ريتشارد لونغ تعلم أخلاق الطبيعة واستوعب الدرس التأملي



الارض امنا

حين رأيتُ واحدا من أشهر أعماله في متحف الفن الحديث في هلسنكي قبل أعوام، أخرجني ريتشارد لونغ بعنف من المتحف ودفع بي إلى الشوارع بحثا عن غابة مجاورة. كانت دائرته التي صنعها من قطع خشبية يابسة أُحضرت للتوّ من الغابة، تجعل متلقيها يتنفس هواءا مختلفا.

هناك انفصال جلي بين ذلك العمل وبقية الأعمال الفنية المعروضة، كانت مادة ذلك الانفصال هي الحياة نفسها التي حاول لونغ أن يلجها من خلال دورة مهمومة بفضائل موادها. ولأن لونغ أشبه بمسّاح للأراضي فقد كانت أعماله مثل لقى نفيسة يعثر عليها المرء لتهبه خيالها من غير أن تقيده بالمصير الذي انتهت إليه شكليا. لقد تعلّم هذا الفنان، وهو واحد من كبار مشّائي عصرنا، أخلاق الطبيعة من المشي، بحيث صار يحرص على أن لا تقلق أعماله النائمة على الأرض هدوء الطبيعة وسكونها ولا تحل بزخرفها مثل ضيف طارئ.

إنها تنبت بتلقائية ككل شيء جوهري. "مثل أي شيء في الطبيعة في إمكان منحوتاتي أن تتحرك وتختفي وتتنقل"، يقول ريتشارد لونغ وهو يعرف أن منحوتاته التي صُنعت بمادة طبيعية مباشرة إنما تنشئ علاقة عاطفية غامضة غير أنها متينة بين مختلف المسافات والازمنة والاحجام والحركات، علاقة تفتح افاقا جغرافية هي انعكاس لرغبة المشّاء في أن يكون وجوده ذا دلالة "المشي في حد ذاته نوع من التاريخ الثقافي" يقول ويجد في الشعر الياباني مثالا بارزا يؤكد من خلاله فلسفته.

من يتأمل أعماله بعمق يتأكد له أن الرجل لا يطمع في اضفاء جمال على الطبيعة، بقدر ما يسعى إلى أن يترك اشارات تدل عليه وإلى أن يكون لقدميه الحالمتين أثرهما في الاماكن الفارغة التي تركتها الطبيعة مواقع لفعل جمالي متوقع. يستجيب الفنان إذاً لإرادة الطبيعة. هوذا مصير آخر من مصائر الطبيعة يتحقق على يديه. أن تكون أعماله موجودة في متحف أو صالة عرض فني، فهي المعجزة الملفقة التي يُراد من خلالها اضفاء نوع من التحذلق على الفن. الاعمال بدورها ستأخذ هيأة المنفي الضعيف الذي لا يرى في وجوده في تلك الأمكنة إلا نوعا من القهر.

يمكننا أن نتفهم أسباب عزوف لونغ "المولود في بريستول ببريطانيا عام 1945" عن العرض في القاعات المغلقة. يفضل المرء أن يدعو الناس إلى بيته على أن يحمل بيته إلى الناس، في هذه المفارقة التبسيطية، يقيم فن عرف صانعه كيف ينتمي بقوة إلى فكرة العيش مشياً.

فبعدما استوعب لونغ الدرس التأملي الذي اكتسبه من نزهاته البرية في الريف الانكليزي، تشظت الخطوط التي صارت تتقاطع بين خطواته من كندا في نصف العالم العلوي إلى منغوليا في نصفها السفلي وصولا إلى بوليفيا في أقصى الجنوب الغربي. مثل الشاعر الفرنسي هنري ميشو، غير أنه لم يكن يكتفي بالأثر المحلّق بل كان يترك منه أثرا قد يزول.

