ساعة ضرب إيران.. هل أزِفَت؟

من غير أن تحيد عن سياسة التخويف والترهيب والردع لإدارة الرئيس بوش التي تبدو عازمة على توجيه ضربة عسكرية إلى إيران، تميل طهران إلى إظهار وتأكيد قوَّتها ومَنْعَتِها من خلال قولها في استمرار إنَّ الولايات المتحدة، وبسبب ما تعانيه في العراق وأفغانستان، لن تجرؤ على شن الحرب عليها، مُفَضِّلةً تفسير كلامها الحربي على أنَّه حرب كلامية تستهدف زيادة الضغوط السياسية عليها، فإذا بدا لها وللعالم أنَّ الكلام الحربي لإدارة الرئيس بوش يتعدَّى ذلك، ويمكن تفسيره على أنَّه جزء من الاستعداد الحقيقي للحرب، سعت في ردع تلك الإدارة عن شن الحرب من خلال إظهارها لمخاطر عمل كهذا على مصالح الولايات المتحدة ووجودها العسكري في المنطقة (وفي العراق على وجه الخصوص).
إنَّ الرئيس بوش مع بقايا فريقه الحاكم وفي مقدَّمه نائبه تشيني لا يستطيع انتهاج سياسة تَضْرِب صفحاً عن حقيقتين أساسيتين، الأولى هي أنَّه في عجزٍ متزايد عن الانتصار في حربه في العراق، وعن الخروج منه خروج المهزوم، والثانية هي أنَّه لا يستطيع مغادرة البيت الأبيض قبل أن يتأكَّد، من خلال ضربة عسكرية يُوجِّهها إلى إيران، أنَّ طهران فَقَدَت القدرة على إنتاج سلاح نووي. ولقد أكَّد وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير أنَّ الولايات المتحدة مُنِيَت بـ "هزيمة" في العراق، قائلا: "إنَّ هزيمتها هناك حقيقة واقعة". أمَّا تشيني فقد تحدَّث، من قبل، عن خطر "هولوكوست (محرقة) نووي" في الشرق الأوسط إذا ما سُمِح لإيران بالتحوُّل إلى قوَّة عسكرية نووية. ويمكن تفسير ما قيل في الولايات المتحدة وإسرائيل، إعلامياً في المقام الأول، عن "السبب النووي" للغارة الجوِّية الإسرائيلية في عمق الأراضي السورية المحاذية للأراضي التركية على أنَّه جزء من محاولة إثبات أنَّ تحذير تشيني من مغبَّة "الهولوكوست النووي (الإقليمي)" ينطوي على قدر كبير من الحقيقة.
وثمَّة تطوُّرات ثلاثة يمكن النظر إليها على أنَّها دليل على أنَّ ساعة ضرب إيران قد أزِفت، الأوَّل هو الانشقاق البرلماني لجماعة الصدر عن "قائمة الائتلاف العراقي الموحَّد"، فهذه الجماعة تملك من الوزن الشعبي (الشيعي) والعسكري ما يجعلها جزءا مهما من الردِّ العسكري لإيران إذا ما وُجَّهت إليها الولايات المتحدة ضربة عسكرية، والثاني هو ما تُظْهره الحكومة الإسرائيلية من مَيْل إلى الإحجام عن القيام بعمل عسكري كبير في قطاع غزة، والثالث هو قول رئيس الوزراء الإسرائيلي إنَّه يريد لتفاوضه مع رئيس السلطة الفلسطينية، ولـ "اللقاء الدولي" أن يتمخَّضا عن "بيان (أو إعلان) مشترَك"، وليس عن "اتِّفاق (على مبادئ) مُلْزِم"، وكأنَّه أراد أن يقول إنَّ "الاتِّفاق المُلْزِم" يجب أن يُصاغ ويُكْتَب في ضوء الحقائق والوقائع التي ستتمخَّض عن ضربة عسكرية لإيران.
