سامح كعوش يؤكد أن الشعر الحقيقي يخالف السياسة ويتخطاها

هذا الليل سيطوي جراحاتي

وقف على حافة المكان ليرسم الوطن، استهوته المدن الكبيرة والمزدحمة بالوجوه والتفاصيل، فكتب عن تشظي الإنسان فيها. ومزج الكلمة بالعشق فكانت القصيدة أنثى. هو الشاعر الفلسطيني سامح كعوش الحاصل على شهادة دبلوم الدراسات العليا في اللغة العربية وآدابها، الإعلامي الذي تمتد تجربته الإعلامية لأكثر من 18 سنة في الصحف العربية، والناقد الشاهد على تجربة عدد كبير من الأدباء العرب المعاصرين.

صدرت له حتى اللحظة خمس مجموعات شعرية هي: "هذا الليل سيطوي جراحاتي" 1991، "غريب دم" 1993، "سريران وكفى" 2005، "أكحّلكِ بنجمة" 2008 و"صباحات النسكافيه" 2011. وكان حاضراً كعضو تحكيم في كثير من المسابقات والمنتديات والنشاطات التي تعنى بالأدب، على المستوى المحلي والعربي.

• ثلاث مراحل..

قسّم البعض، المسيرة الشعرية لكعوش إلى ثلاث مراحل تجسدت في ظهور الهاجس الوطني والقومي، الصراع بين المدينة والقرية، وأخيراً مرحلة مزج فيها العشق بالكلمات. وهذا يدفعنا إلى التساؤل عن كل فترة وعلاقتها ببداياته أولاً، وبما هو عليه اليوم ثانياً.

لكن وقبل الخوض في تجربته الخاصة مجيباً على تساؤلاتنا، يرغب شاعرنا بالتوقف عند بداياته الأولى عائداً بذاكرته إلى حصار بيروت في العام 1982، عندما كان في الثالثة عشرة من عمره، حيث كتب وقتها في الملاجئ تحت ضوء الشموع القصائد الأولى لبيروت والعروبة وفلسطين، معنوناً قصيدته الأولى بـ "بيروت الحصار".

ثم يعود ويقول: "لا بدّ من الإشارة قبل أي شيء، إلى أنّ عملية الإبداع، وكتابة الشعر تحديداً، عملية متواصلة لا تنقطع، ولا تنقسم إلى مراحل بحدود واضحة بين مرحلة وأخرى، وهي عملية طبخ مستمر للغة الشاعر ومعانيه، بدقة تسعى للكمال والاكتمال ولا تصل، فالشاعر يظل محاولاً الكتابة بحسب وعيه الفني وتطوّر أسلوبه ولغته ومعجمه ومفرداته تبعاً لذلك، ومن هنا أستطيع القول بأن مراحل الشعر تراكمية وتفاعلية وبالتالي فهي تنقسم تبعاً للمؤثرات الخارجية ولا تنقسم تبعاً لخصائصها الداخلية.

نعم، كتبتُ الشعر بحسب مؤثر خارجي بارز بدايةً هو المؤثر الوطني والقومي، وأنجزت مجموعتين شعريتين الأولى بعنوان "هذا الليل سيطوي جراحاتي" 1991، والثانية بعنوان "غريب دم" 1993، ثم في مرحلة لاحقة، تملّكني هاجس الانتقال إلى المدينة وضرورته للحضور الثقافي والإبداعي كما في الحالة اللبنانية، وبخاصة أنني عشتُ في صيدا، المدينة القرية كما يسميها أهلها، بينما استطاع أصدقائي المقرّبين أن ينتقلوا للعيش في بيروت، عاصمة الثقافة والإبداع الحي ومساحة التفاعل الثقافي اليومي بكل ما تعنيه الكلمة، ومن هنا فقد ألحّ عليّ سؤال وجدلية المدينة القرية في تلك الفترة حتى العام 1997، حين صدرت لي المجموعة الشعرية "سنجاب في المدينة"، وبعد ذلك انتقلت إلى إفريقيا للعمل في التدريس، وعشت مرحلة من الالتصاق بالأنا الشاعرة والتقوقع عليها، ما أبعدني أسلوبياً عن الكتابة بنمط العامود، وشعر التفعيلة، وقرّبني حد التبني لقصيدة النثر وما تشي به من عوالم الهلوسة والهذيان والتداعي الحر وكثير من الشغف والشغب معاً، وكان نتاج تلك المرحلة المستمرة إلى يومنا هذا، ثلاث مجموعات شعرية هي "سريران وكفى" 2005، "أكحّلكِ بنجمة" 2008 ثمّ "صباحات النسكافيه" 2011"..

