زيارة أوباما للسعودية تنبئ عن مرحلة جديدة من الإستراتيجية الأميركية

ثمة إدراك عميق على مستوى الحزبين في الولايات المتحدة وعلى مستوى المؤسسة الأميركية بشكل عام بأهمية ومكانة السعودية كثقل وكنافذة رئيسية تنطلق منها الولايات المتحدة نحو العالم الإسلامي، خصوصا وأن السعودية تلعب دورا محوريا وكبيرا ليس فقط في المنطقة بل وفي العالم، ولموقفها البالغ الأثر في القضايا الإقليمية والدولية.

الوفد المرافق لأوباما يتألف من 30 مرافقا كان رسالة عن الأهمية القصوى وغير الاعتيادية للشراكة الإستراتيجية بين البلدين مع وجود أكثر من رأي في الوفد الأميركي ممن يفهمون المعادلة ويعرفون السعودية بشكل دقيق.

أدرك الجمهوريون وحتى الديمقراطيون أن الوجهة السلمية التي قادها أوباما في سوريا أعطت روسيا وإيران الفرصة على حساب المصالح التي تربط الشراكة الأميركية السعودية، وهي رسالة بأن التعامل مع الأزمة السورية يجب أن يكون أكثر واقعية بدلا من المثالية التي لا يزال أوباما يصر عليها حتى الآن باعترافه بأنه يفتقد إلى إستراتيجية في سوريا، رغم أن الجميع ملتزم بالحل السلمي في سوريا.

رافق الرئيس الأميركي من الجمهوريين المخضرمين الذين يعرفون السعودية معرفة كاملة ودقيقة ويقيمون علاقات قوية، أمثال جيمس بيكر وزير الخارجية في إدارة جورج بوش الأب، وبرنت سكوكروفت مستشار الأمن القومي للرئيس جيرالد فورد وبوش الأب، كما رافق أوباما كوندليزا رايس وزيرة الخارجية في عهد بوش الإبن، وستيفن هادلي مستشار الأمن القومي في نفس الإدارة بجانب السيناتور جون مكين الذي عادة ما ينتقد سياسات أوباما.

أعلى مستوى من التمثيل هو سابقة يتخطى هذا التمثيل الحزبية في الولايات المتحدة، من أجل التعرف عن قرب على الملك سلمان، وتطوير العلاقات لأهم حليف إستراتيجي عربي، خصوصا بعد صعود التنظيمات الجهادية التي أتت بعد عواصف الثورات العربية، وهي علاقة إستراتيجية لا تتغير بتغير الملوك والرؤساء.

هذه الزيارة تنقض المقولة بأن الولايات المتحدة تريد أن تعزل نفسها عن الشرق الأوسط. وهذا لا يتعارض مع طموح واشنطن إلى توقيع اتفاقيات التجارة الحرة عبر المحيط الهادي لتكون بمثابة طريق يمكن من خلاله إحراز نمو مستقبلي للدول التي تنضم إلى تلك المعاهدة، بينما هي في نفس الوقت بحاجة إلى حلفاء موثوق بهم في منطقة الشرق الأوسط لإدارة الملفات التي ضربت المنطقة والتي تحتاج إلى عامل استقرار في المنطقة، خصوصا بعدما بدأت واشنطن تخشى من حالة عربية جديدة غارقة في الفوضى والانقسام.

يضم الوفد وزير الخارجية جون كيري، ومدير وكالة المخابرات الأميركية جون برينان، وهي رسالة واضحة وكبيرة من الشعب الأميركي لتقديم التعازي، والتواصل مع الملك الجديد حول تعزيز التحالف الدولي مع داعش لما تمتلكه السعودية من خبرات في مجال مكافحة الإرهاب منذ عام 2003. وتدرك واشنطن التحديات الأمنية التي يجب الاضطلاع بها بسبب أن المجتمع الدولي لم يتعامل مع تلك الظلمات بجدية حتى فوجئ بخطرها الداهم، لذلك هم يعبرون عن أهمية استمرار العلاقة مع السعودية، وهي رسالة بأن أوباما لم يعد يعتمد فقط على مستشاريه في إطار ضيق، بل يمكن أن يوسع استشاراته.

