'ست الدنيا' بلا خبز ولا ماء، هل يثور المصريون؟

القاهرة
الخبز عملة نادرة في مصر

لا كهرباء ولا ماء ولا خبز وارتفاع جنوني في أسعار المواد الغذائية الأساسية والطاقة، والمسئولون يتخبطون في كلام وأفعال استخفافية واستظرافية فجة، على اعتبار أن الشعب المخاطب شعب "عبيط" يتفننون في الضحك عليه تارة بعشرات المسلسلات والسيت كوم والبرامج الفضائحية، وتارة بمباريات كرة القدم، وتارة بالشائعات والمؤامرات وتارة بأخبار القتلة واللصوص من رجال الأعمال وأعضاء مجلس الشعب وغير ذلك.

لكن حتى الـ "عبيط" إذا جاع وعطش ثار، فهل أصبحت ثورة الشعب المصري حتمية؟ وأن الأمر لا يتجاوز عود ثقاب يلقى في أي بقعة من بقاع مصر، في طابور خبز أو طابور أنابيب الغاز أو طابور صهريج ماء أو طابور التموين، حتى تشتعل النيران المحبوسة في الصدور ما يقرب من 30 عاما من حكم استهلك كل مقومات الشعب المصري من بنى تحية واقتصادية وثقافية وسياسية وهلم جرا.

الكثيرون يائسون من خروج الشعب المصري ومنهم د.سلوى رجب مدرس مساعد علم الاجتماع التي تؤكد أن البطش الأمني الذي حكم به الشعب المصري على مدار 58 عاما أي منذ قيام ثورة يوليو 1952 وتطور وتصاعد باستمرار حتى وصل إلى إحكام القبضة القائم حاليا، أصابه بحالة من الخوف المرضي، وهو خلال كل هذه السنوات يكيف نفسه، ويبدل ويغير من تركيبته الإنسانية والسلوكية والأخلاقية بما يتوافق مع تحقيق نوع من الحماية والكفاية لنفسه، لذلك شهد المجتمع المصري تفشي عدد من الظواهر والآفات مثل الرشوة والمحسوبية والفساد الإداري ونهب المال العام وانهيار البنى التحية وانتشار العشوائية والفوضى والعنف والتطرف بكل أنواعه.

وتضيف "كل ذلك صبغ وأعاد صياغة شخصية المصري، وفقا لمقولة 'أنا ومن بعدي الطوفان'، طوال الوقت يبحث عن خدع وحيل واحتيالات جديدة للحصول على ما يكفل له قوت يومه أو زيادة وتأمين ما عنده، خانع ومستسلم، لامبال، جبان، سلبي، انظر ما يردده الشعب حين تحاول أن تدعوه للتشدد في الحصول على حقه والمطالبة به 'خالينا ماشيين جنب الحيط'، 'مفيش فايده'، 'طولها زي عرضها مش فارقة كتير'، 'يا عم ربي عيالك'، 'البلد بلدهم'، 'ضربوا الأعور على عينه قال خسرانه خسرانه".

وتجزم د.سلوى أن الشعب المصري لن يتحرك للمطالبة بحقوقه المهدرة ومقدراته المنهوبة عيانا بيانا، وسيظل منتظرا لمخلص وبطل ينقذه من "نفسه وحكامه"، "ها هو يعود مقهورا ليقف في طابور الخبز ويتقاتل على الدور، ها هو يعيش خانعا في ظلام دامس بالساعات الطويلة وأحيانا بالأيام، وها هو يعيش خانعا بلا ماء لأربعة أيام ـ حالة التجمع الخامس والقاهرة الجديدة والمقطم وغيرهم من أحياء القاهرةـ وها هو يقبل خانعا زيادات في أسعار المواد الأساسية ضخمة تضاعف سعر كيلو السكر والأرز والدقيق والمكرونة والزيت واللحم والدواجن وهلم جرا".

ويقول الكاتب الصحفي واصف ناجي "من الظلم تحميل الشعب جريرة فساد نخبه، لقد ابتلي الشعب المصري بفساد عميق يضرب الآن نخبه السياسية والثقافية والفكرية والإعلامية، فساد النخب أحدث نوعا من الاضطراب الفكر والوعي المصريين، أثر على الشعب ولكن ليس للدرجة التي نحكم فيها عليه بالموت، فوسط هذا الطوفان من الخلل، الناس تدرك ما يفعل بها ولكن لا تملك الأدوات التي تمكنهم من تصحيح مسار مجتمعهم".

ويضف "من أين أتى هؤلاء الشباب والشيوخ الذين يشكلون بذور تيار مقاوم مثل شباب 6 أبريل وشباب الجبهة الوطنية للتغيير وشباب كفاية وغيرها من الحركات المضادة والمقاومة لاستمرار تغيب المجتمع عن واقعه وإبعاده عن المشاركة في حكمه، إنهم جزء من المجتمع، لذا من الخطورة ترديد مثل هذا اليأس وإشاعته بين الناس، المجتمع المصري حي وقادر على الانقلاب والتكشير عن أنيابه، لكن ترمومتر قياس ثورته أو رد فعله ليس بالأمر السهل، تاريخه يقول ذلك ويؤكده، كم من محن ومصائب وفراعين ومستعمرين وغزاة مروا به وتجاوزهم، وثلاثون عاما ليست بالفترة الطويلة التي يمكن الحكم بها على شعب قاوم طغاة وجبابرة انتهوا وبقي هو".

ويرى أن "الشعب ليس غائبا عن غاز وكهرباء إسرائيل، في الوقت الذي يعيش فيه وأطفاله في الظلام، ليس غائبا عمن يقفون ضد الاكتفاء الذاتي من القمح وعمن "يجوعونه" ويفسدونه ويتاجرون بمقدراته من رجال أعمال فاسدين ومحتكرين يشغلون مناصب في السلطة".

ويؤكد ناجي أن ما يحدث الآن من تدخل النظام في توجيه نتائج الانتخابات العامة والمختلفة سواء على مستوى مجلسي الشعب والشورى أو مجالس إدارات النقابة العامة، أشبه بما قام به الرئيس السادات من اعتقالات سبتمبر الشهيرة التي سبقت نهاية حكمه، وكذلك الأمر فيما يتعلق بدور الإعلام، وتسفيهه وتسطيحه لما يحدث من حرك ووصفه أحيانا بـ "لعب العيال"، أو التهمة الشهيرة المعروفة "التقوّي بالأجنبي" ليصبح كل من يتحدث بلسان الشعب طالبا التغيير إما خائن أو مجنون، لكن كل ذلك لن يقف حائلا ضد تصاعد ونمو التيار المقاوم.