استسلم هو للتهم المعلّقة مثل خطاياه، نعم ياأبي... نعم يا أمي..، نعم لكل شيئ له سطوة في محيطه، أراد أن يقول نعم لعينين كانتا تحنوان عليه من خلال فتحة النافذة المؤدية إلى بيت الجيران إلاّ إنه فشل لحظة الحسم، واقنع نفسه بحقيقة واقعه، لا تنظر هنا، لا تمش هناك، لا تطلب ذلك، وعندما ارتفعت ضحكة ماجنة، تثائب وحرّك رأسه ثم طرحه على خده الأيسر وراح يهذي كالمحموم " لست دمية.. لست بيدق.. سوف ترى.. سوف ترون..! "، سال اللعاب من فمه المفروش بلا انتظام، وفي مخيّلته ثمة صورة غامضة، لم يكن متيقناً من عدد الدرجات المتبقية، تبعثر الوضوح في مخيلته، مثلما انشطرت حبات الدمع في عينيه وتشظّت الأصداء في أذنيه، كأن سداً تحطم فجأة ولطم وجهه إعصار موج مدمر، أو جبلاً تصدّع وتهاوى فوق هامته، هي صرخة في جسده الهش، شعوره بالمرارة استقرّ في قعر قدميه حينما فقد يقينه بحقيقة وجود درجة غير محطمة قادرة على استقبال ثقل جسده المتراخي، كانت نفخة الصور عظيمة، أفقدته توازنه، فهو لم يعد مثل بقية الأشياء، إنجرفت به الأرض وانفلقت فوق رأسه جرّة مليئة بالدماء، كفّه المتجبسن فوق سياج السلّم، ذراع ماكنة هرمة، لم يرفعها منذ زمن بعيد، ولم يحاول أن يرسم بها علامة استفهام في يوم ما، فكانت دائماً معلقة في الهواء، ترتجف شفتاه، تتقافز رموشه كفار مملوء بالخوف، يتحرّك بلغة الإشارات وإيماءات العيون، كان واقفاً في لحظة مجهولة... أين ومتى؟، لا شيء يستجيب لذاكرة مخدّرة، تورّم معصمه الراقد في بلل النبيذ، سحبه أحد رفاقه فوجد رأسه يتجندل فوق كتفيه بدبايس خدر متخشبة، الكلمات نثار شهب تمس سمعه دون إرادة منه...، " مثلما قلت لكم، السلة المصنوعة من سيقان القصب لم تعد ملائمة لفراخ الريبوتات الفولاذية تماماً مثلما حدث في بلاد الصقيع.. "، عبارة لم يعد لسمعه أي سلطان عليها.

هزّ رأسه متثائباً، لملم هيئته وأخذ يصغي للحديث الذي أحزنه عدم الإشتراك به، واكتفى بإيماءة الإذعان فقط، كانت عيناه توحي بانفعال شديد ومفاجيء بين حين وآخر، فيرتج جسده ويقشعر جلده كلما سقطت كف أحدهم على سطح المنضدة، إعتقدوا أنها حالة فسلجية ترافق عمليات الهضم في أحيان كثيرة، وبدا في رأسه شيء يستدير، كأنه ينظر إلى الخلف الغارق في ظلام كثيف، همس: هو ذا الوجه المنقوع بالفزع، يشرئبّ بعنقه فوق الرؤوس، " أيها الثور المتغابي الغاطس في الوحل حد أذنيك، متى تشعر بالراحة وتترك رأسك يحتوي مخيّلة مريضة؟، هو ذات الصمت وذات الأصوات الخفيظة التي تثقب الأغشية بهدوء، صحو ينتشر في جمجمته، دقّات خفيفة، في الرأس، في القلب، في الشرايين، تحولت إلى فحيح بطيء، تولده أنامله وهي تتحسس الجدار الخشن، وبعد أن تخلّص من السلّم تاه في العتمة، نور ضئيل يفر من ثقب دقيق نثر الإرتياح في نفسه، توسّلته قدماه في خضم فوضىً تأخذه في كل الإتجاهات، كان الباب جاثماً كالليل الثقيل حينما توهجت في أعماقه زهرة تفاؤل " لا بد أنهم في سبات، سأترك حذائي وراء الباب