سرديات الصور التشكيلية المتلاحقة

العالم يتحرك في مخيلة الكاتب صورا متدحرجة

قصص "القيصر والرحيل" المجموعة القصصية السابعة للكاتب الفنان الشربيني المهندس ابن الإسكندرية، وذلك إضافة إلي روايتين هما الدخول إلى الكابوس، وفينك يا محني ديل العصفورة.

وهنا نستطيع القول إن الأديب الشربيني المهندس يؤكد دائما على حقيقة هامة وأساسية في الفن، وهي أن الفن جدة مستمرة لا تعرف الثوابت، وإنما الجديد المستمر في تجدده وفي مغايرته للثابت فنرى هنا شكلا أدائيا متمايزا ومتميزا، وقصص أقرب إلي أن يكون صورا أبجرامية انفعالية مثل الرباعيات الشعرية تبدو وكأنها عزف منفرد في معزوفة كبيرة.

ولا شك أنه وجد ضالته في القصة القصيرة لتعكس أزمة الداخل والخارج وتحولاتهما، فهو النص الذي يؤكد باستمرار أنه لا يعرف القيود بقدر ما يعرف ويحرص علي الجدة المتلاحقة، متوسلا إلى ذلك بالتداخل مع سائر الفنون الأدبية وغير الأدبية، حتى أصبحت القصة القصيرة الآن قصيدة شعرية، ودرامية، تقدم أسطورة الإنسان المعاصر في مآسيه الاجتماعية والإنسانية والكونية، موظفة آليات تشكيلية وأدائية حركية وموسيقية، بل وتكنولوجية من خلال تقنيات الميديا الحديثة في عرض فنون الصورة .

تضم المجموعة عددا من القصص القصيرة، وآخر من الصور واللوحات السردية. وهذه اللوحات قد تأتي مشهدا سرديا واحدا، وقد تأتي في مشهدين أو ثلاثة. العالم الذي يقدمه الشربيني المهندس، هو هذا العالم الذي حرص منذ بداية رحلته الإبداعية مع قصص "وابتسم سعد زغلول" و"دوائر النوايا الرمادية" وما تلاها، حرص على تقديم عالم الإنسان المعاصر بمآسيه المتلاحقة اجتماعيا وسياسيا وإنسانيا وكونيا.

لقد حاصرت الهموم والمشاكل الإنسان، وتعددت صورها، وأصبح الإنسان الذي كان سيد كونه محاصرا بهموم لا تنتهي. ومشاكل لا تحل. والوقوف أمام المعوقات تحد يصعب اقتحامه. هكذا أدرك الفنان في الشربيني المهندس الحاجة إلى التفكيك لإعادة البناء من جديد على قواعد سليمة وصحيحة، ذلك أن ما يقام على بقايا الفساد لا يمكن أن يحقق الأمل المرجو.

عالم مجموعة "القيصر والرحيل" كما ينبئ عنوانها قراءة فنية لثورة يناير 2011 وما بعدها، والتحولات والتغيرات واستعراض للرؤي والأفكار. فالعالم السردي هنا في حقيقته رؤيا تشكيلية، وقراءة فنية لمشاهد الواقع الاجتماعي والفكري والنفسي والثقافي والإبداعي قدمها الكاتب المهندس بتنظيم هندسي يسعي إلى استكشاف آفاق جديدة في الممارسة الإبداعية لتقديم ملحمة الإنسان المعاصر المنغمس في مصيره.

تدحرجه الصور بين الاستسلام لمأساته والتمرد في ملهاة عبثية. وهو عالم مفرداته متناثرة في أعمال الفنانين المعاصرين، وكل واحد يطرحه من منظوره الخاص وزاوية التناول المشكلة، وهو الأمر اللافت في الفن المعاصر الذي تجاورت فيه الفنون وتداخلت في محاولة لتقديم شمولية الرؤية وإنسانيتها علي نحو يمثل تحديا متوحدا أمام عبثية منطق الواقع.

ويبدو أن إبداع الشربيني يبدو أكثر وضوحا مع الصور التشكيلية فمجموعته القصصية السابقة كانت بعنوان "تدحرج الصور" وبأسلوب متقارب. يشكل الشربيني المهندس عالمه السردي - ويشترك في هذا لوحاته السردية أو صوره السردية، أو قصصه القصير والطويل منها – من مجموعات من الألوان الوحشية المتداخلة في رؤية بصرية أقرب إلي هلاووس الفنانين التي تتداخل فيها كل معطيات الواقعين، الخارجي والداخلي النفسي بمنطقتيه الواعية واللا واعية، لكنها مع هذا مترابطة ينتظمها وينظمها إيقاع الرؤيا فيتحول معها السرد إلي مجموعة أحلام متداخلة يتخللها نوبات نصف الإفاقة التي تأتي ما بين اليقظة والحلم.

