زحف المغول الثقافي: هل يقضي المهاجرون على الحضارة الأوروبية؟

بقلم: نضال نعيسة

ناضلت الشعوب الأوروبية، ضد الإقطاع والاستبداد السياسي، والطبقات الكلاسيكية والبورجوازية المسيطرة، وضد الكهنوت الديني الظلامي المطلق، طويلاً إلى أن وصلت إلى هذا الشكل المجتمعي والسياسي والإداري المتميز، بحيث أصبحت قبلة لكل شعوب الأرض، تقبل عليها من كافة الأصقاع علها تحظى بموطئ قدم في هذا النعيم الدنيوي المقيم، تاركين وراءهم شعوذات بلدانهم وأساطيرهم الكاذبة عن النعيم والفردوس المفقود. وتشكل اليوم الجاليات المهاجرة أرقاماً، ومعدلات نمو سكاني باتت تهدد الوضع الديمغرافي للشعوب الأوروبية التي لا تتكاثر إلا وفق دراسات مستقبلية تضع في حسبانها العامل الاقتصادي والتربوي والأسروي، فيما الجاليات المهاجرة تتوالد وتتكاثر بطرق عشوائية، ومن دون حسابات واعتبارات لا آنية، ولا مستقبلية، أي وكما يقال بالعامية، على "السبحانية"، ونفس هذا الأمر "السبحانية" هو ما أدى للكوارث المجتمعية والسياسية والاقتصادية التي جعلتها تفر من بلدانها بالقوارب، وتحت جنح الظلام. وكل هذه العوامل والتهديدات المادية قد لا تشكل أية أهمية تذكر فيما لو قورنت بالتهديدات الثقافية التي قد تقلب المعبد الحضاري الأوروبي على رؤوس شعوبه.
وقد تكون القيم التي صنعت أوروبا، ونهضت بها، ونعني بها قيم التسامح والتعايش والتنوير والعلمانية واحترام الحريات العامة وتقديس الفرد لا الجماعة، وحقوق الإنسان، هي ذات السبب الذي سيقوض ويقضي على هذه الحضارة كون احترام هذه القيم من قبل الحكومات والشعوب الأوروبية قد سمح بتغلغل ونفوذ أكبر للجاليات غير الأوروبية، والتي لا يشارك بعضها الأوروبيين وبكل أسف بقيم التعايش والتسامح ذاتها. ولذا فالعلمانية، وهذه الحال، قد تكون عاملاً مساعداً للسلفيات، والأصوليات، والثقافات الهمجية للنمو والازدهار والانتشار، وهذا هو مقتل العلمانية الأول الذي يجب أن يتنبه له رموزها وفلاسفتها ومنظروها الكبار. فالعلمانية المتسامحة تحمل بذور خرابها واندثارها وزوالها. وحين نرى بعضاً من رموز الثقافات الهمجية يطنطنون من قلب أوروبا ويستفيضون بنشر أفكارهم الهدامة وسمومهم القاتلة ندرك أي مأزق وصلت إليه العلمانية. والأمر لا يتوقف ها هنا، بل نرى بعضاً من الكتاب، وممن ينسبون أنفسهم لليسار والتمركس، ينافسون رموز الثقافات الهمجية في تقويض العلمانية من حيث دفاعهم عن قيم التعصب والانغلاق والتحجر والظلامية، ويا ليت الأمر يتوقف فقط عند رموز ونشطاء الأفكار والثقافات الهمجية.
وبالأمس القريب، وهذا عرف بات مألوفاً في عموم القارة الخضراء، تم تعيين سيدة غير مسيحية ومن أصول آسيوية، كوزيرة في الوزارة البريطانية، وهي سعيدة وارسي، الباكستانية الأصل، في الحكومة الائتلافية الجديدة في بريطانيا عن حزب المحافظين ما يعني أن الغربيين ليس لديهم أي فيتو على ديانة أو عرق أو أصول أي مهاجر يشغل منصباً عاماً، ورفيعاً، ولكن وبكل أسف قد لا يكون لدى هذا المهاجر نفس تلك القيم. وقد صرح أبو حمزة المصري ذات يوم بـأنه يستخدم بريطانيا كـ" تواليت" يقضي حاجته فيه، وأنه سينقض عليه في اللحظة المناسبة. وهذا الأمر سيفسح بالمجال، ومع تكاثر الجاليات المهاجرة، ونقص ملحوظ في الزيادات السكانية بالنسبة للسكان الأوروبيين، فإن هذا قد يزيد من مخاطر انهيار المشروع التنوير الغربي الأوروبي أمام ثقافات وافدة خربت بلدانها الأصلية، وها هي اليوم تقتحم قلب التنوير الأوروبي لتعيث فيه خراباً ودماراً ثقافياً، وفكرياً، وسلوكياً، تحت تبريرات وألوية وشعارات احترام حقوق الإنسان الخفاقة التي يتاجرون بها وهم أبعد ما يكونون عنها. ومع العلم أن كثيراً من هؤلاء المهاجرين، يرفضون الاندماج والتكيف والتأقلم واستيعاب الثقافة الأوروبية، ونراه أكثر تمسكاً بذات القيم والأعراف والثقافات التي أهلكت الحرث والضرع في بلدانهم الأصلية.
فنعم أوروبا باتت مهددة اليوم، وأكثر من أي يوم مضى، بقيم غير حضارية، وبثقافات مغلقة وأحادية متكلسة ومتحجرة تتقدم بعمق وتفرض ذاتها على الأوروبيين في عقر دارهم مهددين معه هذا الركن الإنساني الرائع الذي كان ثمرة لتضحية ونضال رواد التنوير الكبار المعروفين الذي يبدو أن جهودهم قد ضاعت سدى اليوم، وبكل أسف وحسرة، وأن رفاتهم تتحرك وتتململ في أجداثها، جراء الزحف الثقافات المهاجرة وتوغلها وتمددها غير الآمن والخطر في العمق الأوروبي العلماني المستنير. نضال نعيسة