زواج الأطفال بين الشرع والقانون والطب

بقلم: رائد قاسم

يعتقد الكثيرون أن جواز زواج الأطفال حكم ثابت من أحكام الشريعة الإسلامية وان كافة المذاهب الإسلامية المعتبرة (خاصة المكونة منها اليوم للدين الإسلامي) تتفق على صحته، بيد انه من المعروف أن أحكام الشريعة الإسلامية القطعية والثابتة والتي تعرف بالبداهة عادة لم يحدث وان اختلف عليها فقهاء المذاهب، كحرمة الزنا واكل لحم الخنزير والميتة وشرب الخمر ولعب القمار، وغيرها من الأحكام الشرعية والعقائد والنظم الأخلاقية، التي تقول بها كافة المذاهب في الإسلام دون استثناء.
إن جواز زواج الأطفال يعد من أحكام الفقه وليس من أحكام الشريعة، والبديهي في الفقه ليس بالضرورة أن يكون بديهيا في الشريعة، بينما بديهيات الشريعة تعتبر من بديهيات الفقه، وكثرة القائلين بالجواز والحلية في أمر من أمور الفقه لا يعني القطع بصحته ومطابقته لأحكام الشريعة التي تحمل القطع واليقين، بينما تحمل أحكام الفقه الظن والتخمين.
إن مسألة جواز زواج الأطفال لم يجزها كافة الفقهاء، خاصة من فقهاء وعلماء أهل السنة. جاء في كتاب الأحوال الشخصية للإمام محمد أبو زهره: "ويجب أن أشير هنا إلى رأي عثمان البتي وابن شبرمه وأبي بكر الأصم، فقد قالوا إن ولاية الإجبار تكون على المجانين والمعاتيه فقط، ولا تكون على الصغار قط، فليس هناك ولاية زواج قط على الصغير، لان الصغر يتنافى مع مقتضيات عقد الزواج، إذ هو لا تظهر آثاره إلا بعد البلوغ، فلا حاجة إليه قبله، الولاية الإجبارية أساس تبوثها هو حاجة المولى عليه إليها، وحيث لا حاجة إلى زواج بسبب الصغر، فلا ولاية تثبت على الصغار فيه، وقد جعل الله سبحانه وتعالى بلوغ النكاح هو الحد الفاصل بين القصور والكمال، فقال تعالى: "وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم: "فقد جعل الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة بلوغ سن النكاح إمارة انتهاء الصغر، وإذن فلا ثمرة في العقد قبل البلوغ، لأنه عقد لا تظهر ثمراته قبل البلوغ، وفي إثباته قبله ضرر بالصغير، لأنه لا يستفيد من العقد، ويبلغ فيجد نفسه مكبلا بقيود الزوجية وهو عقد يستمر في أصل شرعته مدى الحياة" (الأحوال الشخصية الإمام محمد أبو زهرة ص 108).
وأما ما يستدل به على جواز زواج الأطفال كقوله تعالى: "واللائي لم يحضن" فقد جاء في بعض التفاسير إن المقصود بها هو النساء اللاتي بلغن سن المحيض ولم يحضن، وليس المقصود بها الفتيات الصغيرات، وأما الاستدلال بزواج النبي (ص) من السيدة عائشة بنت أبي بكر (رض) فان الروايات التاريخية متضاربة في شأن حال أم المؤمنين عائشة (رض) فبعضها وهي الغالبة تقول بأنه (ص) تزوجها وهي طفلة لم تبلغ السابعة ودخل بها في التاسعة، وبعض الروايات تقول بأنه تزوجها بعد بلوغها، والمعروف إن السيدة عائشة كانت المرأة البكر الوحيدة من بين أزواج النبي (ص)، ولعلها كانت من مختصاته، وان لم تكن كذلك فانه يمكن القول أن النبي (ص) بشخصيته البشرية المعتبرة عاش حياته ملتزما بأعراف وأنظمة الزمان الذي عاش فيه، والصحة والخطأ والإباحة والحرمة ترتبط بمعطيات الزمان والمكان، فالجاز ليس جائزا في ذاته، والحرام ليس حراما في ذاته، وإنما بأثره ونتيجة المرتبطة بالمكان والزمان، والتي يحددها العقل والأصول والمعايير الدينية والقانونية والقانونية والحقوقية والاقتصادية والصحية التي يقوم عليها نظام المجتمع وكيانه، فما كان معمولا به في زمن النبي (ص) بخلاف قطعيات الدين وثوابته التي لا تختلف من زمان إلى آخر ومن مكان إلى آخر، فانه لا يعول عليها وان كانت صادرة عن النبي (ص) أو احد من أهل بيته وصحابته، وإنما مرد إجازتها إلى الأثر والنتيجة، وعلى ذلك التزمت الدول الإسلامية مثلا – ومنها المملكة العربية السعودية - بتحريم وتجريم الرق والسبي وكافة أنواع العبودية، رغم أن الرق بأنواعه كان شائعا في زمن النبي (ص) والصحابة، ونزلت في ملك اليمين آيات بينات، إلا أنها كانت مرتبطة بظروف وملابسات ذلك الزمن، وقد كان الرق صحيحا وجائزا بمعطياته ومكوناته وليس جائزا في حد ذاته، فنحن في هذا الزمان بكل مقاييسه وأخلاقياته وقيمه وقوانينه نعتبر الرق والاستعباد من الجرائم والمحرمات التي لا يختلف عليها احد من العقلاء.
