زيارة المشير طنطاوي لليبيا ومحدودية نتائجها

بقلم: فوزي منصور

ناقش مجلس الوزراء المصري الأربعاء 18 يناير 2012 نتائج زيارة المشير محمد حسين طنطاوي رئيس المجلس الأعلى للقوات لمسلحة والوفد الوزاري لليبيا، والمباحثات التي جرت مع كبار المسئولين الليبيين.وقد بالغ الإعلام المصري في بيان أهمية الزيارة وفي بيان نتائجها، بينما كانت حصيلتها في الواقع محدودة مقارنة بما كان ينتظره الوفد المصري منها.

وكان المشير طنطاوي قد قام بأول زيارة إلى ليبيا يوم 16 يناير وسبقه إليها وفد مصري برئاسة الدكتور حسن يونس وزير الكهرباء والطاقة يوم 15 يناير ويرافقه ، جمال العربي وزير التربية والتعليم، ومحمد البرادعي وزير الإسكان والمرافق، و محمد عبد القادر وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والدكتور حسين موسى وزير التعليم العالي، والمهندس عبد الله غراب وزير البترول، ووكيل وزارة الصحة. وعاد المشير طنطاوي إلى مصر بعد عصر نفس اليوم، بينما عاد الوفد الوزاري في المساء يوم 16 يناير بعد انتهاء المحادثات مع المسئولين الليبيين.

المصالح المصرية التي استهدفت تحقيقها الزيارة

كانت الزيارة تستهدف بحث الملفات التالية مع المسئولين الليبيين والتوصل إلى اتفاقات حولها بين الجانبين:

1- ضمانات حماية الأمن الداخلي المصري وما يتطلبه من إجراءات لضبط الحدود ومنع تهريب الأسلحة عبرها من مصر إلى ليبيا.

2- التشاور حول ما تداولته بعض وسائل الإعلام الأجنبية من توجه الإدارة الأميركي نحو نقل 12 ألف جندي أميركي من مالطة إلى ليبيا، وقد ثبت أن هذه مجرد إشاعة، ونقل وجهة النظر المصرية المعارضة لتواجد عسكري أجنبي في ليبيا. وكان الاهتمام المصري بهذا الأمر غير مفهوم من قبل الليبيين في ظل علاقات السلطات المصرية العسكرية والأمنية بالولايات المتحدة.

3- عرض معاونة مصر في أعادة بناء المنظومة الأمنية والعسكرية الليبية.

4- مشاركة شركات المقاولات المصرية في إعادة إعمار ليبيا.

5- القضايا المتعلقة بالعمالة المصرية في ليبيا السابقة وحقوقها وفتح المجال لعودتها مرة أخرى الى ليبيا بدون عوائق،وتوفير العمالة المصرية المدربة لليبيا.

6- عودة الصادرات المصرية والتي تراجعت على نحو حاد خلال العام الماضي بما أضر بمصالح المصدرين. حيث انخفض حجم الصادرات المصرية إلى ليبيا من مليار و200 مليون جنيه سنة 2010 إلى 350 مليون جنيه فقط خلال 2011.

7- عودة الاستثمارات الليبية في مجالات استخراج البترول والغاز بمصر.

8- التعاون في عدد من المجالات وفي مقدمتها الطاقة والاتصالات وإعادة الربط الكهربائي بين البلدين.

داء الكبر والصلف العسكري

رئيس المجلس العسكري المصري لم يحسن تدبير أمر هذه الزيارة، وسوء التدبير هذا هو السبب الرئيسي لعدم تحقيقها لأهدافها المرجوة منها، والتي تتطلبها المصالح المصرية على الأمد القريب والمتوسط والبعيد، باعتبارها مصالح حيوية ذات بعد استراتيجي، بحيث لا تقل أهميتها المستقبلية عن أهميتها الآنية.

ولقد كان الأفضل أن يذهب إلى ليبيا رئيس المجلس العسكري رفقة الوفد الحكومي وكرئيس له، ويقود المباحثات مع القادة الليبيين، فإذا كان لديه ما يشغله أو ارتباطات تمنعه من مواصلة البقاء مع الوفد كان بإمكانه في هذه الحالة أن يأخذ معه إلى ليبيا رئيس الوزراء المصري، وينيبه عنه في استكمال المباحثات في اليوم الثاني لها.ولكنه أرسل الوفد وحده وسافر هو مع بعض كبار الضباط في اليوم التالي إلى ليبيا، وسبقه الإعلام المصري بالقول بأن زيارته لليبيا لن تستغرق سوى ساعة واحدة. ولم تستسغ القيادة الليبية الجديدة تحديد موعد الزيارة بساعة، واعتبرته استهانة بها.وولد ذلك انطباعا لديها بأنه لم يأت لإقامة تفاهمات وإنما لإصدار تعليمات لهم وكأنهم يتبعونه أو يأتمرون بأمره، بينما هو لا يهمهم،ولا تهمهم سوى مصالح بلدهم.