وأسير على رؤوس أصابعي.. "، كبح جماح انفعالاته إلاّ من أنفاس مكبوتة تساق في سبيل ضيق، " الآن كل شيء هاديء، وهاهو الوقت يجري كالساقية بين يديك.. "، التفت لهيأته، فلمح شبحاً يخدع ظل الأشياء، يمرق كالريح في السكون، إبتعد عنهم بحذر، تجنّب محاذاة الأبواب الموصدة والمفتوحة على السواء، فقط علّق نظراته بالجدران القاتمة التي توحي دوماً بتلك القامات المجهولة التي تتدلى مع إضطراب المخيلة، عندما شعر بالخوف يشق صدره، أسند ظهره إلى الجدار واستسلم لثمة حقيقة تدك يقينه، ساقان عاريتان ناحلتان تنزلان من فوق وتتوزعان حول كتفيه، بل تقبضان على اطرافه فيبدو الجحيم أكثر مرارة حينما يسقط تماسكه في صرخة مدوية، بعد حين يجد رموشه تتعلّق بذؤابات سقف مرتجف، وصف حالته تلك بـ الخذلان الأحمق، وراح يتابع خذلانه أو بالأحرى خذلان جفونه وهي تحصر رؤيته في مستطيل الباب الرصاصي المواجه له..، تزاحمت قطرات دمه في شرايينه وراحت تضغط من الداخل، وتأتي أوردته إلى رقبته حبالاً تشكل حلقة تتدلى امام عينيه، " هل كنت تعتقد بهذه النهاية البشعة..؟، أيها الثور الحجري..، هل لك رأس في نهاية عنقك..؟، أنظر الحلقة..؟، هي لحظات وينزاح ذلك الباب وتسقط من أسفل قدميك درجات السلّم المتهالكة ثم ينخرط الحبل على رقبتك وينتهي كل شيء.. "، الصمت يموت تحت شفتيه وتأوهات تغادر رأسه كالدخان، ".. أيها القدرة الخفية كوني عوناً للثور الذي تورط في حمل جبل على ظهره، ليت اليد التي تغفو على جلد امرأة تحترق، ويلك أيها الديناصور الممدد بجانب لبوة متوحشة من خريف العمر الأسود "، ".. سأكتم أنفاسي وأعبر احتضار أوعيتي، إنه سكون طويل كالدمعة الجامدة، لابد أنهما الآن متجانسان، متوحدان تحت غطاء واحد، فالليل في آخره والنجوم بعيدة، سأحمل خوفي وأحاول المرور من نافذة الغضب تلك، هيا.. هيا.. تحرّك.. تحرّك ياسيزيف فالصبح أوشك الإنبلاج وأنت تسير فوق ظلّك الشفاف .

الآن كل شيء هاديء، الأجساد يعبث بها دفء الفجر، متراخية تقبِّل الكفوف والراحات الشبقة، رأس متوحد يترنّح بإعياء، نقل خطاه المتخفيّة وراء دبيب خنفساء ضالة، اقتربت من فتحة النجاة، ليته يصرخ مثلما فعلها أول مرّة وهو يختنق عبر فتحة الحياة الأولى ويحطم السكون الممتد فوق دبابيس العتمة، الدرجات بانت مفقودة والسلم رفرف في الفضاء، امتدت من كتفه يد مرنة، لم تكن مخدرة مثلما اعتقد باديء الأمر، بل فوجيء بتلك الحركة التي أنكرها عن يده لفترة طويلة وتحول هذا الإستغراب إلى خيبة ومرارة في آن، حرّك رأسه فكانت حافة الكرسي الحادة تحز خدشاً في صدغه الأيمن، وتفتح ملفات حكاية قديمة، كانت إمرأة القرصان تنام في جسده، بين ضلوعه، أيام وليال، وحينما يشتهيها يغرز خنجره في صدره فتخرج إليه ملفعة بثياب الفجر الشفافة، تأخذه بعيداً عن العيون والألسن وهناك تبكي حتى يغتسل بدموعها، وقبل رحيل الظلام تدخل جسده من جديد، هي حكاية لم يتشبث بكلماتها فآلمه ذلك كثيراً في لحظة إكتشافه لعيني إبنة الجيران معلقة في شناشيل شرفته منذ سنين، نسيها وراح يدق برأسه كل يوم عل جذوة في الذاكرة لم تزل تحيا إنما دون جدوى، التفت إلى يساره، إلى يمينه، عبث الأجساد يتسلّق الكراسي المنقلبة والكؤوس المحطمة، رؤوس غادرت الأقفاص البلاستيكية، سلاسل مقطعة ونوافذ تهشم زجاجها، تساءل: مالذي حدث؟