زلزال فلسطين الانتخابي: 74 مقعدا ارتداديا على مقياس حماس

بقلم: د· خليل حسين

غريب المفارقات في أي نتائج انتخابية أن يتحول النصر إلى وعد بالهزيمة، وربما يكون هذا المشهد مألوفا باعتبار أن الوعود الانتخابية شيء وممارسة السلطة شيء آخر، إلا أن ما تواجه به حركة حماس أقسى مما هو معتاد، ففي اللحظة الأولى لإعلان النتائج أسئلة كبيرة صبّت بمجملها حول قدرة حماس على ترجمة هذا النصر الذي يعتبر غير مسبوق في تاريخ الانتخابات العربية لا سيما في ما يختص بحركة إسلامية حديثة العهد مقارنة بغيرها، فهل يصح القول أن زلزالا سياسيا قد ضرب الحياة الانتخابية والسياسية الفلسطينية؟ وهل يجوز القول أن الهزات الارتدادية التي ستتبعه هي التي ستحدد مصير برنامج حركة حماس في الداخل والخارج، وبالتالي ما هي انعكاسات هذا الفوز الساحق على الخارج الفلسطيني وتحديدا الإسرائيلي؟ وما هي الآثار المحتملة في التداعيات التي ستتركها على مجمل وضع الحركات الإسلامية في الدول العربية في وقت تشهد تصاعدا ملحوظا وملفتا؟
في هذا الإطار يمكن تسجيل العديد من الملاحظات والأسئلة والاستنتاجات أبرزها:

بصرف النظر عن النتائج ودلالاتها وانعكاساتها اللاحقة فلقد اثبت الشعب الفلسطيني مرة أخرى انه قادر وتحت أي ظرف من الظروف ممارسة حقه الطبيعي في اختيار قادته، بشفافية مطلقة وفي اطر قانونية محددة وممارسة ديمقراطية واضحة لا لبس فيها قلما وجدت حتى في الدول التي تصدر الديمقراطية لغيرها من الشعوب ولو بالقوة·
إن فوز حماس الساحق بـ 76 مقعدا أي نسبة 60% من مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني، لا يعني فوزا لحماس فقط بل يعني أيضا هزيمة ساحقة لحركة فتح والسلطة الفلسطينية وضربة موجعة لفترة امتدت أربعين عاما من سيطرة حركة فتح على واقع الشعب الفلسطيني، وانتقادا لاذعا جدا بل مدمرا لمنهج فتح في ممارسة السلطة وهو بمعنى من المعاني عقاب واضح لـ "فتح" على سياساتها في المرحلة السابقة بكل سلبياتها وعثراتها، بدءاً من اتفاق اوسلو وانتهاء بالفوضى والفلتان الأمني مروراً بالفساد المالي والإداري وهدر المال العام التي لم تؤثر في صورة الحركة ومناقبيتها فقط، وإنما في صورة الشعب الفلسطيني كشعب يمكن أن يحكم نفسه بنفسه ضمن القوانين الإدارية والديمقراطية السليمة·
إن الفوز الساحق لحماس يعني أن مرحلة جديدة في الحياة السياسية الفلسطينية ستظهر بصرف النظر عن النجاحات الممكنة أو الفشل المحتمل، وفي مطلق الأحوال ثمة اعتراف بوجوب الموافقة على البرنامج الانتخابي للحركة والذي طغى عليه الطابع الداخلي، مع حديث عام عن المقاومة كأساس للمشروع الوطني الفلسطيني·
بيد أن حماس ستكون مطالبة بتوضيح كيفية الملاءمة بين الإصلاح والمقاومة، وكيف يمكن تكريس مقولة أن الإصلاح جزء من المقاومة الشاملة التي ستتبعها الحركة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي· كما ستكون حماس مطالبة بتوضيح مشروعها السياسي العام والإجابة عن الأسئلة الخاصة بعملية التسوية والمفاوضات مع إسرائيل وجناحها العسكري وعمليات المقاومة وما إلى ذلك من تفاصيل الواقع المعقد للساحة الفلسطينية·
إن قراءة الخريطة الانتخابية وتداعياتها الآنية تشير إلى تولي حماس السلطة منفردة إذا ما استمرت فتح برفضها المشاركة في حكومة ائتلافية، ما يعني إمكانية التفرد بالسلطة والقرار وما له من محاذير على الحياة السياسية والحزبية الفلسطينية، وبالتالي أحقية التساؤل عن الأسباب الحقيقية للسقوط المدوي لباقي الفصائل الفلسطينية·