وكان عدم قدومه مع الوفد الوزاري إلى ليبيا ثم عدم عودة الوفد معه في نفس الطائرة رغم سفرهما في نفس اليوم من ليبيا سوى دليل على الغرور والكبر والصلف العسكري، وعدم احترام العسكر للمدنيين. وهو ما يتوقع أن يكون قد ترك انطباعا سيئا عنهم لدي كبار المسئولين الليبيين وخاصة رئيس الحكومة الليبية.وفي الحقيقة تكشف كيفية القيام بهذه الزيارة وترتيباتها الشاذة خطر ترك مصالح البلاد الخارجية في أيد مثل هذه النوعية من العسكريين الذين لا يرون إلا ما تحت أقدامهم، وما يحقق لهم مصالح شخصية، ولا يحسنون أدارة وتصريف مثل هذه الأمور السياسية.ويبدوا أن هؤلاء العسكريين من أصحاب الرتب العسكرية الكبيرة يتوقعون أن يجدوا في كل مكان يذهبون إليه خارج البلاد من يطيع أوامرهم على غرار ما تعودوه من معاملة من هم أقل رتبة عسكرية في بلدانهم أو من مدنيين منافقين ونفعيين لا كرامة لهم.

وكان الأولى بالمشير طنطاوي أن يذهب إلى ليبيا أولا في زيارة ودية لتهنئة الثوار الليبيين وكرد لزيارة رئيس المجلس الانتقالي السابقة إلى مصر. وبحيث ينم تصفية أجواء العلاقات المصرية الليبية مما شابها من توتر خلال العام الماضي وإزالة ما تبقى من أسبابه.ثم يتبع ذلك بزيارة ثانية،في مناخ نفسي أفضل،لبحث تطوير العلاقات بين البلدين الجارين بما يعود بالنفع المشترك على الشعبين.أما أن تأتي الزيارة متجاهلة توتر له دواعيه ومسبباته من وجهة النظر الليبية، ويتركز الاهتمام فيها على تحقيق منافع مادية للاقتصاد المصري فقط، وبطريقة تبدو وكأنها محاولة لفرض امتلاءات مصرية على السلطات الليبية الجديدة، فإن ذلك يزيد من سوء العلاقات عوض تحسينها.

توتر العلاقات بين البلدين مع وجود رغبة ليبية في أزالته

تعتبر ذه الزيارة قد تمت في ظل وجود قدر من التوتر بين البلدين، كان يجب إزالته أولا، ونتج عن ما يلي:

-عدم استجابة مصر لاستغاثة الثوار في برقة بها لإنقاذهم من مذابح القذافي.

-القيام بإغلاق الحدود المصرية في وجه الليبيين خلال الثورة مما حرم المدنيين الليبيين من الهروب من قتل كتائب القذافي لها،

- تأخير الاعتراف بالمجلس الانتقالي.

- عدم تقديم السلطات المصرية أي دعم مادي أو معنوي أو إنساني للثورة الليبية مثل عدد من الدول الأخرى بينما مصر هي الأقرب منها لليبيا

- عدم إبداء السلطات المصرية اهتماما كافيا بما طلبته السلطات الليبية الجديدة من معلومات حول الاستثمارات الليبية في مصر والأموال التي تعود إلى القذافي وأفراد أسرته وأنصاره، ونشاط هؤلاء داخل مصر لتهريبها، بالإضافة إلى علاقة أفراد بالسلطة المصرية مع أحمد قذاف الدم إبن عم القذافي والمسئول السابق عن العلاقات المصرية الليبية.وطلب السلطات الليبية.

-عدم إبداء السلطات المصرية استعدادها تسليم مسئولين سابقين من مؤيدي النظام ورؤساء الأجهزة الأمنية الليبية السابقة، التابعة لمعمر القذافي والذين فروا إلى مصر. ومن بينهم أحمد قذاف الدم الذي يشك بأنه كان خلف شراء كميات كبيرة من الأسلحة الحديثة من سوريا لحساب كتائب القذافي وحملتها سفينة صادرتها إسرائيل ثم أعادة شحنها واعترضنها سفن حلف الناتو، وسلمت فيما بعد للقذافي في طرابلس قبل سقوطها.