، اي لعنة حلّت بهذه المملكة الحيوانية، ربما حلم مقيت أو يقظة ماجنة لم تزل تعيش مراهقة مرّة، ترك استغرابه واهتمامه بالأشياء وأخذ يسجل نبضه المتسارع، جسده يرتج في كل إنفعال بيولوجي، يحيط به السكون الملغوم بالحذر، الفراغ يعوي في رأسه الذي اقترب من فتحة النجاة، همس في ذاته: أيها الغبي تخلّص من موتك مرّة واحدة، تحرّك، وأطبقت أطرافه على إطار الفتحة، إنسلّ إلى الداخل، تاركاً هواجسه ترقص وراءه، أغمض عينيه وانحدر في جسده ارتياح عميق، يخرج من داخله جسد متعب ويحتل الفراش البارد، تتبخر عبر أذنيه ضوضاء حادة، لم يسمع شيئاً، لم ير شيئاً، لم يفكر في شيء، كل الهواجس توقفت وتحولت المخاوف إلى ارتياحات لذيذة، وفار خدر في أطرافه وسكن كالبحيرة الهادئة، تعوم في رأسه انثيالات الفكرة الحالمة، رفع رأسه قليلاً، شعر بخفّة ذلك الطوق المجهول المتربع فوق هامته، تنفس عميقاً وأخذ يتحسس صدره المنتفخ، ومثل مجذاف يصطدم بصخرة تصلّب فجأة وتثاقل الهواء المسكوب في جوفه، لم ير شيئاً، هو الصدى يسقط من السقف ويحدث دوياً كالصرخة في الخمول، سأله، دارت الكلمات بين شفّتيه كالرحى، كم الساعة..؟، كم حماقة..؟، ذهل للحظات، لم يكن الصدى غريباً عن سمعه، ارتسمت ملامح الفم المتحرك في الظل، كانت شفتاه ثقيلتين كشفتي حصان متمرد، ألصق ظهره بالجدار، في رأسه غابة من الإضطرابات، ".. أيها الثور الأحمق، انها نهايتك، لا شك في موتك في هذه اللحظة.. "، صفعته بصداها، صرخة عاتية، دكّت رأسه وصدره وعظامه وجرّته إلى الحضيض من جديد.

تأفف سيزيف وأدرك خيبته الأخيرة ولم يعد يسمع ما يصدره جسده إلاّ ارتجاج كئيب، كانت رحى ثقيلة، غرست في خده الأيمن شعلة من جمر، غضب انتشر في جلده كالوباء، وصار يهذي كالمحموم، يقوّس الحروف والكلمات ويجري بذاكرته تحت أنقاض سكون متصدّع. يفرد خطاه الفزعة هنا وهناك، كضبع مهزوم في دمه لهب كالإعصار، ".. لم تكن سوى صنم صغير، ربٌ وثنيٌ مخلوع، بيدق ما عاد لوجودك أثر..، أيها الليل الواقف أزاء وجهي كالطفل، إصفع، إصفع.. لعل الثور المتغابي يفهم.. "، صفعة هي، كرة من نار أزلية، تقذف كلما تمادت الشياطين في الصعود، أو محاولة استراق السمع، كالشهاب المخطوف، صفعة كالصرخة في الرماد المتطامن تحت هدوء المساء، ".. أيها السكّير الجبان.. هل نسيت من زرعها فوق خدّك..؟، ولكنك هكذا دوماً.. اشتعال معزول.. "، واستقرّت الرحى فوق خده الأيمن وأحالته كتلة فحم متّقدة، انفجرت كالبركان الناضج تحت جلده، فسالت حممٌ، حمم، في التيه ظلّت قدماه، ارتفع ظلام في عيني الغر الذي لم يستفهم عن حركة اعتباطية كانت تسوقها يد خفية في يوم ما.

