زرع..حصد..الإرهاب ملة واحدة

بقلم: إبراهيم الهطلاني

للإرهاب ألف باب واكثر من سبب و العنف لا يولد من عدم ولا يحدث من فراغ، إن الدماء التي تسيل في مشارق الأرض ومغاربها والتدمير الذي تشهده مدن العالم إنما يعبر عن نتيجة إنسانية طبيعية وسنة كونية ورد فعل متوقع لما يشهده الإنسان ويعانيه من ظروف قاسية وجرائم وانتهاكات لحقوقه الطبيعية.
إن الظلم والفقر والاعتداءات والاعتقالات الأمنية وما تصاحبها من ممارسات للتعذيب والاغتصاب والانتهاكات لكرامة الإنسان تصنع لنا قلوبا كارهة للحياة وأجسادا مفخخة وعقولا لا تفكر إلا بالانتقام.
بكل بشاعة وجبروت وانغماس وتوحد بل واستحضار حيواني متوحش مارس بعض الجنود الأمريكيون مع أسراهم العراقيين ابشع أنواع التعذيب والتنكيل داخل سجن أبو غريب لقد اقشعرت جلودنا من تلك الصور التي أرخت وأثبتت تلك الممارسات وأكدت المدى الذي وصل إليه ذلك الجندي من تردي أخلاقي وانحدار سلوكي، ممارسة التعذيب على إنسان معتقل محروم من ابسط أشكال الحياة الإنسانية هو تصرف ترفضه الفطرة الإنسانية السوية وتستهجنه العقول والضمائر الحرة وهو إجراء غير قانوني ويتنافى مع ابسط الشرائع والقوانين الدولية واقل ما يجب علينا فعله هو رفض هذه التصرفات بشكل علني وواضح ونشرها عبر وسائل الإعلام وفضح القائمين عليها بأسمائهم ومناصبهم والمطالبة بمحاكمتهم ومحاكمة رؤسائهم حتى يكونوا عبرة لمن خلفهم ولمن يفكر في أي وقت استغلال سلطته بهذه الطريقة المقززة والظالمة لبعيد أو قريب.
استنفرت الإدارة الأمريكية كل طاقاتها وأجهزتها لمواجهة الحملة الإعلامية والسخط الداخلي والخارجي نتيجة لما نشر عن المعاملة السيئة التي يلاقيها المعتقلون العراقيون على أيدي الجنود الأمريكان في العراق، إنها اكبر أزمة تواجهها الإدارة الأمريكية الحالية ومازالت قابلة للتطور والتوسع لتعدد أطراف القضية ولوجود اكثر من جهة لها مصلحة في تفاقم المشكلة من داخل الولايات المتحدة الأمريكية (الديموقراطيون)ومن خارجها وفي مقدمة المستفيدين (خارجيا) من هذه المشكلة هي الأنظمة العربية المستاءة والمتضررة من المطالبات الأمريكية للإصلاح خاصة بعض المحيطين بالعراق.
ركزت الحملة الأمريكية الرسمية المضادة على تحديد وتحجيم المسؤولية في قضية أبو غريب والتأكيد على سمو الحضارة الأمريكية ونزاهة الفكر الأمريكي الرافض للعنف واستمرار الدور الأمريكي الرسمي والشعبي في المحافظة على حقوق الإنسان ومطالبة الأنظمة والثقافات الأخرى بتحسين سجلاتها في هذا المجال.
ومع يقيننا بان أي إجراء قانوني أو حكم قضائي أو اعتذار رسمي أو شعبي لاحق لن يعيد الكرامة لمعتقلي أبو غريب ولن يصلح الأنفس التي حطمها أولئك الجنود المهووسون حتى وان نشرت بياناتهم عبر وسائل الإعلام إلا أن الأمانة والعدل مع الذات والآخر تقتضيان منا الاعتراف بحجم الأسى والرفض الذي أظهره الرأي العام الامريكي لتلك الأحداث وردت فعل المؤسسات الإعلامية والشعبية والسياسية عكست بعض القيم الأخلاقية والإنسانية فيما يخص بحقوق وكرامة وحرية الإنسان بصرف النظر عن انتماءاته وثقافته.
فإذا علمنا أن الذي صور تلك الممارسات والجرائم هو جندي أمريكي والذي نشرها هو الإعلام والصحافة الأمريكية والذين استجوبوا القيادات الأمريكية هم نواب الشعب الأمريكي ومؤسساته التشريعية، والقيادات الأمريكية اعتذرت ومازالت تعتذر والكل يخضع للمساءلة القانونية عندئذٍ تصبح تساؤلاتنا عن مصير سجناء الرأي والمعارضين السياسيين داخل السجون العربية مشروعة وإصرارنا على فهم الحقيقة خطوة منطقية وواقعية، فهل تجرأ جندي ما في معتقل عربي على تصوير شئ مما يحدث أمامه ويمارس في حق مواطنيه؟ وهل قامت الصحف العربية الوطنية بنشر مقال أو تحقيق عن أهوال الذوق العربي الرسمي مع المعارضين خلف القضبان؟ وكم عدد المسؤولين في أجهزة الأمن العربي الذين تم استجوابهم ومحاكمتهم؟ لم نسمع أي اعتذار رسمي بل ترقيات وحوافز ومزيدا من النفوذ.
إن الاعتداء على الآمنين ومهاجمة المدنيين وتفجير المنشآت هو عمل مدان ومرفوض سواء قام به فرد أو جماعه وهو عمل إرهابي لا يختلف كثيرا عن الإرهاب الذي تمارسه أجهزة الأمن في المعتقلات العربية ضد المعارضين السياسيين وسجناء الرأي.
الغرب والشرق يتخذ من الحرب على الإرهاب سببا ومطية للسيطرة وبسط النفوذ إلا أن الآخر أو المستهدف من تلك الحرب يختلف من عقلية لأخرى، فالعقلية أو الادارة الأمريكية على سبيل المثال تستخدم عنوان محاربة الإرهاب لتأكيد السيطرة وتوسعة النفوذ في العالم وإخضاع بقية الثقافات لما تقتضيه المصلحة الأمريكية العامة وأحيانا الخاصة، بينما تستخدم العقلية الحاكمة في الدول العربية نفس العنوان لزيادة السيطرة الأمنية على الأوضاع الداخلية وتصفية الحسابات مع المعارضة الوطنية.