كثيراً ما يهتم بتشكيل المرأة بالحروف والكلمات في قصائده، وتأتي أنثاه غالباً مثالية، رقيقة وجميلة، يرصد روحاً رائعة فيها بطريقة تطرح سؤالاً كبيراً هو: لماذا؟

وأما الإجابة: "ربما لأنكِ تتفهمين حساسيات الشعراء الذين لا يسعون لأن يعبّروا عن المرأة ككائن حسي صرف، وربما هي حقيقة أن الشعراء العذريين بحسب التحليل النفسي كانوا أكثر شهوانيةً في خيالاتهم وتصوراتهم عن اللقاء الشغفي، من أقرانهم الإباحيين العُمريين الذين اكتفوا بالمشهدية والوصفية الحسية المحدودة، ولهذا فأنا شاعرٌ في حقيقة الأمر ينحني للمرأة، ويرى فيها رمزيةً قيميةً عاليةً لا تُمسّ، أوليست هي الأسطورة الأولى، والحبيبة الأولى، والأم الأولى والصديقة الأولى، وكل شيء؟ أوليست هي الشريك كامل التحقق في حضور الآخر ووجوده كرجل؟، هذا التحقق المتساوي تماماً في الكينونة بلا أي انتقاص، هذا التحقّق الذي ينتج شعراً شفيفاً جميلاً، وحياةً ورديةً تحفل بمشاعر ما كان الذكر ليدركها ويعيشها لولا أنثاه".

دائماً ما تثير العلاقة بين السياسية والمبدع الجدل والنقاش، فما هي العلاقة الصحيحة؟ كيف شكلها؟ هل يجب على الشاعر أن يتبنى موقفاً إنسانياً فقط ويترك الموقف السياسي جانباً حتى لا يتمرغ بوحل السياسة؟ إلا أن الإجابات تأخذ شكل الأسئلة، متداخلة وتعبر عن وجهات نظر.

وأما الشاعر سامح كعوش فيقول: "لا علاقة صحيحة بين السياسة والشعر إلا في ما حفظناه من حماسة أبي تمام ومدح المتنبي وعروبيات القباني، وبرأيي كل ذلك لا يتعدى كونه خطاباً سياسياً إعلامياً متقن الحبكة والسرد الشعري، لكنه ليس شعراً، فالشعر الحقيقي هو الشعر الذي يخالف السياسة ويتخطاها، ولا يتبناها، هو شعر طرفة بن العبد في لذاته الثلاث، هو شعر امرئ القيس في خدر فاطمة وعند الغدير، وهو شعر عمر في غزواته الليلية على مضارب القبيلة حيث حبيبته، وهو ما تركه لنا محمود درويش في العشر الأخيرة من عمره أو أقل".

• مدينة وعائلة..

من بين كثير من قصائده المتميزة، تستدعينا قصيدته "سنجاب في المدينة" لنقرأها ببطء ونتأملها، هل كعوش يرسم ذاته فيها؟ هل يحاكي بكلماته ما خاضه من صراع؟

ويجيب: "القصيدة كتبتُها لأجل أصدقاء عاشوا الصراع المر بين انتمائهم الأول إلى القرية، وانتمائهم المستجد للمدينة، فكانوا سناجب المدن، يعيشون على هامشها فلا تسمح لهم بالاقتراب الحميمي من أشيائها، يعيشون متعبين قلقين مستفَزين (بفتح الفاء)، ما يدفعهم دفعاً لانتهاز أي فرصةٍ سانحة، ربما يرتقون بها سلّم النجومية التي لا تتحقق إلا بعد أن تسلب صاحبها كلّ طيبته وقيمه وأخلاقيات القرية التي لديه. ويهمني أن أشير إلى أن هذه المرحلة انتهت مع تحوّل القرى كلّها إلى مدن ممسوخة، في عالمنا العربي كلّه، فلا المدن مدن، ولا هي قرى، بل هي قرى تقلّد المدن ولا تتنفس، أو ترتدي الأخضر".

من يعرف سامح كعوش كإنسان وشاعر وناقد وكأي صفة أخرى، يدرك أنه يمنح عائلته مكانة هامة وأساسية، تطالبه بحب مستمر لا يتوقف أبداً عن منحها إياه راغباً ومتطوعاً. ويرى بعلاقته مع أبنائه علاقة قوية تدفعه إلى الكتابة عنهم شعراً وأدباً.