من ناحية أخرى ليس من المعقول إن الإسلام كآخر دين سماوي والذي جاء لتحرير الإنسان من العبودية وعبادة غير الله يجيز لإتباعه استعباد بعضهم البعض أو استعباد غيرهم من البشر، ولكن الاستعباد كان جائزا في ذلك الزمان لعلته وأثره ونتيجته ولكونه احد مكونات النسيج الاجتماعي والثقافي والسياسي في تلك العصور، لذلك فانه كان جائزا وعمل به النبي (ص) الصحابة والتابعين، وكذلك زواج الأطفال إن صح عن النبي (ص) وغيره من أهل بيته أو صحابته أو تابعيه أو جرت عليه سيرة المجتمعات الإسلامية، فانه كان مرتبطا بمعطيات تلك العصور وظروفها وطبيعة نظامها الاجتماعي، أما في عصرنا الراهن فان زواج الأطفال تبث له من الأضرار الصحية والنفسية والاجتماعية وما يشكله من انتهاك جسيم لحقوق الطفل الأنثى في المقام الأول، مما يحتم تحريمه وتجريمه، من ذلك ما نشرته صحيفة عكاظ السعودية من تحذير وزارة الصحة من مخاطر زواج القاصرات، وأن لجنة طبية في الوزارة أكدت حدوث أضرار صحية، جسدية ونفسية، نتيجة زواج القصر، وخلصت في تقريرها إلى أن هناك آثارا سلبية عديدة لمثل هذا الزواج أبرزها الآثار الصحية، وأن هناك أمراضا مصاحبة لحمل صغيرات السن منها؛ فقر الدم، الإجهاض، إضافة إلى ارتفاع حاد في ضغط الدم يؤدي إلى فشل كلوي ونزيف وحدوث تشنجات، وزيادة العمليات القيصرية نتيجة تعسر الولادات في العمر المبكر، وارتفاع نسبة الوفيات نتيجة المضاعفات المختلفة مع الحمل، إضافة إلى الآثار على صحة الأطفال منها اختناق الجنين في بطن الأم نتيجة القصور الحاد في الدورة الدموية المغذية للجنين، والولادة المبكرة وما يصاحبها من مضاعفات كقصور في الجهاز التنفسي لعدم اكتمال نمو الرئتين، واعتلالات الجهاز الهضمي، وتأخر النمو الجسدي والعقلي، وزيادة الإصابة بالشلل الدماغي والعمى والإعاقات السمعية، والوفاة بسبب الالتهابات، فضلا عما يسببه ذلك من حرمان عاطفي نتيجة فقدان حنان الوالدين والحرمان من عيش مرحلة الطفولة وهو ما يؤدي لتعرضها لضغوط وأمراض نفسية مثل الهستيريا والفصام والاكتئاب، وكذلك اضطرابات في العلاقات الجنسية بين الزوجين ناتجة عن عدم إدراك الطفلة لطبيعة العلاقة، وعدم تفهم الزوجة لما يعنيه الزواج ومسؤولية الأسرة والسكن والمودة، والإدمان نتيجة لكثرة الضغوط كنوع من أنواع الهروب.
كما كونت الوزارة لجنة أخرى خلصت إلى أن زواج الأطفال يسبب الكثير من الآثار والمضاعفات من أهمها:
1ـ اضطرابات الدورة الشهرية وتأخر الحمل.
2ـ الآثار الجسدية (تمزق المهبل والأعضاء المجاورة له من آثار الجماع)
3ـ ازدياد نسبة الإصابة بمرض هشاشة العظام وبسن مبكرة نتيجة نقص الكلس.
4- هناك أمراض مصاحبة لحمل صغيرات السن:
حدوث القيء المستمر عند حدوث الحمل لدى صغيرات السن- فقر الدم-
الإجهاض حيث تزداد معدلات الإجهاض والولادات المبكرة وذلك إما لخلل في الهرمونات الأنثوية أو لعدم تأقلم الرحم على عملية حدوث الحمل مما يؤدي إلى حدوث انقباضات رحمية متكررة تؤدي لحدوث نزيف مهبلي والولادة المبسترة (المبكرة) ـ ارتفاع حاد في ضغط الدم قد يؤدي إلى فشل كلوي ونزيف وحدوث تشنجات ـ زيادة العمليات القيصرية نتيجة تعسر الولادات في العمر المبكرـ ارتفاع نسبة الوفيات نتيجة المضاعفات المختلفة مع الحمل.
5- ظهور التشوهات العظمية في الحوض والعمود الفقري بسبب الحمل المبكر.
