سراج الدين يقرأ قضايا الدستور المسكوت عنها

بقلم: محمد الحمامصي
لم نر نقاشا معمقا حول قضايا مهمة

يطرح د. إسماعيل سراج الدين مدير مكتبة الإسكندرية في كتيب رقيق الحجم صدر هذا الأسبوع بعنوان "البحث عن الدستور.. قراءة في قضايا المستقبل المسكوت عنها" عددا من الأسئلة / القضايا الجوهرية "المسكوت عنها"، التي يحتاج المصريون إلى تضمينها في الدستور الجديد بصرف النظر عن شكل نظام الحكم الذي سوف تستند إليه، رئاسي أو برلماني أو مختلط. حيث أنه في خضم الحديث الممتد، والساخن، والملتهب حول الدستور الجديد، واللجنة المنوط بها وضعه، يؤكد سراج الدين "لم نر نقاشا معمقا حول قضايا مهمة ينبغي تناولها في الدستور الجديد، بل كل ما لاحظنا هو نقاشات استقطابية معتادة، ورغبة في الركون إلي التصورات والأفكار المتراكمة علي مدار عقود، دون التطلع إلي ما يجري حولنا في العالم، والذي يظن البعض أنه بعيد عنا، في حين أنه قريب للغاية".

ويلفت سراج الدين إلى أن مصر تعيش لحظة تاريخية خاصة تحمل إمكانية نادرة لصياغة دستور قادر على مواكبة متطلبات القرن الحادي والعشرين، "دستور يناسب عصر الانترنت، دستور يكون نتاجا لثورة الفيس بوك وجيل يعيش عصر العولمة ولديه دراية واسعة بمبدأ المساواة في حقوق الإنسان والشعور بالمسئولية تجاه التفاعل بين الإنسان والبيئة، وهى أبعاد تجعلنا نفكر بشكل مختلف عما كانت عليه الأوضاع في الماضي".

ويتساءل "كيف نضمن أن تطبق الحريات المنصوص عليها دستوريا في الواقع العملي؟ هل علينا فقط أن نقلق بخصوص ما إذا كنا نريد أن نتبنى نظاما برلمانيا مثل انجلترا أم نظاما رئاسيا مثل الولايات المتحدة أم رئاسيا معدلا مثل الجمهورية الخامسة الحالية لفرنسا أو نظام فيدرالي مثل ألمانيا والولايات المتحدة والهند أم نظام غير فيدرالي؟ نحن نضع دستوراً في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، كيف نفكر في الدستور؟ هل نستلهم دساتير سابقة جاءت في عصر غير العصر، وتصدت لمشكلات غير المشكلات الآنية، وانشغلت بتطلعات إلى مستقبل غير ذلك الذي نتطلع إليه؟".

يرى سراج الدين أنه من القضايا الأساسية التي يتضمنها أي دستور هي العلاقة بين الدين والدولة، وما يترتب عليها من صراع في كثير من الدساتير ليس بين الدولة والدين ولكن بين الدولة من ناحية ووجود مؤسسة دينية من ناحية أخري، ويشير إلى أن العملة الأميركية حتى الآن مكتوب عليها In God we trust و"لذلك فإن الفصل بين الدين والدولة لا يعني إنكار دور الدين في المجتمع أو العمل على تهميشه، ولكن يعني عدم إقحام الدين في أمور السياسة والحكم لأن المجتمع يتكون من أفراد ينتمون إلى ديانات متعددة، ولأن التداخل بين مؤسسات دينية ومؤسسات الدولة يؤدي إلى إضفاء طابع القداسة الدينية على أمور السياسة التي هي بطبيعتها متغيرة ومحل اختلاف واتفاق. وفي مصر شهدنا فصولا من المواجهة والنقاش الساخن حول العلاقة بين الدين والدولة، أو بين الإسلام والحكم، مما جعلها في بعض الأحيان القضية الأساسية والمحورية في النقاش على حساب قضايا أخري أراها بالغة الأهمية عند التفكير في الدستور الجديد، ومن ثم نرى حلا لهذه الإشكالية، وإغلاقا لهذا الباب الذي ظل مواربا علي مدار عقود من الجدل السياسي، أن نستند إلي النص التوافقي الذي خلصت إليه وثيقة الأزهر الشريف حول مستقبل مصر التي صدرت في منتصف يونيو/حزيران 2011، والذي خلص إلى أن المبادئ الكلية للشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع، بما يضمن لأتباع الديانات السماوية الأخرى الاحتكام إلى شرائعهم الدينية فى قضايا الأحوال الشخصية".