إدارة الرئيس بوش، ومن غير أن تتوقَّف عن الحديث عن أهمية وضرورة استنفاد وسائل الضغط الدبلوماسي والاقتصادي، تتوفَّر على الإعداد والتهيئة لتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران. ويبدو أنَّها قد اختارت، بعد طول بحث، أن تكون الضربة (الجوية والصاروخية والبحرية في المقام الأوَّل) شاملة، تُدَمِّر فيها ليس المنشآت النووية فحسب وإنَّما القسم الأكبر من قوَّة إيران العسكرية، فضرب المنشآت النووية وحدها لا يُضْعِف قدرة إيران على الردِّ العسكري. ويبدو، أيضاً، أنَّها قد اختارت أن تَجْعَل تدمير المنشآت الاقتصادية الإيرانية المهمة وفي مقدَّمها المنشآت النفطية جزءاً من ردِّها على قيام إيران (في سياق ردِّها على الضربة العسكرية) بضرب منشآت نفطية في الساحل الغربي للخليج العربي، أو بعملٍ يمكن أن يؤدِّي إلى إغلاق مضيق هرمز.
الولايات المتحدة تَعْتَقِد أنَّها لن تَجِد صعوبة عسكرية كبرى في أن تَضْرِب إيران عن بُعْد، وفي أن تنجح من خلال هذه الضربة (الجوية والصاروخية والبحرية) في تدمير المنشآت النووية الإيرانية والقسم الأكبر من القوى العسكرية الإيرانية. وتَعْتَقِد، أيضا، أنَّ تأجيلها لتوجيه ضربة عسكرية للمنشآت الاقتصادية والنفطية الإيرانية قد يفيد في ردع إيران عن أن تُضَمِّن ردَّها العسكري توجيه ضربات إلى المصالح النفطية للولايات المتحدة في منطقة الخليج العربي.
على أنَّ كل هذا "الوضوح" لا يجلو عن الحرب وعواقبها كثيرا من الغموض، الذي يُثير كثيرا من الأسئلة والتساؤلات التي أهمها: هل تملك إيران القدرة على حماية منشآتها النووية، أو قسمها الأكبر والأهم؟ هل يستطيع سلاحها الجوي أن ينجو من ضربة عسكرية مباغتة؟ هل تملك من وسائل الدفاع ما يُمكِّنها من مواجهة الغارات الجوية؟ هل تستطيع حماية ما تملك من قدرة صاروخية (صواريخ أرض ـ أرض) هي الأهم من بين قدراتها العسكرية؟ هل يشمل الردِّ العسكري الإيراني ضرب إسرائيل بالصواريخ؟ وهل تستطيع إيران، إذا ما وجَّهَت ضربات عسكرية موجعة إلى إسرائيل، أن تدرأ عنها ردِّ عسكري إسرائيلي كبير قد يشمل ضربها بأسلحة نووية؟ هل توجِّه إيران، في سياق ردِّها العسكري، ضربات إلى منشآت نفطية مهمة في الساحل الغربي للخليج العربي؟ هل تستطيع أن تُثْبِت، في سياق ردِّها العسكري، أنَّ الوجود العسكري للولايات المتحدة في جوارها في متناول يدها العسكرية، وأن تُلْحِق، بالتالي، خسائر بشرية كبيرة بالجيش الأمريكي؟ هل تتمكَّن من تحويل العراق إلى ما يشبه جهنَّم بالنسبة إلى الجنود الأمريكيين فيه؟ هل يتَّسِع نطاق الحرب، فتنضم إليها سورية و"حزب الله" اللبناني؟ وهل تُوجِّه إسرائيل ضربة عسكرية لسورية ولـ "حزب الله" قبل أن توجِّه الولايات المتحدة ضربة عسكرية إلى إيران؟ إنَّها أسئلة وتساؤلات كثيرة يكفي أن تُثار حتى يتَّضِح ويتأكَّد أنَّ في هذه الحرب الجديدة من المجهول وغير المتوَّقع ما يفوق أضعافا مضاعفة المعلوم والمتوقَّع. ومع ذلك لا يستطيع الرئيس بوش مغادرة البيت الأبيض وهو مُظْهِرا هذا "العجز المُرَكَّب".. العجز عن إحراز إنجاز كبير في العراق يُغَيِّر ميزان القوى الانتخابي لمصلحة المرشَّح الجمهوري، والعجز عن منع إيران من امتلاك القدرة على صنع أسلحة نووية. جواد البشيتي