سد تركي على دجلة يغضب السكان

حسن كيف (تركيا) - من جاريث جونز
جنة ستغمرها المياه يوما ما

يرى سكان بلدة حسن كيف الهادئة التي كانت يوما بلدة قوية على ضفتي نهر دجلة انها تعد كنزا تاريخيا أما الذين يريدون بناء سد ضخم فيها فهي مجرد مفيض به مياه مخزونة بحاجة الى تطوير.
وقال عبد الوهاب كوسين وهو معارض قوي لمشروع بناء سد ايليسو الذي سيبتلع أكثر من 80 قرية مع انتهاء بنائه المقرر في عام 2013 "يجب أن نمنع بناء السد.. بلدتنا ستدمر".
واضاف "وادينا جزء من بلاد ما بين النهرين (دجلة والفرات) القديمة مهد تاريخ البشرية...حين تزور كهوفنا.. تشعر كيف عاش الناس هنا قبل ألف عام".
وفي الوادي الذي تلفحه الشمس ترتفع مئذنة لمسجد يعود الى القرن الرابع عشر فوق سلسلة من الاكواخ والقبور.
ويقول السكان ان منسوب المياه سيرتفع ليصل الى مكبرات الصوت بالمسجد اذا استمر بناء السد المقرر أن يكون ثاني أكبر السدود في تركيا.
لا يخترق صمت الظهيرة سوى ثغاء الماعز الذي يتردد بين سفوح التلال شديدة الانحدار وصوت الاذان. وأخذ أحد طيور اللقلق يرفرف بجناحيه ببطء تحت سماء زرقاء فيما انقض أحد الصقور على فريسته.
غير أن الهدوء الذي تعيشه الان حسن كيف يناقض تاريخا طويلا من الصراع بين امبراطوريات متنافسة ويتناقض ايضا مع صراع حديث بين وجهات نظر مختلفة تماما حول أولويات تركيا.
ويقول معارضو مشروع السد انه يجب الحفاظ على الميراث الاثري الفريد للوادي الذي يضم اثارا من العصور السومرية والرومانية والعثمانية كما ينبغي السماح لسكانه بمواصلة اسلوب حياتهم القديم غير الصاخب.
وفي محاولة أخيرة يائسة لوقف المشروع المقرر أن يبدأ في نهاية مايو ايار رفع المعارضون دعوى أمام المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان في ستراسبورج. كما يحثون أيضا الممولين الاجانب على تجاهل المشروع.

غير أن مؤيدي المشروع يؤكدون على الحاجة الى اعادة احياء المنطقة الفقيرة الواقعة في جنوب شرق تركيا وخلق فرص عمل وبناء بنية تحتية حديثة وتوفير الطاقة التي يحتاج اليها بشدة الاقتصاد التركي المزدهر.
وقال رئيس بلدية حسن ان الشكوك المثارة حول مشروع السد تسببت في ابعاد الاستثمارات التي تحتاج اليها المنطقة بشدة على مر السنين. وطرح المشروع للمناقشة للمرة الاولى في الثمانينات وبدأ العمل به ثم توقف الى أن أستأنف مؤخرا.
وقال كوسين "هذا متحف طبيعي مفتوح. يمكننا جني الكثير من الاموال.. لكن لا أحد يرغب في بناء فنادق أو مطاعم لانهم لا يعرفون ما سيحدث".
النظرة تبدو مختلفة تماما على بعد نحو 1000 كيلومتر وتحديدا في العاصمة أنقرة.
وقال يونس بايراكتار منسق مشروع سد ايليسو ومحطة الطاقة المائية في مجموعة شركات (كونسورتيوم) تقوده شركة نورول التي يرأسها وتعد واحدة من أكبر شركات الانشاء في تركيا "هذا المشروع سينقذ حسن كيف.. لا يدمرها".
ويرى بايراكتار منسق المشروع الذي سيتكلف 1.2 مليار يورو (1.45 مليار دولار) انه سيوجد 80 ألف فرصة عمل كما سيجذب عشرات الآلاف من السائحين الى منطقة تضررت بشدة جراء الصراع مع المتمردين الأكراد.
ويقول "سيضخ المشروع 300 مليون يورو في الاقتصاد التركي سنويا (من خلال الطاقة التي سيولدها)".
ويعد السد جزءا من استراتيجية أشمل قائمة منذ عقود لاستغلال نهري دجلة والفرات يطلق عليها اسم مشروع جنوب شرق الاناضول والتي تشمل بناء 22 سدا و19 محطة لتوليد الطاقة من مساقط المياه في شتى أنحاء المنطقة.
وقال بايراكتار ان 80 في المائة من المواقع التاريخية في حسن كيف ومن بينها 4200 كهف تقع فوق منسوب المياه المتوقع والبالغ 64 مترا ولن تتأثر بسبب السد.
أما الآثار التي يتوقع ان تغرق بسبب السد ومن بينها مساجد وأحد الحمامات التركية وبقايا جسر قديم يمتد فوق نهر دجلة فسيتم نقلها الى محمية بنيت لهذا الغرض والى متحف مفتوح قريب. كما سيتم فتح البحيرة الجديدة التي ستتكون مع بناء السد أمام الرياضات المائية. وستمد طرق لتيسير الوصول الى هناك.

