زيوس .. من الأساطير القديمة

رمز لبلاد الإغريق

زيوس (جوبيتر)، أبو الآلهة والناس أجمعين. أرسل إلى جزيرة كريت طفلا، لكي يختبئ من أبيه. ابن الإله كرونوس (زحل)، إله الزمن، والإلهة ريا. زيوس، هو الأقوى نفوذا بين كل الآلهة. كل شيء يخضع لمشيئته.

تسلم أبوه، كرونوس، ملك العالم، بعد أن قتل أباه أورانوس واستولى على عرشه. قال الأب أورانوس وهو يحتضر: "لقد قتلتني واستوليت على عرشي، لذلك سيقوم أحد أبنائك بنزع الملك منك. كما تدين، تدان".

حتى لا تتحقق هذه النبوءة، كان يقوم كرونوس، يبلع كل طفل تلده زوجته ريا، فور ولادته. لقد بلع ثلاث بنات وولدين: هيستيا، ديميتير، هيرا، هاديس، وبوسيدون. هذا له معنى مجازي، وهو أن الزمن يبلع كل الأحداث التي تمر بنا.

غضبت ريا غضبا شديدا من زوجها المجنون الذي يأكل أولاده. وقررت أن تنقذ طفلها الذي في بطنها. عنما جاءها المخاض، زحفت على بطنها إلى مكان مظلم في جزيرة كريت، لكي تضع هناك طفلها زيوس.

صنعت له سرير أطفال من الذهب، ووضعته بين أغصان شجرة زيتون. وربما يكون هذا سر تقديس شجرة الزيتون وذكرها في الكتب المقدسة. وضعت ابنها في السرير وتركته لكي ينام. ثم عادت إلى قمة جبل الأوليمب.

فور عودتها، أخذت حجرا ولفته بالأقمشة وضمته إلى صدرها كأنها ترضعه وتهدهده. جاء كرونوس يزمجر ويرغي ويزبد. ثم هجم على زوجته وانتزع منها الحجر الملفوف، وبسرعة البرق، ابتلعه بكامل لفافته.

تسللت ريا، بعد أن اطمأن زوجها ونام قرير العين، عائدة إلى حيث يوجد ابنها زيوس. أخذته بسريره وأعطته إلى أحد رعاة الأغنام لكي يقوم بتربيته. ووعدته بأنها سوف تقوم، في مقابل هذه الخدمة، بحماية أغنامه من الذئاب.

ظل يعيش زيوس مع عائلة الراعي إلى أن صار صبيا جميلا. كرونوس أبوه، لم يكن يعلم شيئا عن مصير ابنه زيوس. أخيرا، وتحت إلحاح غريزة الأمومة، أحضرته إلى قمة جبل الأوليمب، لكي يلتحق بمجمع الآلهة. وقامت بتقديمه إلى كرونوس على أنه حامل كؤوس الشراب الجديد. كرونوس كان سعيدا بالصبي لأنه كان جميل الطلعة.

في إحدى الليالي، طبخت ريا مع ابنها زيوس شرابا مخصوصا. قاما بمزج شراب الآلهة بالمستاردة والملح. في صباح اليوم التالي، بعد أن عب كرونوس الشراب كله، تجشأ وتكرع.

بعد ذلك، شعر بمغص في بطنه، فتقيأ. أول شيء خرج من جوفه، كان الحجر. ثم تبعه باقي الأطفال تباعا: هيستيا، ديميتير، هيرا، هاديس، وأخيرا بوسيدون. خرجوا سالمين. شكروا زيوس واختاروه قائدا لهم.

بعد ذلك، حدثت معركة حامية الوطيس. استعان كرونوس بالتيتان، أنصاف اخواته. مخلوقات عملاقة سوداء في طول الأشجار. كان يدخرهم كرونوس إلى وقت الشدة.

هجم كرونوس وفريقه على الآلهة الصغار، هجمة مضرية. لكن زيوس، له حلفاء هو الآخر. الوحوش الرهيبة التي كان يسجنها كرونوس في باطن الأرض.

قام زيوس بإطلاق سراح هذه الوحوش لكي تكون في صفه، ولكي تحارب معه ضد أبيه كرونوس. من هذه الوحوش، السيكلوبس (ذوات العين الواحدة)، ومخلوقات كل منها له 100 رأس.

ملأت هذه المخلوقات الفضاء. الناس على الأرض، كانوا يسمعون صوت الرعد، ويرون الجبال وهي تتفتت. الزلازل في كل مكان، وموجات البحر ترتفع كالجبال.

التيتان كانوا في طول الأشجار. وكرونوس كان داهية محنكا في القتال. كان يهاجم بشدة، يسوق أمامه الآلهة الصغار. لكن زيوس كان قد أعد فخا.

في منتصف الطريق الصاعد إلى قمة الأوليمب، قام بإعطاء إشارة صوتية إلى حلفائه من الوحوش الرهيبة، الذين كانوا مختبئين لمفاجأة العدو.