ومن آثاره على صحة الأطفال:
ـ اختناق الجنين في بطن الأم نتيجة القصور الحاد في الدورة الدموية المغذية للجنين.
ـ الولادة المبكرة وما يصاحبها من مضاعفات مثل: قصور في الجهاز التنفسي لعدم اكتمال نمو الرئتين. اعتلالات الجهاز الهضمي.
•تأخر النمو الجسدي والعقلي. زيادة الإصابة بالشلل الدماغي.
•الإصابة بالعمى والإعاقات السمعية. الوفاة بسبب الالتهابات.
ومن الآثار النفسية:
1ـ الحرمان العاطفي من حنان الوالدين والحرمان من عيش مرحلة الطفولة التي إن مرت بسلام كبرت الطفلة لتصبح إنسانة سوية لذا فإن حرمانها من الاستمتاع بهذه السن يؤدي عند تعرضها لضغوط إلى ارتداد لهذه المرحلة في صورة أمراض نفسية مثل الهستيريا والفصام، والاكتئاب، والقلق واضطرابات الشخصية.
2ـ اضطرابات في العلاقات الجنسية بين الزوجين ناتج عن عدم إدراك الطفلة لطبيعة العلاقة مما ينتج عنه عدم نجاح العلاقة وصعوبتها.
3ـ قلق واضطرابات عدم التكيف نتيجة للمشاكل الزوجية وعدم تفهم الزوجة لما يعنيه الزواج ومسؤولية الأسرة والسكن والمودة.
4ـ الإدمان نتيجة لكثرة الضغوط كنوع من أنواع الهروب.
5ـ آثار ما بعد الصدمة (ليلة الدخلة) وهي مجموعة من الأعراض النفسية التي تتراوح بين أعراض الاكتئاب والقلق عند التعرض لمثل هذه المواقف.
6ـ يشكل الخوف حالة طبيعية عند الأطفال ومن هم دون سن البلوغ كالخوف من الظلام والغرباء والبعد عن الوالدين.، ويزول هذا الشعور بعد مرحلة البلوغ لذلك فإن الخوف وما يترتب عليه قد يصاحب القاصر إذا تعرضت للزواج بهذا العمر.
7ـ الانغلاق اللا إرادي للمهبل لمن هن في عمر مبكر (وهو مرض نفسي ابتداء) ويزيد من احتمال حدوث ذلك وجود الخوف (القلق) من الشدة الجسدية من الزوج وهي حال مرضية تستدعي التدخل الطبي.
8ـ وجود قابلية للإصابة ببعض الأمراض النفسية خلال فترة النفاس (نتيجة احتمال إصابتها بأمراض نفسية قبل الحمل).
9ـ عدم اكتمال النضج الذهني فيما يخص اتخاذ القرارات وما يترتب عليها بالنسبة للعناية بالطفل وواجبات الزوج والعلاقة مع أقاربه.
ومن ألآثار النفسية على الأطفال لأم قاصر:
1ـ الشعور بالحرمان حيث إن الأم القاصر لا يمكن أن تقوم بعملها كأم ناضجة.
2ـ اضطرابات نفسية تؤدي إلى أمراض نفسية في الكبر كالفصام والاكتئاب نتيجة وجود الطفل في بيئة اجتماعية غير متجانسة.
3ـ تأخر النمو الذهني عند الأطفال نتيجة انعدام أو ضعف الرعاية التربوية الصحيحة حيث لا يمكن للأم القاصر أن تقوم بواجبها التربوي تجاه أطفالها.
ونتيجة للأسباب الأنفة الذكر:
فإن زواج القصر يكون أحد العوامل الرئيسة التي تساعد في ظهور مشكلات صحية ونفسية مما يؤدي إلى زيادة الأمراض في الأسرة والمجتمع وبالتالي تشكل عبئاً اقتصادياً على النظام الصحي.
إن بعض الدول المجاورة للملكة وضعت قانونا شاملا للأحوال الشخصية، وحددت فيه سن الزواج، بل وحددت التفاوت بين سني الزوجين بما لا يزيد عن عشرين عاما، وقد شارك في وضع هذه الأنظمة والقوانين رجال الدين، لذلك فانه من الضروري تكوين لجنة حكومية عليا من رجال الدين والقانون والحقوق والصحة والمجتمع من اجل بحث هذه القضية الحقوقية الخطيرة ونؤكد على :
1- ضرورة سن قانون شامل للأحوال المدنية يكون مرجعا مركزيا للمحاكم وأجهزة تطبيق القانون.
2- تحديد سن أدنى للزواج.
3- عدم التفريق بين أي زوجين رغم عنهما إلا وفقا لقانون الأحوال المدنية.
4- أن يشكل هذا القانون وفقا لثوابت الشريعة الإسلامية المتفق عليها، وان تراعى المصلحة في ما عداها وفقا لتقرير الخبراء في سلك الاجتماع والحقوق والقانون والنفس والدين، لكي يقترب القانون من إصابته للمصلحة والعدالة الفردية والجماعية. رائد قاسم