زمن المضطرين

قالوا لعدد من مزارعي المواد المخدرة في أفغانستان: أنتم الأفغان تعدون انفسكم الاكثر التزاماً بالدين الاسلامي وغلوا في التمسك به، من بقية الشعوب الاسلامية، ومع ذلك تمارسون زرع المخدرات والمتاجرة بها وقد حولتم بلدكم الى منتج ومصدر رئيسي للمخدرات في العالم، علماً ان الاسلام حرمها و منعتها القوانين الدولية، فلماذا لا تقلعون عن هذه التجارة المعيبة المهينة؟ فكان رد المزارعين اولئك عليهم: إذا تخلينا عن هذه المهنة فأن عوائلنا تموت من الجوع، لذا تجدوننا مضطرين لمزاولتها!

ويوماً بعد آخر ونتيجة لضغوط اقتصادية واجتماعية شتى تتقلص دائرة مكافحة المخدرات في العالم، فلقد خاضت الاورغواي في الاونة الاخيرة تجربة وصفت بغير المسبوقة، حين شرع مجلس شيوخها قانوناً يبيح انتاج المخدرات سيما التي من نوع الماريغوانا والمتاجرة بها وتقول الجهات الحكومية وعلى رأسها "الجبهة اليسارية" الحاكمة هناك، "إن الاورغواي اضطرت الى سن ذلك القانون بهدف انتزاع المتاجرة بها من المجرمين" راجع (المستقبل العراقي.العدد 634) ووفق خبر لهذه الصحيفة يتبين ان هنالك دولاً اخرى في اميركا اللاتينية ترغب في ان تحذو حذو الاورغواي. ففي راي قادة تلك الدول "ان اباحة بعض المخدرات وسيلة ممكنة لوضع حد للعنف الناجم عن تجارة الكوكائين".

لا شك ان الفقر الذي بدأ يشدد الخناق على كثير من شعوب العالم جعلتها مضطرة الى الاخذ بـ"الضرورات تبيح المحظورات" وها هي الدائرة تتسع لتشمل دولاً افريقية مثل نيجيريا على سبيل المثال التي فشلت فيها السلطات في وضع حد لانتشار تجارة المخدرات، فهاهم اصحاب المزارع يديرون ظهورهم لزراعة المحاصيل الاساسية التي تستخدم في صناعة الغذاء ويتجهون الى زراعة المواد المخدرة وبلغت مساحة الاراضي المزروعة بالمخدرات في هذا البلد الافريقي 1400 هكتار من القنب الهندي.

وبين حين وآخر نسمع عن حوادث مروعة على الحدود العراقية الايرانية من جهة محافظة السليمانية الكردستانية العراقية، تقع للمهربين من الكرد الايرانيين الذين اما ان يقتلوا بواسطة الالغام المزروعة على طول الحدود أو برصاص حرس الحدود الايراني.

وحين سألوا احد المهربين: "لماذا لاتترك هذه المهنة المحفوفة بالمخاطر"؟ اجاب: "ان اسرتي واطفالي يعيشون على مهنتي هذه، عليه تلقاني مضطراً الى مواصلتها"! وفي بعض الاوقات تقع اعمال قتل طائفية بحق عمال من المسيحيين والايزيديين الذي يعملون في النوادي ومحال بيع المخمور في الحانات بالعاصمة العراقية بغداد، حيث أصبحوا هدفاً سهل المنال للعصابات التكفيرية الارهابية. وعندما ينصحهم المرء بممارسة مهنة اخرى تقيهم من الموت، يأتيك الرد: "بسبب من كونها، المهنة، مصدر رزق لنا، فنحن مجبرون ومضطرون للتمسك بها وعدم التخلي عنها".

لقد اصبح المضطرون والمجبرون ظاهرة، وبمرور الزمن يتكاثر عددهم، فبعد ان كانت حالاتهم فردية في الماضي اصبحت الان جماعية ليس في بلدان الشرق الاوسط فحسب بل في بقاع اخرى من العالم ايضاً.

فبالقرب من السواحل الايطالية وفي بحر ايجة بين تركيا واليونان وعند مضيق جبل طارق وسواحل استراليا يموت سنوياً العشرات واحياناً المئات من المهاجرين الذين يتوجهون الى اوروبا من اسيا وافريقيا واستراليا، غرقاً في البحر.

وثمة حكايات تقشعر لها الأبدان عن ذبح طفل رضيع لكي لا يجلب صراخه انتباه حرس السواحل، او القاء رجل في البحر لكي تغتصب زوجته على يد قبطان السفينة، وفي كثير من الاحيان يلعب المهربون دور المخبر السري، فبعد قبضهم لأثمان نقل الافراد فأنهم سرعان ما يتصلون بالشرطة لتلقي القبض على اللاجئين والمهاجرين قبل واثناء نقلهم. واذ ينصحون المهاجرين غير الشرعيين بعدم مغادرة أوطانهم وعدم عرض انفسهم للتهلكة، فإنهم يجيبونك: "نحن مضطرون الى ركوب البحر والمخاطر، لأن العيش لم يعد ممكناَ في بلداننا، فالمرء اما ان يموت من الجوع أو برصاص الحكومة أو الثوار".

ان معظم المضطرين في العالم هم من القارتين الآسيوية والافريقية بدرجة رئيسة واميركا الجنوبية بدرجة ثانية، كما ان القلوب الاكثر خلوا من الرحمة والشفقة ومن كل القيم الانسانية النبيلة هي قلوب المهربين سواء الذين يمارسون التهريب في البر أو البحر، والحوادث الدموية غالباً ما تقع على الحدود بين البلدان.

وعلى ذكر الحدود، فان الحدود الاميركية المكسيكية، تشهد باستمرار تسللاً من جانب تجار المخدرات ومهربي البشر وما ينجم عنه من عنف واعمال اجرامية ودموية والتي باتت تقلق الولايات المتحدة حكومة وشعباً، ونقف على الحجم الهائل للمضطرين والمجبرين في تلك الحدود من خلال قيام الولايات المتحدة بجرد قوة عسكرية كبيرة ودائمة تتألف من اكثر من 6000 جندي مزودون بالمروحيات واشكال من الاسلحة، ومع ذلك تحصل حوادث تسلل وعنف، فذبح للبشر واحراق لأجسادهم على غرار ما يحصل على يد الجماعات التكفيرية في الشرق.

وتجد بعضاً من البشر من المضطرين يقدمون على ارتكاب معاصي حرمها الدين، ليس نتيجة لضغوط سياسية أو إجتماعية انما لضغوط من الطبيعة.

قال جهادي كردي من المغرر بهم، انه بعد تلقيه لتدريبات على السلاح والقتال في افغانستان بمعسكرات القاعدة، ارسل الى الشيشان لمقاتلة الروس، إلا انه لم يمضِ طويل وقت على مكوثه في الشيشان، واذا به يفر ويعود الى اهله وقريته بعد أن حلق ذقنه، ولما سألوه عن التغير المفاجئ في موقفه، اجاب، بانه التحق بالقاعدة بدافع ديني اسلامي، لكنه فوجئ بالشيشانيين كيف انهم وبعد صلاة العشاء كانوا يتعاطون شرب الخمور واحتج على ذلك قائلاَ: "ان الاسلام حرم الخمر" فردوا عليه بانهم مضطرون الى شرب الخمر قائلين "لولا الخمر لمتنا من البرد"!

ويكبر جيش المضطرين مع تنامي الفقر والظلم في العالم وفي احدث احصائية ان هناك 45 مليون لاجئ في العالم وهؤلاء ايضاً من المضطرين.