وكان من ردود الفعل على ما سبق ذكره من انتقادات للثوار الليبيين لسياسة السلطات المصرية إزاء الثورة الليبية أن قامت حكومتهم بفرض التأشيرة على دخول المصريين إلى ليبيا، بمن فيهم من كانوا يعملون فيها من قبل.

وقد كتبت عندما أعلن أول مرة عن الوزارة معلقا: لا أتوقع أن زيارة المشير طنطاوي والفريق الحكومي المصري إلى ليبيا ستجد أهلا أو سهلا في تلك الدولة التي تلملم جراحها بعد أن تخلت الحكومة المصرية عن تقديم أي دعم سياسي أو عسكري أو إنساني للثوار الليبيين عندما كانوا في أمس الحاجة إليه، وأيضا عدم اتخاذ الحكومة المصرية أية إجراءات لإعادة أموال الشعب الليبي المسروقة من قبل عصابة القذافي وأسرته إلى الحكومة الليبية الجديدة، وهو ما كان يجب على الحكومة المصرية أن تفعله قبل أيفاد مسئولين إلى ليبيا.بالمقابل قامت الحكومة المغربية التحفظ على الأموال الليبية ثم وضعتها أمس تحت تصرف السفارة الليبية بالرباط.

التطلع إلى المستقبل

وفي مقابل ما تسببت فيه المواقف المصرية السابقة الذكر من توتر العلاقات نجد مشاعر ايجابية وتطلعات ليبية لإرساء علاقات ودية جديدة بين البلدين حيث يعتبر الليبيون أن العلاقات بين ليبيا ومصر ذات عمق تاريخي وأهمية إستراتيجية بالنسبة لمستقبل البلدين مما يولد لديهم رغبة في أن تتحسن العلاقات بين مصر وليبيا بما يعود بالنفع على البلدين وتوق أيضا إلى ما هو أبعد من ذلك وهو تحقيق وحدة على نحو ما بين مصر وليبيا والسودان.

ولحل هذا التناقض في المشاعر النفسية، فرق الليبيون بين النظام العسكري الحاكم في مصر وبين الشعب المصري، فحملوه وحده تبعة ما طرأ على العلاقات المصرية من توتر، واعتبروا إن زوال هذا التوتر وإقامة العلاقات المنشودة بين الولدين مرتبط بانتصار الثورة المصرية على غرار الثورة التونسية والليبية، وسقوط حكم العسكر في مصر لكي تحل محله حكومة مدنية منتخبة ديمقراطيا.

مؤشرات على الموقف السلبي من السلطة المصرية الحالية

ويتضح ذلك من البيان الذي أصدره الثوار في ليبيا وهتافات: يسقط حكم العسكر التي رددها الليبيون في مواجهة الوفد المصري الزائر لليبيا، وفي الوقت الذي تم فيه عقد لقاءات ودية مع الوزراء المدنيين المصريين الزائرين، وإن لم يحصل الوفد الوزاري المصري على كل ما كان يأمله في زيارته، وإنما تم الاتفاق بين الجانبين فقط على الأمور التي تحقق منافع لليبيا لا يمكن لها تعويضها، وتم عقد اتفاقات تعاون بشأنها..بينما يمكن القول في مقابل ذلك إن المباحثات المباشرة مع المشير كانت باردة إلى حد كبير.

وبينما كان عبدالجليل وطنطاوي يسيران في ردهات فندق كورينثيا رفع بضعة متظاهرين لافتات تطالب مصر بتسليم "أزلام القذافي ورموز النظام السابق"..ولم تفلح محاولات وزير الخارجية الليبي عاشور بن خيال إقناع المحتجين بمغادرة المبنى، وأصروا على البقاء، وعبروا عن مطالبهم بشكل إيجابي خلال مرور المشير الذي ألقى عليهم التحية، حينما قالوا "مصر وليبيا أيد واحدة".. وأبرزت وسائل الإعلام الليبية مطالبة الدكتور الكيب للمشير بتسليم العناصر الليبية الهاربة إلى مصر من جهاز الأمن الداخلي الليبي.

وبينما استقبل المشير طنطاوي، عند وصوله إلى مطار طرابلس، كل من رئيس المجلس الانتقالي الليبي ورئيس الحكومة الليبية فإن أي منهما لم يكن في وداعه عند مغادرته التراب الليبي. واقتصر توديعه مع الوفد الوزاري على كل من: عاشور بن خيال وزير الخارجية والتعاون الدولي والعميد ركن عبدالسلام الحاسي رئيس العمليات بالمجلس الانتقالي وفضل بن نصير معاون قطاع المطار.

