سرادق مصر!

بين كل اّذان للصلاة فجرا أو ظهرا.. وقبل الإفطار أو بعد الغداء.. وما بين خروج الزفير ودخول الشهيق.. وأثناء حصة الألعاب في مدرسة إبتدائية أو طابور الصباح في أخرى ثانوية.. يسقط شرفاء الجيش والشرطة فداء لمهنة إرتضوها ووافقوا وهم يختارون مهامهم المحفوفة بالمخاطر أن يستكملوا حياتهم في جنة الخلد.. يفرحون بلقاء ربهم وينسون عائلاتهم وذويهم لأنهم "أحياء عند ربهم يرزقون".

وبين كل جنازة يبكي فيها زملاء الشهيد وأسرته، وتنساب دموع المصريين ساخنة ونحن نتابعها على الشاشة الصغيرة، نسأل أنفسنا هل أصبحت مصر سرادقا مفتوحا.. يختلف فيه فقط من يقف ليأخذ العزاء في الفقيد الشهيد.. ويتساوى بعد ذلك كل شيء.

لماذا سكتنا على القتلة والخونة الذين حكمونا عاما ثم استأصلناهم في عملية جراحية سريعة يوم 30 يونيو.. هل ستظل مضاعفات العملية تضغط علينا وتنزف من جرح يأبي أن يندمل، و"غرز" تنفك خيوطها كلما نظفنا الجروح.

لقد أصبح الإخوان الإرهابيون أشد خطرا علينا من إسرائيل.. نحن الذين سكتنا عنهم، وقلنا أنهم بتوع ربنا وإختارهم البعض في الصناديق وهتف لهم اخرون في الميادين، فصدقوا أنهم مرسلون من قبل رب العالمين.

قد لا يعلم كثيرون انه بمجرد أن يجيء الأمر لوحدة شرطة أو جيش للخروج في مأمورية إلا ويتسابق الجميع.. ويكون القرار "إجراء قرعة" لأن العرض أكثر من الطلب ومن يفوز في الاقتراع يهتف له زملاؤه مهنئين الله اكبر الله اكبر.. كلهم يريدون الشهادة.. ذكروني بالفدائيين الفلسطينيين الحقيقيين أيام حرب التحرير عندما يلقي أحدهم حتفه، تقف أمه وزوجته وقريباته يزغردن كما لو كان سيزف إلى عروسه. هذا الإيمان بالحرب المقدسة ضد الإرهاب أصبح شريانا ينبض في عروقنا.. ضد شراذم كافرة تسربلت بالإسلام، فلم يخف إنحطاطها وخبث هويتها..

أتأمل صور الجنود الغلابة: المتزوج حديثا والذي يقف على عتبة الدنيا.. الذي يحلم بفرصة سفر بعد إنتهاء خدمته، والذي "عزق" الأرض وتركها تنتظر أن يبث في رحمها قبسا من روحه البريئة.. الذي وضع دبلة الخطوبة في إصبع ابنة عمه ويقرأ القراّن وهو قابع في برج المدرعة، وبين كل اّيتين يتذكر ليلة زفافه فيبتسم. أتأمل صور هؤلاء وقد عادوا إلى ذويهم في صناديق يلفها علم مصر، واخرهم ثلاثة امس الاول، فأسأل نفسي: كم ضابطا وجنديا ينبغي أن يموت ليتوقف أطفال الشوارع الذين يسمون أنفسهم "ثوارا" عن الهتاف ضد جيش مصر وشرطتها؟ كم ضابطا وجنديا ينبغي أن يموت ليتأكد المصريون من أن بلدهم عاد إليهم معززا مكرما، غير منقوص؟ كم ضابطا وجنديا ينبغي أن يموت لكي نسمع ليبراليا يتحدث – مرة واحدة وأخيرة – عن ضرورة التمييز بين دم القاتل ودم الضحية؟ كم ضابطا وجنديا ينبغي أن يموت ليدرك نحانيح الدولة المدنية أن "الفاشية" في حرب طاحنة كالتي تخوضها مصر.. ليست شرا مطلقا؟

هي الحرب إذن، لكنها ليست "أهلية" كما أرادها المترفون والمرتجفون من دعاة المصالحة والمسار الديموقراطي و"هتيفة" الدم الحرام، بل حرب المصريين ضد أقذر واحط من أنجبت مصر. هي الحرب، لكنها حرب "الدولة" ضد شراذم كافرة.. لا فرق في كفرها بين الله والوطن. وما دامت حربا فلا حرج في سلاح: من الإقصاء إلى الإبادة.. وليكن شهداء الداخلية والجيش ثمنا لـ"مصر نظيفة". ليكن ثمنا باهظا وموجعا، لكنهم – جيشا وشرطة – جديرون به.