ويقول: "طبعاً انكتب بعلاقتي بأبنائي، ويصطبغ شعري بحضورهم ووجوههم وملامحهم وجمال وجودهم في عالمي الورقي الحبري كما الواقعي، وهم في نظري الأغلى من كل تحقّق آخر، والأبقى للآخرة والذاكرة، ومن هنا أميل إلى اعتبار الشعر أداةً لتأريخ حضورهم الجميل في وجودي، نعم أحبّهم جداً جداً جداً".

• بين فلسطين والإمارات..

كعوش المنتمي بعمق إلى فلسطين كوطن، يعيش في دولة الإمارات كمكان، وينتمي إليها كوطن أيضاً. وهو ما يظهر في شعره هنا وهناك، فتراه يقرأ ويكتب فلسطين، بطريقة تتشابه وتختلف في الوقت نفسه، مع قراءته وكتابته للإمارات، وهنا يوضح: "كتبتُ فلسطين بنبرةٍ حادة وصوت مرتفع منبري وجماهيري، عندما كنتُ صاحب همٍّ قوميٍّ ووطني، وأكتبُ الإمارات بالصوت نفسه، وبالطبيعة نفسها، وهما وطنان أنتمي إليهما، الأول بحكم التبعية والجنسية والحلم، والثاني بحكم الانتماء العروبي القومي، وحكم العيش والإقامة والعمل والولاء والوفاء. مع أنني بتُّ اليوم أكثر ميلاً لكتابةٍ أخرى أقلّ صخباً وأرقّ صوتاً وأخفض نبرة، أتجه بها مني لذاتي ولا أرغب بتصفيق أحد، وربما يعود ذلك إلى طبيعة تجربة كتابة قصيدة النثر وجمالياتها المفرطة في الهمس والتخفف من كل شيء".

ويضيف: "الإمارات وفلسطين لا يحتاجانني اليوم لأكتب شعراً فيهما فقط، بل يحتاجانني إنساناً منجزاً واثقاً مؤمناً بضرورة وأهمية موقعي ودوري كقارئ وناقد أدبي لا كشاعر فقط، وهذا ما أقوم به على خير وجه".

• من النقد إلى الصحافة..

ناقد للشعر وكاتب له.. لن نسأل أيهما الأصعب، لكن نسأل: هل ينعكس إلمامك بالنقد على قصائدك؟

ويجيب: "لا أبداً، لا يمكن لي أن أسمح للنقد بأن يفسد عليّ تجربتي الشعرية، وبخاصة لجهة كونها تجريباً تفاعلياً حياً أعيشه وأفرح به، ولكنه ينعكس طبعاً على تذوقي وتناولي لقصائد الشعراء الآخرين، لأنني بالنقد أقوى على أن أقتحم عوالمهم بأعمق مما يفعل القارئ العادي والمثقف التلقائي".

بعد كل تلك الممارسة الطويلة للإعلام، يرى أن الصحافة العربية ليست بخير أبداً، وحسب تعبيره "لن تكون". مشيراً إلى أننا لا نكتب بغرض الاستمتاع بما نفعل، بل نكتب بغرض الاستكساب بالاستكتاب، وهي حقيقة مرة يدركها تسعة وتسعون بالمائة من الإعلاميين العرب.

مضيفاً: "ماذا تقولين في من يكتب الألف كلمة ويرضى بمكافأة لا تزيد على الثلاثين دولاراً أو ربما أقل؟ ماذا تقولين في مواقع إلكترونية (كان لي للأسف خبرة التعاون معها ليوم واحد والحمد لله)، تدفع للكاتب عشرة دولارات مقابل مادة للنشر الإلكتروني قد تزيد على الخمسمائة كلمة، وقد تقع في التخصص كالنقد الأدبي وقراءات الكتب والتحليلات الخبرية وغيرها؟، الأزمة الحقيقية التي نعيشها مع الإعلام العربي هي أزمة عدم تقدير الاحتراف والمهنية التي يجب أن تُقابل بأجر مجزٍ يكفي الإعلامي فيكفي العالم شرّه، وعدم تقدير الإعلامي يعني أن الدولة التي لا تقدّر الإعلامي واقفةٌ عند عتبة انحطاطها أو هي واقعةٌ فيه، بخلاف الدول التي تجزي الإعلامي وتكفيه حاجات حياته وضرورياتها على الأقل".