سالت فوق خديّه دمعتان، التفت وراءه، الباب موصدة وكل شيء مسحور بالصمت، حاول أن يحرّك رأسه المثقل بالذكريات الطافية على بحيرة النبيذ، فانقلب هو وكرسيّه، فدقّ رأسه الأرض، اعتقد العالم كله يدق معه، فاستمرّ بالدق حتى غفى فوق أنقاض يده المتورمة، لم يشعر بحركتهم ولابصمتهم العكر المتقطع في كؤوسهم، همس: كل شيء تصدّع وما عاد التغيير يجدي في عالم مريض بالشيخوخة..، تذكّر أن هذا الكلام لم يكن له بل كان آخر ما سمعه من أحدهم قبل أن يبصق عليه ويخرج، انحدرت قدماه تتخبطان في ظلمة الفضاء المحتوي على درجات السلّم المحطم، بين الحذر والتوجس يزرع خطاه المترددة التي تهوي بجسده في الفراغ، وحينما انطرح جسده يلامس الأرض، شعر بالإرتياح وهو يحتضن القاع البارد، رأسه يخوض كالموجة الآتية من بعيد تركبه الفكرة تلو الفكرة، وعندما يتذكّر أنه ممدد على الأرض، تخرج طراطيش الفكرة الممزقة من عينيه، ارتعاشة جفون فزعة، فيلثم البلاط البارد، يكاد يشرب رطوبته التي تنغرس مسامير صدئة في لحم شفتيه، في رأسه شيءٌ، ذلٌ، هوانٌ أو من هذا القبيل، لقد أسقطت من شعوره بقايا الصفعة أن له جسد يسير بساقين وقدمين وتمارس فيه الريح لعبتها الأزلية، وفوق كتلة الجسد كرة مشحونة بمعلومات تتحرّك بالإشارة ونوابض الأزرار المبرمجة وتستقبل نشاط أجسام البشر الطبيعي دون كلل أو ملل، وكانت هناك على المدى المرسوم حوله سحب تقترب كأفيال إبرهة، تحاصره حينما تفلت الكأس المدوّرة من كفه ويسقط الشيطان تحت قدميه، في لحظة يطول السلّم المحطّم كأنه النفق الصاعد إلى السماء، وفي لحظة أخرى ينكمش كطي وريقة ذابلة، أو ينفجر وتتناثر درجاته في الفضاء كشضايا قذيفة مخدوعة، تأخذ معها نصف ساق مهشّمة وعين دامعة ولفيف أمعاء نتنة وبقايا دموعٌ عكرة، تقترب السحب، تتكاثف رمادية اللون، سوداء اللون، لم تكن خيراً، لم تكن بشرى للأرض الجدبة، كل هذه الإستنتاجات مرّت في كرة رأسه دون توقيت، الرعد والبرق وأشياء تتكسّر في الحلقوم وسائل يتراجع منكمشاً هنا، هناك، في الوجه، في العينين، تحت اللسان، يتهيّب من ظل زاحف تحت أضوية المصابيح المعلقة في واجهات الأبنية وتنحسر أشتات ارتباك شديد، تتجاذب كالقطرات في بؤرة مالحة، يمد رقبته لا إرادياً يريد أن يقول شيئاً، أمال رقبته، حاول فتح فمه، إنقلب الكأس وساح النبيذ، في ذلك الوقت كانت خطاه تتراكب فوق بعضها، بين فجوات السلّم المحطّم، تطارده في الأفق، صرخة، يرتعش لصداها خدّه الأيمن.

ربّما... انتهت * عزيز التميمي: قاص وروائي عراقي مقيم في الولايات المتحدة، ولاية مشيغن، مدينة ديترويت