وفي نفس المشهد تقف الإدارة الأمريكية موقفا متطرفا فهي لا تسمح لأي دولة ولا لأي ثقافة خارجية بسلوك آخر إما معها أو ضدها بينما يحق للمواطن الأمريكي ما لا يحق لغيره من عدل وحرية وكرامة وفي الطرف المقابل وبنفس المنطق لا تسمح العقلية العربية المتنفذة لأي تفكير داخلي بالخروج عن الممر المرسوم من قبل السلطة أو أي محاولة لمعرفة الحقيقة المحددة، وعلى قدر العجز العربي الرسمي أمام التوجيهات الخارجية يمارس الرسميون العرب كل قوتهم وكل أساليب التوجيه ولغات الضغط للبقاء في السلطة لأطول فترة ممكنة بغض النظر عن رغبات ومصالح الشعوب.
نحن نتفق على أن القوات الإسرائيلية المحتلة تقوم بأعمال إجرامية ضد الفلسطينين المقاومين للاحتلال كما أننا نتفق على أن القوات الأمريكية المحتلة تمارس العنف ضد المقاومة العراقية لكننا لم نسمع أن أجهزة الأمن الإسرائيلية تعتقل وتعذب مواطنا يهوديا لأنه معارض لسياسة الدولة أو لان له موقفا سياسيا مغايراً لسياسة الحزب الحاكم بل نسمع ونشاهد رئيس الوزراء الإسرائيلي يتعرض بشكل يومي للانتقاد والسخرية في الأماكن العامة وأمام وسائل الأعلام وكذلك لم نسمع ولم نشاهد أجهزة الأمن الأمريكية تعذب وتغتصب أمريكيا معارضا سياسيا أو صحفيا لان المواطن في تلك المجتمعات يعتبر عنصرا فعالا له رأي ودور وقيمة وفي المقابل هناك الكثير من قصص التعذيب في الدول العربية أبطالها كلهم عرب نشرت بعضها ومازال بعضها معتقلا مع أصحابها ودفنت كثير منها مع الموتى.
إما أن تكون مع القوة المسيطرة أو مع الإرهاب، ألا يوجد خيار آخر؟ ألا يوجد فريق للحق والمنطق والسلام يسلك بنا طريقا وسطا بين قهر السلطة وعنف الإرهاب؟.
إن شواهد الأحداث ووقائع التاريخ تؤكد على أن إرهاب الجماعات والأفراد هو ابن شرعي للإرهاب الرسمي وكل الإرهاب ملة واحدة.

إبراهيم الهطلاني Hemah99@hotmail.com