'ستون لا ستة'.. النفط وغزو العراق

بقلم: معن بشور

عشية الحرب على العراق؛ كتب المحلل السياسي الأمريكي المعروف السيد توماس فريدمان مقالا تحت عنوان "ستة أم ستون". وفي ذاك المقال الذي نشرته أكثر من صحيفة أمريكية واسعة الانتشار؛ حاول فريدمان أن ينقل وجهتي نظر في إطار النقاش الدائر آنذاك حول الحرب على العراق.
إحدى هاتين الوجهتين، وهي معارضة للحرب؛ كانت تحذِّر من تداعيات أي عمل عسكري ضد العراق على سعر النفط، متوقعة أنه سيرتفع إلى ما يناهز الستين دولاراً للبرميل الواحد، بكل ما يعنيه ذلك من آثار سلبية على الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد العالمي.
وجهة النظر الثانية، وهي متحمسة للحرب؛ كانت تؤكد أنّ الحرب على العراق ستكون سريعة وخاطفة، وستؤدي إلى السيطرة على منابع النفط الغنية في العراق، وعلى زيادة وفيرة في إنتاج النفط، مما سيؤدي إلى انخفاض سعر البرميل الواحد إلى ستة دولارات خلال فترة وجيزة.
ولم يكتف أصحاب وجهة النظر هذه "بتوقعاتهم" المثيرة تلك؛ بل رأوا أنّ من شأن الانخفاض الكبير في سعر النفط أن يحرم أنظمة كالنظام السعودي والنظام الإيراني من فوائض مالية كانوا يستخدمونها "لرشوة" شعوبهم وإحكام السيطرة عليهم، ولدعم قوى إرهابية خارج بلادهم، وسيؤدي هذا الحرمان حتماً إلى سقوط هذه الأنظمة دون أي جهد خارجي.
واليوم بعد أكثر من عامين وثلاثة أشهر على غزو العراق، حيث الحرب ما زالت مستمرة، وحيث يتوقع لها وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد أن تستمر 12 سنة على الأقل، وبعد سنة على "تسليم" السيادة للعراقيين؛ تجاوز سعر برميل النفط الواحد عتبة الستين دولاراً، ليقدم دليلاً جديداً على تهافت نظريات أنصار الحرب في العراق.
وأياً تكن الأعذار التي يقدمها الرافضون للاعتراف بالمأزق الأمريكي في العراق لهذا الارتفاع الكبير في سعر النفط، عبر حديثهم عن أزمة المصافي الأمريكية، أو عبر اتهام منظمة "الأوبك" بالاحتكار والسعي إلى مقاضاتها بهذه التهمة؛ فإنّ هذا الرقم الجديد يُضاف إلى سلسلة أرقام تشير إلى حجم الخسائر في حرب انكشفت كل مزاعمها، وظهرت على حقيقتها "كحرب غير شرعية وغير قانونية" كما وصفها، في لحظة صدق مع النفس والعالم، الأمين العام للأمم المتحدة.
ففي أرقام هذه الحرب أنّ عدد القتلى من الجنود الأمريكيين قد بلغ حوالي 1800 جندي نظامي، غير أضعافهم من حاملي "الغرين كارد" أو المتعاقدين أو الملتحقين بشركات أمنية، كما بلغ عدد الجرحى، حسب المصادر الأمريكية، أكثر من 13 ألف جندي، وهو أمر يقل كثيراً عما تعلنه إدارة المستشفى العسكري الأمريكي في ألمانيا، حيث اعترفت قبل أشهر بأنها استقبلت وحدها أكثر من 23 ألف عسكري أمريكي.
ومن الأرقام اللافتة أيضاً أنّ حجم الإنفاق العسكري الأمريكي على هذه الحرب قد تجاوز أكثر من مائتي مليار دولار، يُضاف إلى العجز المتزايد في الميزانية الأمريكية بعد أن بات هذا العجز يشكل ضغطاً متصاعداً على برامج الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي وغيرها من البرامج الاجتماعية داخل الولايات المتحدة.
وإذا أضفنا إلى هذه الأرقام الاقتصادية والمالية والبشرية، أرقاماً سياسية تتصل بتراجع شعبية الرئيس الأمريكي جورج بوش إلى أدنى مستوى لها، وأنّ ستين بالمائة من الأمريكيين غير موافقين على سياسته في العراق، وأنّ 128 نائباً أمريكياً، بينهم جمهوريون، كانوا متحمسين لهذه الحرب، قد انضموا إلى الوطنيين العراقيين، المطالبين بجدولة انسحاب القوات الأمريكية كشرط لأي بحث في الانخراط بما يسمى "العملية السياسية"؛ لاستطعنا أن ندرك حجم المأزق المتكامل، أمنياً وسياسياً واقتصادياً وأخلاقياً، الذي تعيشه إدارة الرئيس جورج بوش، وقد بدأت تحسّ بانفضاض العديد من أعضاء الكونغرس من حولها، خصوصاً عشية الانتخابات النصفية، بعد أن باتت العلاقة مع بوش عبئاً عليهم بعد أن كانت قوة لهم.
وما يزيد من هذا المأزق هو التناقضات الفاضحة بين تصريحات كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين في العراق حول قوة المقاومين أنفسهم، كما برز في التناقض بين كلام بوش ورامسفيلد من جهة، وجنرالات البنتاغون، وأبرزهم جوني أبي زيد من جهة أخرى، بل بين تصريحات رامسفيلد نفسه الذي قال قبل أيام إنّ المقاومة العراقية "تلفظ أنفاسها الأخيرة"، ليعود في اليوم التالي متحدثاً عن استمرار هذه المقاومة لأكثر من 12 عاماً، من أجل تبرير اتصالات يقوم بها مسؤولون أمريكيون مع مسلحين عراقيين كانوا لوقت قريب متهمين بأقسى أنواع الاتهامات.
إنّ التذكير بهذا المشهد "البانورامي" للمأزق الأمريكي في العراق، المتلازم مع المأزق الصهيوني في فلسطين؛ يبدو في هذه اللحظة ضرورياً، لا لكي نصل إلى استنتاجات متعجلة حول هزيمة مبكرة لواشنطن، بل لكي نلفت نظر المراهنين الكثر على أنّ المنطقة قد سقطت بيد المتنفذين في البيت الأبيض وأنّ ما عليهم إلاّ التكيف مع هذه المستجدات والوقائع عبر سياسات التنصل من الحد الأدنى من ثوابت الأمة.
بل إنّ التذكير بهذا المشهد يبدو ضرورياً لكي ندعو المروِّجين للتنازلات الكبرى بذريعة المتغيرات الإقليمية والدولية إلى التبصّر قليلا في مواقفهم وتحليلاتهم، والى أن يدركوا أنّ هناك متغيِّراً كبيراً في منطقتنا هو المقاومة العراقية، وهي مقاومة وُجدت لتبقى، وستبقى حتى تحرير العراق وصون وحدته وعروبته، وهو متغير ينبغي ألا يغيب عن حساباتهم. معن بشور