-إن حجم النجاحات المحققة ربما سيقضي على النظام الانتخابي الذي اخذ بمبدأ النسبية والمناطق الجغرافية في آن معا، والذي كان أيضا يشكل مصلحة حماس من الناحية العددية، فلو تمّـت الانتخابات على أساس النسبية دون الجغرافية لكانت النتائج متقاربة بين فتح وحماس مع تسجيل أفضلية للثانية على حساب الأولى·
-يجب عدم إغفال أن الانتخابات جرت في الداخل الفلسطيني فيما لم يشارك فلسطينيو الشتات الذين يشكلون 60% من الشعب الفلسطيني الأمر الذي يستلزم البحث عن الآليات الكفيلة بإتاحة الفرصة لهؤلاء للتعبير عن إرادتهم السياسية والحزبية عبر إعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني مناصفة بين الداخل والخارج على أن يتولى المجلس اختيار لجنة تنفيذية جديدة لمنظمة التحرير مع الأخذ في الاعتبار المزاج الشعبي وموازين القوى الحالية·
- إن ابرز ما يمكن الالتفات إليه هو رد الفعل الإسرائيلي أي بمعنى كيف سيؤثر فوز حماس على التوجه الاستراتيجي الإسرائيلي في الشهور الأخيرة الذي تبنى سياسات أحادية ومحاولة رسم الحدود مع الكيان الفلسطيني من جانب واحد وفق ما تقتضيه المصالح الأمنية والاستراتيجية الإسرائيلية كما جرى في غزة، وترقّب كيف سيؤثر التطور الفلسطيني الأخير في السياسات الإسرائيلية وهل يؤدي ذلك إلى مزيد من الخطوات الأحادية أم أن إسرائيل لن تتحمل سيطرة حماس على الأراضي الفلسطينية، ما سيستفزها إلى سلسلة من ردود الأفعال والتصرفات التي قد تصل حد الاحتلال المباشر لقطاع غزة من جديد والضفة الغربية· وهذا يضيف سؤالاً آخر إلى الأسئلة الكثيرة الصعبة المطلوب الإجابة عنها، وهو: كيف يمكن مواجهة الحركة السياسية الأحادية الإسرائيلية؟ وفي المقابل ما هي معالم السياسة الأحادية الفلسطينية التي يجب إتباعها لتحقيق اكبر قدر ممكن من المصالح الفلسطينية مع اقل قدر ممكن من الخسائر والأضرار المحتملة؟
- إن ابرز التداعيات الخارجية ستكون بمستوى التأثير في الواقعين الإقليمي والدولي· ففوز حركة حماس أتى في ظل مد شعبي كبير باتجاه الحركات الإسلامية في الدول العربية ما يشكل رافعة قوية لهذه التنظيمات في الاستمرار في مواقفها ومواقعها، الأمر الذي سيتناغم مع العديد من مشاريع الممانعة والمقاومة في لبنان وغيره، كما سيشكل هذا الفوز أثرا هاما في عرقلة إن لم يكن أفول مشروع الشرق الأوسط الكبير·
لقد أرادت حماس أن تكون مشاركة في صناعة القرار الفلسطيني، وأن يكون لها صوت قوي، وربما إلى درجة شبه فيتو في المجلس التشريعي، وأن تشكل رقيباً فاعلا على أداء السلطة· لكن ليس أن تؤول إليها صناعة القرار الفلسطيني كاملا في مرحلة صعبة وحاسمة· ربما أقسى ما أرادت حماس من مشاركتها في الانتخابات أن تتخلص من مأزق وجدت فيه، تحالفات إسرائيل والسلطة والمناخ الإقليمي والدولي المناوئ لها، واتساع نطاق الشعبية ما يتطلب منها اتخاذ خطوة جديدة كالانتخابات لاستيعاب ذلك وامتصاصه·
لقد باتت حماس مسؤولة عن الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، بفقره وانخفاض مستوى دخله وارتفاع معدل البطالة، والشعور بالتهميش الاجتماعي المنتشرة في أوساطه· وصارت مسؤولة عن إدارته السياسية حاليا ومستقبلاً في ما يتعلق ببرنامجه الوطني، بدءاً من مقاومة جدار الفصل العنصري، وتفكيك المستوطنات، إلى صوغ خطوط الحل النهائي·
وصارت مسؤولة أيضا عن عشرات الألوف من رجال الأمن والمخابرات والأمن الوقائي الفلسطيني برواتبهم المرهقة، وأجهزتهم البيروقراطية، وعن ملفاتهم السرية التي احتلت حماس وأفرادها جزءاً مهماً منها.