في قصة "التغيير" من المجموعة وهي كسائر قصص المجموعة مثل استغاثة وديمقراطي وغفوة وغيرها تنويعات على أحداث الصورة وما بعدها – المجموعة صادرة قبيل الثورة – نشاهد هذا المشهد للرجال الذين نهضوا مع شروق الشمس للمشاركة في احتفالية الحي والانتصار بعد التمرد.

لاحظ تدافع الصور البصرية المقتحمة بألوانها الوحشية وكيف تمكنت من تقديم هذا المشهد العبثي القائم على بنية المفارقة: "أطلقت الشمس أشعتها وسط ظلال البيوت الواطئة .. مع رنين الصمت تأهب الرجال فقد طال مكوث النساء خلف الشبابيك وقد توقفـن عن خبز العيش منذ أيام .. صامتة هذه الأحياء القديمة, لكنها تعرف تماماً متى تستيقظ من سكونها المرعب". (لاحظ الدلالة الرمزية في صمت الأحياء القديمة التي تعرف متي تستيقظ من سكونها المرعب) لتفرغ في جعبة الحاضر كابوسا بزفرات الماضي, وفيضان الأوردة يتحول نهراً غاضباً كلما حاول أحدهـم حجب الشمس عن هذا التراب وتلويث الهواء.

تلك الشمس التي تعـود أن يراقب إشراقها صباحاً من وسط المزارع أو على ضفاف الترعة شابا. انفتحت الأبواب على اتساعها وتدافعت الأقـدام بانتظام في مظاهرة سلمية والرجال في طريقهم إلى شارع النشاط، وارتفعت الأيدي وصافحت اللافتات وأطلت النساء من النوافذ.

ضحكت الشمس وهدرت الحناجر تهتف بسقوط الفساد. كانت الشائعات قد سرت عن فشل أجهزة الحي في إيقاف السرقات بسبب وجـود شبكة دعـارة تقطـن المنزل الكائن في نهاية الشارع الكبير".

تحرك السرد هنا - كما هو ملاحظ – في لقطات مكثفة فيها شاعرية التركيز والاختزال والتكثيف من خلال تلك الجمل السريعة القصيرة التي تدق بإيقاعها العنيف المتلاحق لتستثير وتحفز او علي الأقل لتنبه المستمع / المشاهد / المتلقي إلي هذه المشاهد العبثية التي تجمعها محركات داخلية يقظة في تجميع عناصر المشهد.

وتلعب المفارقة دورا أساسيا في تكوين هذه المشاهد السردية تأكيدا لعبثية الموقف / المشهد الذي يعكس بالتالي عبثية الواقع على نحو ما يذكره المشهد التالي من نفس القصة السابقة (التغيير) وهو المشهد الختامي الذي يحمل بإحالاته الرمزية المفارقة في شقها العبثي:

"في برنامج إطلالة المساء من البيت بيتك على القناة الفضائية أعلن عن نقل رئيس الحي محافظا إلى المدينة المجاورة، ومع هذه الترقية تأتي ابتسامة المذيعة تعلن ابقوا معنا. فاصل إعلاني قبل إعلان أهداف كرة القدم هذا المساء ورغيف عيش إفرنجي يطارد الفراخ وقد تساقطت حبات السمسم أمامه وصياح الديك يملأ الشاشة. وعاد الهدوء إلى الملعب والشارع مع صفارة الحكم ونضبت الدموع مع قرار الرجل الجديد بزيادة قوات الأمن المركزي وبناء سور مرتفع وجدارية رمزية حول حديقة المنزل. وهو ما انتهت إليه ثورة عيش، حرية، عدالة اجتماعية.

وتقدم قصة تمرد الفرشاة هذه الرؤيا التشكيلية الجديدة لتحويل السرد المكتوب والمحكي إلي مشاهد لونية متداخلة في قصة الفنان الذي يعيش حالة الوهم الأكبر، عندما تتحول ضربات الفرشاة وتتابع الألوان في موسيقاها المتناغمة مع الموقف النفسي إلى حالة من حالات التقمص الوجداني، عندما تتحول اهتمامات الفنان إلى تشكيلات لونية تعطي صورة الحياة تجسدها امرأة وتتحول اللوحة إلى واقع بفعل الاستثارة الانفعالية.

يعيش معها الفنان تجربة متكاملة. هنا يتداخل الواقع والمتخيل في بني ترميزية تسكن مرحلة ما بين الوعي واللاوعي فتأخذ من هذا لذاك ومن ذاك لهذا، ساعيا لتقديم ما يرضيه، ولكن يحول بينه وبين هذا الرضا قلق الفنان الساعي إلى استنكار القائم والتمرد عليه، والبحث باستمرار عن جديد لم يأت بعد.

