زواج القاصرات بالمغرب، من يحرّض على تجاوز القانون؟

في الأصل هي محتاجة لأن تعيش طفولتها

تنامت ظاهرة زواج القاصرات في المغرب بشكل خطير. وتؤكد الإحصائيات العديدة أن تزويج الفتيات القاصرات مازال لا يراعي أحكام مدونة الأسرة التي تحصر سن الزواج في 18 سنة كسنّ قانونية له، الشيء الذي جعل النقاش يعلو في الآونة الأخيرة على عدة مستويات حقوقية وسياسية لكون الظاهرة تمسّ جوهر القانون الذي يحمي مركز الشخصية الإنسانية.

ويحصل هذا في المغرب، بعدما ترسخت فيه الحقوق والعلاقات الاجتماعية، وتكرس مبدأ المساواة بين الجنسين في مدونة الأسرة في الـ5 من فبراير/شباط 2004 كنتيجة واقعية ومنطقية لمجموعة ورشات ونقاشات ونضالات قامت بها الحركة النسائية المغربية وسياسيين ومثقفين وإعلاميين، وبعد أن جاء دستور 2011 ليعزز تلك الحقوق المساواة بين الجنسين.

وتحدد مدونة الاسرة سن الزواج لكل من الزوجين في 18 سنة وذلك كحصانة للأسرة وحماية لها من التفكك.

وينص أول بنود المدونة على أن "الزواج ميثاق تراض وترابط شرعي بين رجل وامرأة على وجه الدوام، غايته الإحصان والعفاف وإنشاء أسرة مستقرة، برعاية الزوجين..".

وكان البرلمان المغربي صادق في بداية العام 2014 بالإجماع على مقترح قانون يقضي بحذف الفقرة الثانية من الفصل 475 من القانون الجنائي التي تتعلق بزواج القاصر من مختطفها أو المغرر بها، وهذا يعتبر انتصارا للفتاة وحقها في الاختيار والعيش والتمدرس.

ولا يمكن فصل زواج القاصرات بالمغرب عن أسبابه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية إضافة إلى الفهم البسيط للدين الشيء الذي تكون عواقبه وخيمة على المدى البعيد على الأسرة والمجتمع.

ولا يمكن النهوض بوضعية الفتاة وحمايتها نفسيا واجتماعيا إلا إذا تغيرت الذهنيات البالية التي لا تولي أي اهتمام لمتطلبات تلك الفئة من البشر في التعليم والرعاية بجميع أشكالها، ولابد للدولة من بذل مجهودات إضافية لتحسين الوضعية الاقتصادية للأسر الضعيفة كشرط لمحاصرة هذه الظاهرة الخطيرة، فالدولة "مسؤولة على حماية حقوق الأطفال والنهوض بها" حسب الفصل 31 من الدستور المغربي.

كما ان "أن السلطات العمومية تحمي الأطفال مهما كانت وضعيتهم" حسب تصريح رشيدة الطاهري عضو لجنة العدل بالبرلمان والقيادية بحزب التقدم والاشتراكية المشارك في الحكومة.

وقد كشفت إحصائيات لوزارة العدل أن حالات تزويج القاصرات في المغرب قد ارتفع عام 2008 مقارنة بالعام 2007، حيث تم تزويج 31 ألف فتاة قاصر في 2008 مقابل 29 ألفا و847 حالة في 2007.

وتتفاقم هذه الزيادة مع زواج دون عقد شرعي أو وثائق قانونية، الشيء الذي يشكل إكراها قانونيا بالنسبة للمحاكم في التعامل مع مخلفات هذا الزواج، من أبناء يكون مصير آبائهم وأمهاتهم معقدا مثل عدم قدرتهم (الابناء) على الالتحاق بالمدارس لعدم ثبوت أسمائهم في السجلات المدنية.

وضروري هنا أن تكون لمنظمات المجتمع المدني أدوار متميزة وفعالة في تحسيس الأسر بخطورة هذه الظاهرة.

لقد حققت مدونة الأسرة الصادرة سنة 2004 تقدما استثنائيا على المستوى الإقليمي والعربي في مجال تعزيز احترام الحقوق الإنسانية للنساء ووضع الأسرة تحت مسؤولية الزوجين معا.

وتعتبر المادة 19 من المدونة المتعلقة بأهلية الزواج ثغرة وجب النظر في محتواها لمناهضة كل تأويل تعسفي يساهم في تزويج القاصرات ولكي تتلاءم مع مقتضيات الدستور.

ويعتبر إصلاح المدونة وسد ثغراتها ضرورة كبرى حان وقتها حتى تتمكن الفتاة من المساهمة الفعالة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية. ويكون هذا العمل بالتوازي مع توحيد المساطر في جميع محاكم المغرب حتى تكون شروط تزويج القاصر مقيدة وبلا استثناءات.

ويتعارض حزب العدالة والتنمية ذو المرجعية الإسلامية مع حليفه في الحكومة التقدم والاشتراكية حول المادة 20 من مدونة الأسرة، إذ أن الحزب التقدمي لا يوافق على تزويج الفتاة دون سن 18 سنة.

وتجيز المادة زواج القاصرات بإذن من القاضي، حيث تنص على أنه "يمكن لقاضي الأسرة المكلف بالزواج أن يأذن بزواج الفتى والفتاة دون سن الأهلية، بمقرر معلل يبين فيه المصلحة والأسباب المبررة لذلك، بعد الاستماع لأبوي القاصر أو نائبه الشرعي والاستعانة بخبرة طبية أو إجراء بحث اجتماعي".

وقد تقدم برلمانيون عن الفريق الاشتراكي بمجلس المستشارين بمقترح قانون سنة 2012 للتقليص من سلطة القاضي لتزويج القاصرات.

وقد أكدت رشيدة الطاهري على أن "التوافق الذي تم في العام 2003 حول سن 18 للزواج إذا نحن تراجعنا عنه إلى 16 سنة ستكون رسالة سلبية للمجتمع بأنه انتكاسة في مجموعة من المكتسبات متعلقة بالمساواة وعدم التمييز والمصلحة الفضلى للطفولة".

فزواج القاصرات وإنجابهن المبكر بحيث يصبحن أمهات طفلات، يقلص من فرص تعليمهن وتشغيلن. وحسب معطيات لوزارة الصحة المغربية فقد أنجبت سنة 2011 ما جموعه49 ألفا و676 فتاة تتراوح أعمارهن بين 15 و19 سنة، كما أن العنف ضد المرأة مازال متفشيا، خاصة بين الشباب حسب دراسة للمندوبية السامية للتخطيط أنجزت سنة 2009 حول العنف ضد المرأة المغربية.

فالطفلة التي يتراوح عمرها بين 12 و16 سنة وتصبح ببساطة مسؤولة عن عائلة وأطفال، هي في الأصل محتاجة لأن تعيش طفولتها وتتابع دروسها في أقسام المدرسة وأن تصان حقوقها بكل أبعادها الإنسانية والنفسية والجسدية.

وهذه مسؤولية الجميع وخصوصا لمن يتغاضى عن تزويجهن دون أسباب قانونية صارمة ومقنعة أو يستغل وضعيتهن لأغراض سياسية.

وقالت البرلمانية الطاهري في هذا الصدد إن حزبها "يرفض كل من يقحم قضايا حقوق الطفل في مزايدات سياسية، فمهمتنا هي حماية مستقبل حياة الأطفال لأنهم يعتبرون الموارد البشرية الحقيقية للتنمية ومرادنا المصلحة الفضلى للأطفال".