ويشدد سراج الدين على أهمية الصياغة في الدستور، ويقول "من الملاحظ أن هناك ثمة نصوصا كثيرة في دستور 1971 تتعلق بالحقوق والحريات لم ترق إلى أن تكون حاكمة لواقعنا السياسي والاجتماعي لأنها جعلت ممارسة هذه الحقوق تابعة للقانون، ومن ثم أصبح القانون هو الحاكم الفعلي وليس الدستور، وقد أدى ذلك إلى قوانين مجحفة، ظالمة، ومن ثم انتهكت الحريات خصوصا في الأمور التي تتعلق بمعاملة من يقبض عليه أو يحبس أو تقيد حريته. ولذلك فان نصوص مثل هذه يجب أن تتحول إلى واقع، وتمارس دون انتهاك لها. من أمثال هذه النصوص أيضًا تلك التي تتعلق بحرمة المسكن وحرمة الحياة الخاصة وحرية العقيدة وممارسة الشعائر الدينية وكذلك عدم سقوط جريمة الاعتداء على الحريات بالتقادم. ولكن وللأسف نجد أن عدداً من الممارسات الفعلية تنال من قدرة المواطن وحقه في التمتع بهذه الحريات".

ويرى أنه إذا كان دستور 1971 شمل حقوقا وحريات لم تطبق، فإنه لم يشمل حقوقا وحريات أخرى منصوص عليها في دساتير دول مختلفة. منها على سبيل المثال لا الحصر النص على حق المواطنين في بيئة نظيفة خالية من التلوث وهو موجود في عدد من الدساتير. ورغم التراث الثقافي المصري الغني والثري، والذي يضعها في مقدمة دول العالم امتلاكا للتراث الإنساني، لا يوجد نص في دستور 1971 يحمي الآثار، بينما ورد في دساتير بلاد أخرى مثل الهند، والتي نصت علي المواقع الأثرية والمتاحف وغيرها في دستورها منذ عام 1950. كذلك لا يوجد في دستور 1971 نص على حق المصريين المغتربين في الخارج في التصويت في الانتخابات والاستفتاءات العامة. وهناك دساتير تحمي حق المواطن الموجود خارج البلاد في المشاركة في التصويت، وأصبحت الآن هناك مجتمعات من المهاجرين المتجنسين بجنسيات أخرى من المفيد تحديد وحماية حقوقهم في المشاركة.

ويؤكد أيضًا أهمية النظر إلى مسألة تأمين الحريات وهي قضية أساسية وجوهرية، "ثمة حريات سلبية يجب النص عليها دون قيد أو شرط مثل مبدأ المساواة أمام القانون، وحرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية وحرية الإبداع الأدبي والثقافي، وثمة حزمة كبيرة من الحقوق تتبناها كثير من دساتير الدول والتي نجدها موجودة في دستور 1971، نصوص تكفل الحريات تجعل القوانين مرجعية ممارستها، مما يؤدي عمليا إلى تفريغ النص الدستوري من محتواه".

ويخلص في هذه النقطة إلى أن "الحقوق الايجابية التي تطورت في الآونة الأخيرة تحتاج إلى تنظيم قانوني تفصيلي يتبع إطار دستوري يحدد أهدافها ومراميها مثل حق الملكية وقوانين البيئة، والملكية الفكرية وحق اللجوء السياسي وتكوين الجمعيات والاطلاع على الوثائق العامة والمشاركة السياسية وحقوق العمال كتكوين النقابات والمساومة الجماعية والإضراب.. الخ، وهو ما يجب أن يشمله الدستور الجديد في مصر".

ويستعرض سراج الدين الخبرات الدستورية الأميركية والمصرية، ليدخل إلى طرح القضايا المحورية بالتفصيل يبدأها بست قضايا هي: المواطنة، المجتمع المدني، الإعلام، الفكر البيئي، الإدارة المشتركة للموارد، إشكاليات في التعامل الواقعي مع تطبيقات المفاهيم المطلقة المجردة مثل الحرية والمساواة والعدالة، ثم قضايا الاقتصاد بين آليات السوق ودور الدولة مثل النظام الاقتصادي ودور الدولة فيه، والعلاقة بين المال والسياسة، التي تعد من القضايا الملتهبة التي شكلت أحد ملامح أزمة النظام السابق، وهي للأسف لا تنال حقها من النقاش.

