زيوار باشا وتسليم ما يمكن تسليمه

كتب ـ عبدالمنعم عبدالعظيم
إنقاذ أم تسليم؟

من أعجب الشخصيات التى تولت الوزارة في مصر أحمد زيوار باشا، هذا الرجل القوقازي الأصل، الفرنسي الثقافة، الإنجليزي من قمة رأسه حتى أخمص قدمه.
يقول عنه الكاتب مصطفى أمين في كتابه "200 فكرة":
"لم يكن زيوار باشا يرفض للإنجليز طلبا ولم يعص للملك فؤاد أمرا وكان صريحا في استسلامه."
تولى الوزارة في أعقاب استقالة وزارة سعد باشا زغلول، أول حكومة مصرية منتخبة من الشعب، وكانت قد استقالت احتجاجا على الإنذار الذي وجهته بريطانيا للحكومة المصرية في أعقاب اغتيال السير لي ستاك سردار الجيش المصري الحاكم العام للسودان لشروطه المهينة.
كان شعار وزارة زيوار باشا إنقاذ ما يمكن إنقاذه، والتي صدق في تفسيرها المؤرخ عبدالرحمن الرافعي تسليم ما يمكن تسليمه.
في ظل هذه السياسة وافق زيوار باشا على انسحاب الجيش المصري من السودان، كما وافق على طرد الموظفين المصريين من السودان، وباع واحة الكفرة المصرية المتاخمة للحدود الليبية لإيطاليا.
وكما قال الأستاذ عباس محمود العقاد:
"ترك زيوار باشا كل شىء للإنجليز من جانب، ولحسن نشأت من جانب آخر، ولإسماعيل صدقي، فيما بقي له من شئون الوزارة، فلا رأي ولا برنامج ولا إدارة."
كانت رئاسته للوزارة فرصة هيوارد كارتر مكتشف مقبرة توت عنخ آمون ليعود إلى مصر التي غادرها بعد أن ألغى سعد زغلول باشا الترخيص الذي كان ممنوحا لأرملة اللورد كارنافون ممول البحث عن المقبرة ليستكمل التنقيب، وكان على ثقة أنه سيحصل من رجل هذه صفاته على نصف آثار توت عنخ أمون وكان القانون المصري أيامها يجيز ذلك.
وقابل كارتر زيوار باشا الذي وعده بالتعاطف معه، إلا أن الباشا الذي قدم كل التنازلات أصر على عدم التفريط في أي أثر من آثار توت عنخ آمون، ولم يرد أن يدخل في معركة سياسية مع معارضيه من أجل مقبرة فرعونية.
كانت آثار توت عنخ آمون هي كل ما انقذه لمصر طبقا لسياسة إنقاذ ما يمكن إنقاذه0
وواصلت الخارجية البريطانية وأرملة كارنافون وهيوارد كارتر مطلبهم في اقتسام نصف آثار مقبرة توت عنخ آمون مع سبعة من رؤساء الوزارة في مصر هم: عبدالخالق ثروت، وتوفيق نسيم، ويحيى إبراهيم، وسعد زغلول، وعدلي يكن، ومصطفى النحاس، لكن أي منهم لم يفرط في هذا التراث الغالي.
ورغم موافقة محمد محمود باشا تحت ضغط الخارجية البريطانية على منح بعض القطع المكررة منها إلى المتحف البريطاني، إلا أن تغيير الوزارة في بريطانيا أيامها أوقف المفاوضات الجارية حول هذه المنحة التي كادت تتم لولا الظروف السياسي.
وتدخل حزب الوفد صاحب الأغلبية البرلمانية أيامها لوضع نهاية لهذا العبث بوضع قانون يحظر على أي وزارة التفريط في هذه الآثار، وافق عليه مجلس الشيوخ بأغلبية 86 صوتا ضد صوت واحد هو صوت محمد محمود.
وهكذا قدر لمصر أن تحتفظ للحضارة الإنسانية بأكمل مجموعة أثرية عرفها التاريخ. عبدالمنعم عبدالعظيم محمد
كاتب وباحث الاقصر (مصر) Monemazim2007@yahoo.com