جاءوا كالجراد المنتشر، يحمل كل منهم مئة حجر من الحجم الكبير. وألقوها على التيتان أثناء صعودهم الجبل. اعتقد التيتان أن الجبل نفسه، ينهار فوق رؤوسهم. أصيبوا بالذعر، فولوا الأدبار.

الإله بان، الإله الماعز، كان يصرخ من الفرح والسرور. ويقال إن صياحه هذا هو الذي جعل التيتان تلوذ بالفرار. من اسمه، جاءت كلمة (panic)، التي تعني الهلع.

الآن، صعدت الآلهة الصغار قمة الأوليمب، واستولوا على القلعة، وأصبح زيوس رئيسهم. لا أحد يدري ماذا حدث لكرونوس الأب وحلفائه التيتان. لكن، في بعض الأحيان، تنفجر الجبال بالبراكين وتهتز الأرض بالزلازل، ولا أحد يعرف لماذا.

أصبح زيوس الآن، ملكا للكون. قام بتقسيم ملكه مع أخويه، بوسيدون وهاديس. احتفظ لنفسه بملك السماء، وأعطى ملك البحار إلى بوسيدون، وجعل هاديس إله الجحيم والعالم السفلي.

من عادة القدماء، أنهم كانوا ينسبون إلى آلهتهم، فعل الخير وفعل الشر. وكانوا يصفون زيوس في بعض الأحيان، بأنه كان يلجأ إلى حيل وضيعة لكي يحقق بها أغراضه وشهواته.

لكن شعراءهم، كان يصفون زيوس، بأنه شخصية مهابة، تجلس على عرش من الذهب الخالص. هذه هي حكاية تمثاله، الذي كان يعد من عجائب الدنيا السبعة في العالم القديم:

ذهب فيدياس، أشهر مثال في أثينا، إلى مدينة أولومبيا غرب اليونان حيث تقام الألعاب الأوليمبية. سبقته شهرته، فاستقبله الأوليمبيون استقبالا حافلا.

على الفور، بدأ في تكليف جيش من الفنانين والمهندسين والجواهرجية والصاغة لمساعدته في عمل تمثال لكبير الآلهة زيوس.

بعد إتمام هذا العمل الجبار، وإقامة التمثال على قاعدته، سرعان ما أصبح أعجوبة من أعاجيب الدنيا السبعة. أعاجيب الدنيا السبعة في ذلك الوقت، كما جاءت بكتاب فيلون، والتي لم يبق منها أثر سوى الهرم الأكبر، هي: الهرم الأكبر، حدائق بابل المعلقة، تمثال زيوس في أوليمبيا، معبد ديانا أو أرتيميس في إفيسوس، ضريح هاليكارناسوس الفارسي في تركيا، تمثال أبولو العملاق في رودس، فنارة الإسكندرية.

لنا أن نتخيل كيف كان تمثال زيوس، الذي عمله فيدياس، من معلومات تركها لنا الأدباء الأوائل، ومن نسخ تقليدية لهذه الأعجوبة التاريخية، التي وجدت على العملة الإغريقية القديمة.

تمثال زيوس، يشبه تمثال أثينا (مينيرفا)، مصنوع من خشب شجرة زيتون مباركة. مطعم بالعاج وشرائح الذهب الخالص ومرصع بالأحجار الكريمة. ارتفاعه بلغ 40 قدما.

يجلس زيوس على كرسي عرشه الرائع. يحمل في يد، مطرقته التي يعلوها نسره المفضل، وفي اليد الأخرى، تمثال من العاج. يقول هومير وهو يصف لنا التمثال:

"لا بد أن كبير الآلهة زيوس، كان يوجه يد الفنان أثناء صناعة تمثاله."

المعبد الذي يحتضن التمثال، كان ضخما كبير المساحة، أعمدته مرتفعة. إلا أن تمثال زيوس وهو جالس، كان أعلى من ارتفاع المعبد. يظهر لمن يريد أن يراه من بعيد.

لأن الناس في ذلك الوقت، كانت تعتقد أن الحج إلى تمثال زيوس، ورؤية الإله وجها لوجه، تزيل الهم وتذيب الغم وتخفف المتاعب وتلبي الدعاء. هذا ما نشعر به عندما نقوم بالحج إلى الكعبة، والوقوف أمام الحجر الأسود.

بعد أن أنهى فيدياس وفريق عمله صناعة التمثال، رفع يديه إلى السماء مخاطبا زيوس وجها لوجه قائلا: "اللهم إن كان عملي هذا يروقك وينول رضاك وقبولك، فتقبله مني وأرني علامة رضاك وغفرانك."

تقول حكاية فيدياس، أن زيوس استجاب لدعائه وصلاته على الفور. وإذا بسنا برق وضياء ساطع يضئ التمثال من كل جوانبه. بذلك، يكون فيدياس قد نال رضاء الرب، وانتقم لنفسه من الأثينيين الذين لم يقدروه حق قدره.

رفض فيدياس أن يعود إلى أثينا. وأصبح تمثال زيوس رمزا لبلاد الإغريق كلها، بعد أن كان تمثال أثينا، رمزا لمدينة أثينا وحدها.