سحر الفراعنة يلقي بظلاله على حياتنا المعاصرة

القاهرة - من سعد القرش
اساطير الموتى

انطلاقا من فراغ شعر به وهو يتلمس الطرق الى آلهة مصر القديمة رأى باحث بجامعة فرجينيا كومونويلث الاميركية أن يتولى بنفسه تسجيل "القصص المبعثرة" ليصل الى أن أول نص محفور منها يعود لاكثر من 4350 عاما.
وقال روبرت آرموار في كتابه "آلهة مصر القديمة وأساطيرها" إن الأساطير والرموز والآلهة المصرية القديمة في عالم اليوم لها حضور بارز في أعمال فنية وأدبية.
وأضاف أن مصر الفرعونية التي قال انها خلت من أمثال مؤلف ملحمة الالياذة الشاعر الاغريقي هوميروس امتلكت في الوقت نفسه كثيرا من الكتابات الدينية المتفرقة ومن أقدمها "نصوص الاهرام".
وأشار الى أن النصوص المقدسة والاساطير المصرية "تمتد على غير العادة طويلا" حيث يعود أول تسجيل محفور لها على جدران الأهرام الى عام 2345 قبل الميلاد بمنطقة سقارة جنوبي القاهرة.
وتعد تلك النصوص المقدسة أقدم ارشادات في التاريخ عن العالم الآخر وكانت موجهة للملوك الراحلين. وبمرور الوقت لم يعد ممكنا بناء هرم لكل ملك فقام الكهنة بكتابة نسخة من هذه النصوص على لفائف البردي التي يمكن وضعها في التوابيت والمقابر وشكلت هذه اللفائف كتاب "الخروج الى النهار" الذي اشتهر باسم آخر هو "كتاب الموتى".
ويقع كتاب آرموار في 152 صفحة كبيرة القطع وترجمته مروة الفقي وراجعه عالم الآثار المصري محمد بكر وصدر عن المجلس الاعلى للثقافة بالقاهرة.
وعمل المؤلف بين عامي 1981 و1982 أستاذا بجامعتي الأزهر وعين شمس في القاهرة.
وقال إن كتابه "يتعلق بالشخصية المقدسة لمصر القديمة" من خلال قصص تلقي أضواء على "أفكار ما قبل ظهور الفلسفة فهي لا تعطينا فقط صورة لمجتمع قديم بل إنها تعطي تسلية براقة وهي مليئة بالثراء والحيوية وحب المعرفة لحضارة أنتجت بعضا من الآثار المعمرة الباقية".
واستعار ارموار تعريف الناقد الكندي نورثروب فري للاسطورة باعتبارها "القصص التي تدل المجتمع على ما يجب أن يعمله سواء عن آلهته أو تاريخه أو قوانينه أو بنائه الطبقي".
وأضاف أن الأساطير المصرية لاتزال سارية في الحياة المعاصرة مستشهدا باستخدام الكاتب الاميركي نورمان ميلر الاساطير المصرية كأساس لروايته "أمسيات قديمة" كما كانت أغنية الموسيقي الاميركي بوب ديلان عام 1970 "تحمل اسم الالهة ايزيس" التي تعد رمزا للام الخالدة كما أن السائح يشتري من المواقع الاثرية المصرية مستنسخات للمعبودات المصرية وفي مقدمتها تحوت الذي ينسب اليه تقسيم السنة الى 12 شهرا نحو عام 4200 قبل الميلاد ومن ألقابه اله القمر ورب فن الكتابة واتخذته جامعة القاهرة شعارا لها.
كما أشار الى أن شركات مصرية منها شركة الطيران الوطنية تتخذ من رمز الاله حورس شعارا لها وأن الآثار المصرية القديمة "تزين المدن الرئيسية في قلب أوروبا. ويحمل الدولار عملة الولايات المتحدة صورة لهرم وعين وهو من الاستعارات الماسونية من مصر القديمة".
ويكمل كتاب ارموار كتابا عنوانه "مصر أصل الشجرة" للباحث الكندي سيمسون نايوفتس الذي قال فيه ان منف هي "أول عاصمة وأول مدينة مقدسة في تاريخ البشرية وكانت أول مدينة تتركز فيها حكومة الدولة بكاملها كما كانت أول مدينة تلخص ديانة الشعب بكامله".
وأضاف أن منف كانت أكثر مدن مصر "كوزموبوليتانية حيث كان بها الالاف من الاجانب وأثناء عصر الدولة الحديثة (نحو 1567 - 1085 قبل الميلاد) كان التجار والصناع السوريون والكنعانيون يشيدون المباني في منف لالهتهم بعل وعنات وعشتارت".
وقال نايوفتس في كتابه الذي صدر بجزأيه عامي 2003 و2004 في الولايات المتحدة وصدرت ترجمته العربية هذا العام بالقاهرة ان التصور المعقد عن السحر والاساطير وفر للمصريين "أدوات فعالة لبناء الدين والدولة الاحدث والاكثر حيوية في ذلك الوقت".
وقال ارموار ان مدينة أون أو مدينة الشمس التي أطلق عليها اليونانيون هليوبوليس لها علاقة وثيقة باله الشمس رع وأنها أسست لتكون عاصمة دينية لمصر القديمة وأنشأ الكهنة فيها معبدا وجامعة هي الاقدم في التاريخ حيث زارها "الفلاسفة اليونان الكبار مثل صولون وطاليس وأفلاطون... أفلاطون حقيقة درس هناك".
وأضاف أن شخصية رع تظهر في "كتاب الموتى" في ترنيمة تقول بعض سطورها “أنت رب السماوات. أنت رب الارض. أنت خالق من سكنوا القمة ومن سكنوا الاعماق. أنت الاله الاوحد الذي نشأ في بداية الزمن. أنت الذي خلقت الارض وشكلت الانسان. وأنت الذي أوجدت مياه السماء وخلقت قنوات الماء. أنت الذي خلق حابي وقت الفيضان".
وكان حابي أو حعبي هو اله الخصوبة وكان يدفع بمياه النيل وفيضانه وتصوره المصريون على هيئة تجمع بين الانثى والذكر فهو رجل له شعر طويل وثديان وبطن مترهل.
ويقول ارموار "مثل كل الاساطير كانت أساطير مصر ومازالت لها سمات عالمية تخاطب وترضي الحاجات الانسانية مثل الحاجة الى نموذج ومثال. الحاجة الى السلوك البطولي والبناء العائلي. والاساطير هي طرائق شرح حاجة الانسان الى الحب والعدل والشرف والتعلم".