وصارت مسؤولة عن وزارت مترهلة تنخر فيها المحسوبيات وتعج بالبطالة المقنعة والتذمر، وتحتاج إلى موازنات شهرية تأتي من الاتحاد الأوروبي وصارت مسؤولة عن عشرات السفارات الفلسطينية في الخارج، وعن أجنداتها الديبلوماسية، وعن سفرائها، الذين سيطلبون من حماس تزويدهم ببرامج سياسية وتوجيهات عن كيفية التعامل مع العالم من وجهة نظر حماس بغية حشد التأييد لفلسطين·
وصارت مسؤولة عما يقارب عشرة آلاف أسير فلسطيني ظلت تلوم السلطة الفلسطينية لأنها لم تعمل ما يجب للإفراج عنهم· وصارت مسؤولة عن اقتصاد فلسطيني محاصر، بل يمكن خنقه تماماً من جانب إسرائيل التي تسيطر على حركة المال الفلسطيني· وصارت في مواجهة تحديات، بل تهديدات، من دول العالم ومنظماته بأن تعلن مواقف واضحة من الاعتراف بإسرائيل، والمفاوضات، والمقاومة المسلحة!
إضافة إلى ذلك باتت حماس مسؤولة عن الرد على الموقف الإسرائيلي إزاء وجودها على رأس السلطة، وهو موقف لم يتضح بعد· مثلاً، هل ستسمح إسرائيل لسياسيي حماس بالتنقل بين الضفة والقطاع؟ هل ستسمح لهم بالسفر إلى الخارج؟ كيف سيكون رد حماس إذا استمرت إسرائيل في سياسة إغتيال قادتها العسكريين؟ هل ستنفذ حماس عمليات استشهادية في قلب المدن الإسرائيلية؟ هل ستحسب حساب الاجتياحات الإسرائيلية الثأرية؟ ولو جددت حماس الهدنة، بهدف تجنيب الفلسطينيين أية اجتياحات من قبل الجيش الإسرائيلي، ماذا سيكون موقفها مع الفصائل الأخرى: الأقصى أو حركة الجهاد الإسلامي اذ لم تلتزم بقراراتها؟
أسئلة كثيرة وكبيرة تطرح نفسها بحاجة ماسة للإجابة عنها فالوضع الفلسطيني وما يمر فيه وضع دقيق، فإما أن تكون حركة حماس على مستوى المسؤولية التي وضعت فيها وإما ينبغي البحث عن حلول تكفل مسيرة نضال الشعب الفلسطيني لتحقيق أحلامه·
صحيح أن تجربة حماس ستكون فريدة من نوعهاـ إلا إن التحدي الكبير هو في إثبات مقدرتها على هذا الحِمل الهائل الذي وجدت نفسها به·
ومهما يكن من أمر فان مسيرة نضال الحركات التحررية وشعوبها هي مسيرة شاقة ومزروعة دائما بالأشواك لا بالورود وبالتالي هي أمور يجب أن تكون محسوبة النتائج، فهل سيكون زلزال فلسطين الانتخابي وارتداداته الداخلية والخارجية نذيرا لكل شعوب المنطقة ومثالاً يُحتذى به، أم أنها تجربة سيتم القضاء عليها في مهدها عبر إفشالها إما في ممارسة الحكم عبر عدم التعاون معها، أو إيصالها إلى مكان التصادم الداخلي؟
في مطلق الأحوال ثمة ظروف خارجية ستلعب هي أيضا أدوارا هامة في الوضع الفلسطيني ووصول حماس إلى السلطة ومنها مصير ونتائج الانتخابات الإسرائيلية القادمة، فهل سيكون التأثير متبادلا؟ أم أن صدمة الشارع الإسرائيلي بفوز حماس سيساعد شارون في إيقاظه من سُباته العميق؟ أسئلة محيرة تبحث عن إجابات سريعة ومقنعة· د·خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
رئيس مصلحة الدراسات في مجلس النواب اللبناني