ثم يتطرق إلى قضايا ضوابط المال السياسي، مناقشا بعض النقاط التي تشكل مساحة من التداخل بين المال والسياسة، والتي تحتاج إلى ضوابط من الشفافية والتنظيم والمراقبة حتى لا تتحول العلاقة بين المال والسلطة إلى وسيلة لتحويل الأداة الحكومية إلى مؤسسات تخدم مصالح الأغنياء وحدهم دون غيرهم "كما يرى في الكثير مما يفعله الحزب الجمهوري في أميركا"، و"قد شغلت قضية التمويل الرأي العام طيلة الشهور الماضية، مثلما شغلته في مناسبات كثيرة في ظل النظام السابق، بعضها بحق، وبعضها الآخر بباطل كما يقال".

وحتى لا تستغل هذه القضايا في معارك الرأي العام يحلل سراج الدين ثلاثة أمثلة من موضوعات يجب حصرها قانونا في إطار مبادئ دستورية واضحة وهي قضية وضع الضوابط على تمويل النشاط السياسي "يتطلب ذلك وضع ضوابط شفافة على تمويل الحركات السياسية والأحزاب من حيث الإعلان عن مصادر تمويلها، ومراجعة حساباتها، ولاسيما في تمويل الحملات الانتخابية. يطرح ذلك قضية أساسية تحتاج إلى نقاش وحسم. هل تقدم الدولة دعمًا ماليًّا للأحزاب؟ وإذا لم تقدم دعمًا للأحزاب، خاصة أحزاب الشباب، هل تصبح أغلب الأحزاب مؤسسات سياسية يمتلكها الأغنياء للتعبير عن مصالحهم؟ وهل يُسمح للأحزاب والحركات السياسية أن تتلقى تمويلًا أجنبيًّا؟ وماذا عن تمويل يتم جمعه خارجيًّا من الجاليات المصرية بالخارج؟"

والقضية الثانية وضع ضوابط على مؤسسات المجتمع المدني وهي إشكالية مثارة بقوة في المجتمع المصري من ناحية أولى "منظمات المجتمع المدني تمثل مساحة مهمة للانفتاح على الفكر العالمي، لكنها في الوقت نفسه ينبغي أن تكون لها جذور محلية، وترتبط بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتخضع للشفافية في مصادر تمويلها، خصوصًا إذا كانت تتبنى أجندة سياسية، بمعنى أن تقوم بالتعبئة والحشد لموضوعات بعينها. وإننا نرى أنه من الأساسي أن يتم معالجة المجتمع المدني في الدستور، وألا يقتصر الدستور على الحديث عن السلطات الثلاثة وعلاقاتها، تاركًا المجتمع المدني لتنظمه وزارة من السلطة التنفيذية. وهنا نرى أنه من المفيد أن يكون هذا الإطار الدستوري لقيام المجتمع المدني ونشاطه، شاملاً تعريفات لنوعية المؤسسات التي لها أن تعتبر جزءًا منه، ومصادر تمويلها وكيفية الإشراف عليها".

والقضية الثالثة وضع ضوابط على تمويل وسائل الإعلام، المقروءة والمسموعة والمرئية والالكترونية، و"هنا يبدو اختلاف في وجهتي نظر على طرفي النقيض؛ الأولى ترى ترك وسائل الإعلام للملكية الخاصة، تعبر عما تشاء من آراء، ويرتبط بما تشاء من مصالح سياسية مباشرة وغير مباشرة، وبين رأي آخر يري ملكية الدولة لوسائل الإعلام، وما ينطوي على ذلك من إرشاد وتوجيه تمارسه الدولة في علاقتها بالرأي العام، وكلاهما غير مناسبين، فلا الإعلام مجرد "فاترينات عرض"، ولا هو مجرد أداة للتعبئة، وما ينطوي على ذلك من تزييف للوعي. فنحن نحتاج إلى نموذج مختلف، لا يجعل الإعلام أسيرا للملكية الخاصة وحدها، ولا يجعله في الوقت نفسه أداة في يد الحكومة القائمة. بالتالي، قد يكون من المفيد أن نفكر في تعدد النماذج والملكيات، مع وجود قنوات ومواقع خاصة للخدمة العامة. وهنا تجدر الإشارة مثلًا إلى "هيئة الإعلام البريطانية" BBC والتي تتلقى التمويل من الحكومة عبر ضرائب تفرض على المواطنين عند استخدام جهاز التليفزيون، ولكنها تتمتع بقدر كبير من الاستقلالية".