ومن الطبيعي أن تكون الشكوك قد ساورت السلطات الليبية بأن ما يستهدفه المجلس العسكري من تلك الزيارة التي لم تسبقها ترتيبات مشتركة شارك الجانبان في أعدادها هو الحصول على مكاسب قبل حلول يوم 25 يناير بعد أن فشل في أن يقدم أية انجازات خلال قرابة العام من توليه السلطة في مصر بعد تنحي حسني مبارك عنها يوم 11 فبراير الماضي وربما توقعوا أيضا أن يقدم رئيس المجلس مقابل ذلك تنازلات بالنسبة لمطالب الحكومة المصرية من مصر،ولكنه ظهر لهم بأنه جاء ليأخذ منهم فقط دون أن يكون على استعداد أن يقدم لهم شيئا في المقابل.

ولقد نجح الليبيون في أن يحولوا نتائج مباحثات الوزراء المصريين لا تتجاوز تحقيق المنافع الليبية التي لا يمكن الحصول عليها من مصدر آخر بتكلفة أقل أو على نحو أفضل، وتم ذلك في مجال قطاع الكهرباء والاتصالات والتربية والتعليم العالي. مع عدم تقديم أية وعود بشأن المطالب المصرية أكثر من أنها ستكون موضع بحث وعندما وصلت أصداء عدم تحقيق الزيارة المصرية ما كان يعول عليه منها، سارع أعضاء المجلس العسكري لتدارك الأمر بالإعلان عن إقامة حفل للاحتفال بالثورة الليبية مساء أمس وافتتحه أحد أعضاء المجلس وكانت المفاجأة هو مقابلة كلماته من قبل الناشطين المصريين بهتاف: يسقط حكم العسكر.

ومع ذلك خرجت الصحف المصرية تتحدث عن نجاح الزيارة وتنسب إلى الدكتور عبدالرحيم الكاب رئيس الحكومة الليبية ما يشير الى ذلك.

ثوار ليبيا يرفضون زيارة المشير طنطاوي

نشر ثوار ليبيون مقطع فيديو تضمن بيانا أعلنوا من خلاله رفضهم استقبال المشير محمد حسين طنطاوي رئيس المجلس الأعلى للقوت المسلحة على أرضهم في ليبيا، مؤكدين تضامنهم مع ثوار مصر في المطالبة بإسقاط حكم العسكر.

وقال الثوار في بيانهم: "لأن مصيرنا واحد وثورتنا واحدة وتضحياتنا واحدة ودمائنا واحدة ومطالبنا واحدة وهي إسقاط نظم الاستبداد في أمتنا وإقامة نظم مدنية ديمقراطية، عليه فإننا: نقف وقفة مساندة مع إخوتنا شباب الثورة المصرية ونطالب بما طالبوا به بإسقاط حكم العسكر وعودة الجيش إلى ثكناته وتسليم السلطة إلى المدنيين."

وأضاف بيان الثوار “نرفض وندين الهمجية والوحشية والممارسات الغير قانونية التي يقوم بها المجلس العسكري المصري ورئيسه الذي تحولمن رئيس مؤسسة تحمى الثورة وأهدافها لرئيس مؤسسة تلتف على الثورة وتلتهم أبنائها، وتمنع من حق التظاهر والاعتصام شباب حر مسالم يريد بناء وطنه بشكل حضاري”.

وأكد الثوار على رفضهم أي تعامل من الجانب المصري الرسمي مع أي أطراف ليبية غير رسمية، كما طالبوا بتسليم الهاربين من العدالة من أزلام نظام معمر البائد، ممن تلطخت أيديهم بدماء الليبيين وذممهم بأمواله وأمروا بارتكاب جرائم الاغتصاب، الأمر الذي يقع تحت طائلة قانون العقوبات الليبي ويجعلهم إضافة إلى القتل والسرقة مرتكبين لجرائم التحريض على الإبادة الجماعية التي يجرمها القانون الجنائي الدولي، والتاريخ لن يرحم أحد.

وأشاروا إلى أنهم في الوقت الذي يباركوا فيه لإخوتنا في تونس الذين أشعلوا شرارة ثورات الربيع العربي مرور عام على ثورتهم المجيدة، كنا نأمل أن يكون هذا اللقاء الأخوي بين رئيسين منتخبين ممثلين لشعبيهما أسوة بالشقيقة تونس التي خطت أولى خطواتها في الطريق الصحي".

فوزي منصور

www.fawzymansour.com