بالمجموعة عدد من القص القصير الشاهد بمهارة الكاتب المعذب بالتماس الصدق في الاختيار والأداء.

وفي المجموعة كما أشرت عدد من اللوحات القصصية والتي أطلق عليها منذ فترة "قصة قصيرة جدا". وقدمت على أنها لحظة أو مشهد تأملي أو حواري. إلا إننا هنا عند الشربيني المهندس نراها شكلا أدائيا متمايزا ومتميزا، فهي أقرب إلى أن تكون صورا أبجرامية انفعالية مثل الرباعيات الشعرية فتبدو وكأنها عزفا منفردا (صوليست) في معزوفة كبيرة إذا ألحقت بغيرها أو بالسياق العام ويمكن أن تحمل دلالة اكتمالها في ذاتها مع الاستغناء عن سياق العزف العام.

وهي تنويعات تجريبية ولاشك سعي إليها الفنان الكاتب في محاولة لاستكشاف آفاق جديدة في الممارسة الإبداعية أو هي صورة للتشظي الذي آل إليه العالم بعد أن قام الفنان بتفتيته لمحاولة إعادة البناء جديدا. وقد تحمل حيث الابجراميات سياقا سرديا لحدث وشخصية ومعنى, وقد نقف عند مجرد المشهد اللوحة ودلالتها البصرية.

للشربيني المهندس قصة قصيرة اسمها "تدحرج الصور" ضمن مجموعة قصصية سابقة له بنفس العنوان. ويعكس هذا العنوان تماما البنية السردية في كتابات الشربيني فهو يتكئ دائما علي إعادة خلق العلاقات المنطقية بين مفردات لغته السردية التي أفقدها في عملية الحكي منطق سياقها اللغوي فأصبحت متناثرات صورية تتدحرج امام القارئ في المشهد المتناثر علي نحو ما نرى في المشهد التالي من قصة "انكماش".

"تكاسلت الشمس عن الطلوع .. تتقدم جبهة عريضة خطوات الرجل .. كان الدر قد مد خطوطه الصريحة فوقها .. داعب لحيته التي تتمتع بالحرية المطلقة .. مد بصره .. لمح شعاع الشمس يتسلل هناك، فوسع الخطي ليلحق بالموعد .. أطبق يده وانطلق" .. الخ .. المشهد ..

ويبدو أن العالم يتحرك في مخيلة الكاتب صورا متدحرجة، وهذا هو الأصل في اللغة، فقبل المرحلة التجريدية للغة، كانت الكلمات إشارات استدعائية لمدلولاتها قبل تعقد العقل وصولا إلى المرحلة التجريدية.

الكاتب كثير الحكي مع نفسه، ويتحرك هذا الحكي في ذاكرته صورا متلاحقة تتلون في منطقة الغبش الضبابي بين الوعي واللاوعي يسجلها سرديات متعددة الوجوه لاختلاف سيناريوهات الحكي داخل المتخيل التسجيلي للكاتب بحثا عن نهايات للخروج من أزمة الموقف.

وهنا يعول القارئ المفسر كثيرا على القراءة في ضوء الدلالات الذاتية التي تتسم بالخصوصية وبالتالي الغموض .

هكذا يسيطر الغموض أحيانا على السرد المتداخل والذي قام خارج حدود السياقات المنطقية للدلالة في اللغة، لكن ما يميز الغموض عند الشربيني المهندس أنه غموض كاشف يعتمد على شعرية اللغة الإيحائية على نحو يسهل معه عملية التلقي من خلال الإحساس بالدلالة الانفعالية للغة السردية، وهي لغة أقدر على نقل الإحساس.

تقول قصة "صـوت وصـورة" في منمنماتها التشكيلية بجملها القصيرة التي حولت المشهد التشكيلي الي مشهد سردي من خلال الصور الترميزية المتدافعة.

"أحاطت به نظراتها طويلا قبل أن تلتهمه تماما. هناك حاول البحث عن ملامحه الجديدة .. تحسس بقايا شفتيه التي غزتها وعينيه التي احتكرتها .. صحت .. لست أنا .. قالت غزالتي الشاردة: أسألك الصبر .. نظرت للرجل داخلي فرأيت صورا كثيرة .. تطلعت إليها .. مع طعنات رموشها بحثت عن زئير الأسد فلمحت الهرة تنطلق من بين الأقدام".

هكذا استطاع الشربيني المهندس من خلال لقطاته السردية المكثفة والمؤسسة على بنية المقابلة ومن خلال تدافع الصور المشكلة للموقف النفسي، أن يقدم بناءً سرديا جديدا يرتكز على شاعرية الاختزال والتكثيف على نحو يمكن أن نطلق عليه سرديات الصور التشكيلية المتلاحقة.