وصرح بايراكتار بان المشروع يخصص 31 مليون دولار لحماية التراث التاريخي لبلدة حسن كيف وهو شرط رئيسي للحكومة التركية لدعم الفكرة.
كما سيتم بناء مدينة جديدة لايواء الذين سيفقدون منازلهم فيما سيتم تعويض السكان الذين سيفضلون الرحيل.
وقال بايراكتار "نحو 90 في المائة من سكان حسن كيف البالغ عددهم 3800 شخص عاطلون عن العمل حاليا". واضاف أنهم سيحصلون الآن على عمل في الانشاء وفي السياحة فيما بعد.
وتابع ان الأنشطة المتعلقة بالآثار ستتواصل في وادي حسن كيف الى حين اكتمال بناء السد في غضون سبع سنوات.
غير أن المعارضين للمشروع غير مقتنعين بمثل هذه الحجج.
وقالت زينب أهونباي وهي مهندسة تقيم في اسطنبول وناشطة معارضة لبناء السد "حتى اذا تمكنوا من نقل الآثار بشكل ناجح.. فانهم سيدمرون التناسق وعلاقته الخاصة بالمنظر الطبيعي".
واضافت "حسن كيف موقع خلاب...لم يتم حتى الآن معرفته بشكل كامل أو الكشف عنه. السد سيعني خسارة فادحة".
وأهونباي عضوة بجماعة من أنصار المحافظة على الطبيعة رفعت في مارس اذار دعوى أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
ويخشى انصار البيئة من تضرر التنوع الحيوي للمنطقة خاصة الحياة البرية الثرية التي تتمتع بها.
وقال خوسيه بيدرو تافاريس ممثل الجمعية الملكية لحماية الطيور في بريطانيا المعني بشؤون تركيا ان المنطقة "تعد احد الأمثلة لأنظمة البيئة النهرية التي تمت المحافظة عليها بشكل جيد في تركيا".
واضاف "للأسف.. دراسة تقييم الآثار البيئية التي أجراها المروجون للمشروع لا ترقى الى المعايير الدولية وتفتقر الى معلومات وتوصيات هامة".
وفي حسن كيف التي أغلب سكانها من الأكراد والعرب تحدث البعض عن مؤامرة سياسية.

وقال رجل قال ان اسمه احمد بينما كان يبيع الحلي والأبسطة "الدولة تريد تهجيرنا نحن الأكراد من المنطقة.. تريد اغراق ارضنا. انهم لا يحبون الأكراد".
واضاف أحمد "اذا كانت حسن كيف تقع في غرب تركيا.. ما كان ليسمح لهذا المشروع بالمضي قدما على الإطلاق".