سانتيانا والجمال.. أحاسيس وعلم

بقلم: السيد نجم
سانتيانا، واعادة تأسيس فكرة الجمال

شغل الإنسان بفكرة "الجمال"، ويعد أفلاطون أول من سعى لتعريف الجمال والبحث العقلي فيه. وفى العصر الحديث يعد "جورج سانتيانا" الأسباني إمام الفلسفة الطبيعية، ومدار هذا المذهب أن الطبيعة تفسر نفسها بنفسها. فإذا كان الإنسان جسما وروحا.. فالطبيعة كذلك. وهو بذلك نفى الثنائية الشائعة منذ الفلسفة اليونانية.
وما كشفت عنه الطبيعة ليس إلا الموجود فيها بالممكن وليس الواقع الحقيقي أو بالفعل. وقال الفيلسوف أن الموجود بالفعل في الطبيعة ليس إلا إنجازا اختيارا من العالم الممكن.
ففي الفنون تأتي الصورة الخيالية من العالم الفعلي أو العالم الممكن.. وهو ما أطلق عليه "عالم الروح". والقيم الثلاث: الحق، الخير، الجمال.. إنما تخص ثلاثة عوالم، ويجب ألا نفصلها عن بعضها. فقيمة "الحق" تختص بالعالم الفعلي أو الواقع المعاش. أما القيم "الخير" و"الجمال" يخصان ما أطلق عليه عالم الروح. وبهما يرسم الإنسان بخياله "المثل الأعلى" لعله يستريح.
انشغل "سنتيانا" بالبحث عن معنى "الجمال" طويلا، وهو ما جعله يتناول الموضوع في أكثر من ندوة، وفى عام 1896م جمعها في كتاب "الإحساس بالجمال". وقد ترجمه "د.محمد مصطفى بدوي". وضع الفيلسوف أسئلة أولية كمدخل للوصول الى التعريف الذي يسعى اليه: لماذا ومتى وكيف يبدو الجميل جميلا؟ ماذا في الطبيعة ما يجعلنا على استعداد للإحساس بالجمال؟ ما هي العلاقة بين الجميل وإحساسنا بجماله؟
يرى "سنتيانا" أن ادراك الأشياء على حالتين، الحالة الأولى أن يعرف الإنسان الأشياء من حيث هي استجابة نافعة تحافظ على الحياة من الخطر، وبين إدراكها حسيا يلتقط ما فيها من قيم. والقيم نوعان: اما جمالية وأساسها النشوة، وأخلاقي وأساسها التفضيل...وكلاهما يستندان الى العقل.
إن الأحكام العقلية تختلف عن الأحكام الخلقية والجمالية معا..فالأولى مدارها "الواقع"، والثانية مدارها "القيم" الذي يضيفها الإنسان الى الواقع.
كما تختلف الأحكام الخلقية عن الأحكام الجمالية، فالحكم الخلقي لابد فيه من إدراك للشر حتى نحكم عليه، بينما الجمالي يعتمد على خبرة مباشرة بالحسن الذي لا يستهدف سوى المتعة المباشرة.
لكن، ترى كيف يحدث الإحساس بالجمال؟
يحدث ذلك بأن يتمثل الرائي في ذهنه صورة مثلى للشيء الذي يصوره الأثر الفنى المشاهد. وكلما كان هذا الشيء قريبا من المثل، كان الإحساس بالجمال قريبا الى النفس.
أما التساؤل عن مكان المثل الأعلى، فقد اختلف حوله الفلاسفة. هناك نظرية المثل الذي قال بها أفلاطون،تتلخص بوجود العالم الأعلى والأسمى الذي يتضمن كل ما هو هكذا أعلى وأسمى.
أما "سنتيانا" فيرى بوجود مثال عقلي للشيء، إذ لولاه لما استطاع الإنسان أن يحكم على الشيء بالجمال. وهذا المثل العقلي جاء أصلا من التجربة الدنيوية الطبيعية الذي يعيشها الإنسان، من خلال الممارسات الحياتية اليومية.من هنا تتولد النظرة الذاتية النسبية في تقدير الجمال، فلا اتفاق مطلق ونهائي في موضوع الجمال.
أما الإحساس بالجمال عند "سنتيانا": في الواقع الحى كائنات فعلية، لو وصفت كما هي، كان الوصف تقريرا عن "الحق"..وهو من شأن العلماء. أما الممكن بالعقل، فهذا الممكن صورة باللون أو الصوت أو اللغة أو الحجر (الفن) بحيث تأتى كما نود أن تكون كانت هي مظاهر الجمال الذي تستريح لها النفس البشرية لأنها مصاحبة للنشوة.أي أن إدراكنا للواقع هو أدراك للحق، وإدراكنا لجمال الفن هو إدراك للقيمة الذي أضفناها نحن الى الأشياء.
وان حرص الكاتب أن يكون عنوان كتابه حول الحساس بالجمال، فقد أضاف عنوانا جانبيا آخر، هو " تخطيط النظرية في علم الجمال"، وقد صدق، فقد تنوعت الرؤى وتعدد النظريات في مجال البحث في الجمال، حتى أصبح للجمال علما مستقلا وبحوثه الخاصة في كل الجامعات و المحافل العلمية في العالم الآن، وان يرى البعض إدماج الرؤية الفلسفية الجمالية في الواقع المعاش، حتى المستقبليات وعلوم المستقبل. السيد نجم Ab_negm@yahoo.com