زيارة أوباما الثالثة إلى السعودية والأولى في عهد الملك سلمان ترسم ملامح مرحلة جديدة، لأن السعودية تحرص على الاستقرار الإستراتيجي الأمني والاقتصادي في المنطقة، وترى أنه من الواجب التعامل مع كافة ملفات المنطقة بشكل سريع، لذلك جاء استقبال الملك سلمان لأوباما في المطار لإعطاء الرئيس أوباما دفعة كبيرة.

هناك ملفات كثيرة مطروحة على بساط البحث، أهمها الملف النووي، النفوذ الإيراني، داعش، فلسطين، سوريا، اليمن، ملف النفط، أي ملفات عديدة، يأتي على رأس القائمة في اللقاء الثنائي بين الوفدين أولوية مكافحة الإرهاب لمزيد من التعاون والتنسيق الأمني لإنجاح فكرة التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة لإضعاف داعش في العراق وفي سوريا. ثم يأتي الملف الثاني اليمن، والتنسيق مع السعودية للبحث عن الخروج بموقف سياسي سلمي.

تأتي هذه الزيارة بعدما شدد أوباما في خطابه حول حالة الاتحاد على كسب المعركة ضد داعش، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي، ودعم المعارضة السورية المعتدلة، وبعدما شعر أوباما أن إيران مصرة على الوصول إلى العتبة النووية. لذلك نجد أن مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا يؤكد على ضرورة التوصل لحل سياسي هذا العام بعدما كانت الولايات المتحدة تعطي تواريخ طويلة.

أدركت واشطن أن طهران تحاول إعادة محيطها في المنطقة العربية ما قبل الدولة الحديثة، وكيف أنها تتبنى دولة جديدة في العراق، وفي لبنان، واليمن، ومستقبلا في سوريا، لأن واشنطن تعتبر ما حدث في اليمن نكسة أخرى لسياسات أوباما في الشرق الأوسط برعاية إيرانية.

نجح الغرب في منع روسيا من حضور منتدى الاقتصاد العالمي (دافوس) بحجة حرص روسيا على زرع الفوضى في سوريا، بل وتطالب المستشارة الألمانية ميركل إلى مواصلة فرض العقوبات على روسيا.

بينما أعلن رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني أن بلاده سترد على مشروع العقوبات التي يعمل الكونغرس الأميركي على فرضها بقفزة نوعية في مجال التقنية النووية، مؤكدا أن إيران قادرة على فعل ذلك وهو نتيجة الضغط السعودي على واشنطن في الفترة الماضية الذي يرفض مقايضة الملف النووي مقابل نفوذ إيراني في المنطقة.

رفضت السعودية التدخل لمنع تدهور أسعار النفط الذي جعل إيران تهدد السعودية والكويت مباشرة بأنهما وراء انخفاض أسعار النفط، رغم أن انخفاض أسعار النفط سيؤثر أيضا على الاقتصادات الخليجية فكيف تشارك السعودية في مثل تلك المؤامرة. وأكدت السعودية أنها لن تتدخل في مسار سوق النفط، وأن الأسعار ستتركها للسوق، وسوف تحافظ على حصصها، ولن توافق على خفض حصتها من تصدير النفط، وأصبحت هناك حرب على التمسك بالحصص قاد إلى مزيد من الانخفاض في أسعار النفط.

إذا تأتي تلك الزيارة الضخمة إلى السعودية كإعلان عن مرحلة جديدة من الإستراتيجية الأميركية تجاه المنطقة تنهي إستراتيجية سابقة ستكشف الأيام المقبلة عنها.