زلزال ستراوس-كان، ضرب الاشتراكيين وأفاد العرب

بقلم: أسعد حيدر

اذا كانت فضيحة دومنيك ستراوس-كان الجنسية، قد اصابت البنك الدولي بصاعقة، فانها اوقعت زلزالا سياسيا غير مسبوق في فرنسا، ذلك ان "د.س.ك" كما يطلق عليه في فرنسا كان مرشحا رئاسيا بارزا يتقدم بشعبيته على مختلف المرشحين من اليمين واليسار معا، وعلى رأٍسهم الرئيس – المرشح المحتمل نيكولا ساركوزي.

دومنيك ستراوس نزل من ناطحة السحاب التي كان يقيم فيها حيث يترأس اكبر المؤسسات المالية في العالم، الى زنزانة السجناء المتهمين بالجرائم الجنسية في هارلم. رحلة الانهيار المريع التي قام بها ستراوس-كان لها بدياتها الفرنسية. ربما المواقع الرسمية التي سبق وشغلها في فرنسا حيث تولى وزارة الاقتصاد لسنوات عدة في حكومة ليونيل جوسبان في عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران والتي ابرزت كفاءته الاقتصادية العالية حمته مرات عديدة من عدة فضائح مالية وجنسية سقط فيها، لكن ايضا ربما لان الفرنسيين ليس من عادتهم الاهتمام "بالزلات الجنسية" التي يعتبرها الاميريكون جرائم يعاقب عليها القانون بشدة، ساهم في هذا لانحدار نحو الهاوية.

ستراوس-كان حاول في الفندق الذي كان يقيم فيه في نيوروك الاعتداء على احدى الخادمات التي نجحت في التخلص منه رغم انه كان عاريا. الخادمة خرجت مولولة في الفندق مما دفع الشرطة للقدوم والتحقيق معها في الوقت الذي كان مدير البنك الدولي يهرب من غرفته تاركا ثيابه وهاتفه النقال. لو كان شخصا غير ستراوس-كان، لكان من السهل نفي وقوع مثل هذه الحادثة مع شخص بهذا الموقع وهذه المسؤولية. لكن المشكلة انه قبل سنوات حاول الاعتداء على صحافية شابة صديقة لابنته، ويبدو ان ضغوطا عديدة عائلية وغير عائلية مورست على الصحافية فلم تتقدم بشكوى رغم اعترافه بذنبه وإعتذاره العلني. ايضا مسار حياته اليومية عليه ألف سؤال وسؤال، فقد التقطت له قبل اسبوع من الحادثه صورة وهو يصعد في سيارة بورش، وتبين لاحقا ان السيارة يملكها صاحب مؤسسة مالية ضخمة لها علاقات مع البنك الدولي مما اعتبر في باريس استغلالا للنفوذ، وهذه في فرنسا تعتبر من اكبر "الجرائم" بعكس الجرائم الجنسية.

البنك الدولي سارع الى تعيين نائب د.س.ك مديرا مؤقتا بانتظار تعيين مدير اصيل لانه كما يبدو مهما كانت نتيجة التحقيق لن يعود ستراوس-كان الى موقعه السابق.

اما في فرنسا فأن الزلزال ضرب اولا الحزب الاشتراكي بقوة 9 درجات على 10 من مقياس ريختر كما يقال، ذلك ان الحزب الاشتراكي الذي يستعد لاجراء انتخابات اولية داخل قواعده في نهاية الصيف القادم لاختيار مرشح الحزب بدا الاكثر احراجا. ستراوس-كان كان المرشح البارز المرجح فوزه بالاغلبية على منافسية الثلاثة؛ فرنسوا هولاند الامين العام السابق، وسيغولان رويال المرشحة السابقة للرئاسة والخاسرة امام الرئيس نيكولا ساركوزي والامينة العامة الحالية للحزب، ومارتين اوبري إبنة الشخصية الفرنسية المعروفة الذي رفض أن يترشح الى الرئاسة رغم أنه كان نجاحه مضمونا مما فتح الباب أعلى مصراعيه أمام جاك شيراك للفوز.

السؤال الان منْ سيستفيد من سقوط ستراوس-كان من بين المرشحين الثلاثة؟ المنافسة الحقيقية هي بين الامين العام الحالي اوبري والامين العام السابق هولاند. المشكلة ليست هنا بل هي في كيفية لملمة الحزب الاشتراكي للخسائر الناتجة عن الزلزال، وتحصين نفسه ضد الزلازل الارتداتية التي يمكن ان تنتج عن ردات الفعل داخل الحزب اولا وبين الفرنسيين ثانيا، لذلك حاول اركان الحزب التخفيف من ردة فعلهم والمطالبة بالتحفظ في ردات الفعل بانتظار ظهور الخيط الابيض من الخيط الاسود في الاتهام الموجه الى ستراوس-كان.

بعض المتشددين داخل الحزب الاشتراكي صرخوا بان ما جرى مؤامرة مكشوفة ضد ستراوس-كان. فالجميع يعرف ضعفه امام النساء مما يعزز فرضية المؤامرة برأي هؤلاء، لان فضيحة سيارة البورش وراءها قصر الاليزيه كما يقولون خصوصا وان الرئيس المرشح نيكولا ساركوزي هو المستفيد الاكبر من غياب ستراوس-كان، علما أن مشكلة ساكوزي الأولى هي فيه اولا لأن شعبيته في الحضيض وفي معسكره حيث ينفض المؤيدين له من حوله وأبرز المنفصلين عنه مؤخرا زعيم الحزب الراديكالي جان لويس بورلو الذي كما يبدو سيكون أبز منافسيه داخل معسكر اليمين.

كما يقال "مصائب قوم عند قوم فوائد" ذلك ان العرب وقضاياهم يكسبون من سقوط دومنيك ستراوس- كان عن الترشح للرئاسة واحتمال فوزه لانه بالنسبة لاسرائيل والعلاقة معها يقف على يمين الرئيس نيكولا ساركوزي وهذا ثابت ليس من اسمه وعائلته فقط بل من التزامه القديم والجديد بإسرائيل.

أسعد حيدر