وما من شيء يبقى إذا انتسب بعمق إلى رؤى الطبيعة التي غالبا ما تمكر بنفسها. "هدفي الوصول الى فن جديد وهو ما يمكن أن يعلّمنا طرقا جديدة في المشي"، يقول ليلغي الوشاية المخاتلة التي تقول "مر من هنا"، وهي وشاية صارت المتاحف تقبل عليها بعدما تأكد للجميع أن هذا الفنان استطاع فعلا أن يخلق فنا جديدا، مواده الأحجار والخشب والحصى والأصداف والمياه والعشب.

كان لونغ واحدا من أهم مخترعي النحت الذي يستجيب لمفهومه المطلق، وهو فن يستلهم قوته من طاقة غير محدودة تقيم في الحدود الوهمية التي تفصل بين الفراغ والكتلة.

عام 1967 أنجز لونغ أول أعماله في هذا المجال، كان ذلك العمل يحمل عنوان "علامة خط مستقيم في حقل للعشب"، وكان ذلك الخط هو الطريق التي تقود إلى لا مكان، مثلما قال بنفسه، آثار قدميه التي صنعت ذلك الخط لم تكن ذات معنى، ولكنها لن تكون كذلك دائما، لقد مكّنه المشي كما مكّننا من توسيع قدرتنا على فهم النحت فنا لا يتقيد بصورته الممكنة أو بتقنياته المتاحة.

المشاء ريتشارد لونغ
ربما يستغرب البعض أن لونغ لا يزال يصر على تسمية نفسه نحاتا وعلى تسمية ما يفعل نحتا. منحوتات لونغ هي اشياء مغايرة لما عهدناه من النحت غير أنها في العمق تظل مخلصة لمبدأ الضرورة التي ينعم بها ذلك الفن، من حيث قدرته على ادراك المعنى الخفي لحيوية الطبيعة وهي توازن بين حقيقتي الكتلة والفضاء الذي يحيط بها و يتخللها.

يكتب لونغ سيرته من خلال أعماله، سيرة المشّاء الذي قرر أن يذهب بشجاعة إلى مصير هو في حقيقته نوع من الامتزاج الخلاّق بالطبيعة، لن يعود ذلك المشّاء من رحلته بشيء يذكر، لا لشيء إلا لأن ما يؤرخ لتلك الرحلات هو ملك المكان الذي نبت فيه "انا ايضا ارغب في أن أجعل الطبيعة موضوعا لكن بطرق جديدة، بدأت العمل خارج المحترف مستعملا مواد الطبيعة كالعشب والماء للوصول الى صنع منحوتات المشاء"، ولكن تلك المنحوتات وقد قدِّر لها أن تعيش حياتها الخاصة لن يكون في إمكانها أن تعود إلى المحترف.

ولن يكون في إمكان متلقيها أن يتخيل ان صانعها قد عاد بعدها إلى بيته ووضع رأسه على وسادة ونام، يمكننا أن نتخيل للونغ فراشا من الحجر ووسادة من العشب ونارا قريبة تدفئه بخشبها المشتعل.

سيرة زهده واضحة في أعماله. فعلى الرغم من أنه كان يرتاد طبيعة غنية بموادها غير أنه كان يكافح في أن ينفذ أعماله بأكثر المواد زهداً، مخلصاً في ذلك إلى مفهومه التقليلي في الفن. سيكون الاقل دائما هو الأكثر ربحا وهو الأثقل في الميزان الجمالي. المشّاء التائه هو في حد ذاته عبرة، لا يحتاج إلى أن يعود إلى بيته بحجر أو صدفة أو خشبة ليؤكد لنا أنه قد تغيّر.

ذلك الرجل الذي يرغب في أن يمشي من جديد، لا يهمه أن يجلب دليلا على رحلته، أعماله التي تهاجر بنا، تجعلنا على يقين من أن الفن الحقيقي من شأنه أن يواجهنا بخلاصة عاطفة استثنائية تعيد مادته إلى أصولها، يعلّمنا لونغ أن الطبيعة التي لا غنى عنها في الدرس الجمالي مستعدة للقبول باقتراحاتنا الجمالية، بشرط أن نحترم قوانينها. "ما بين السماء والأرض"، وهو عنوان معرض لونغ الأخير، تقع سيرة المشّاء الذي قرر أن يكون لآثار قدميه معنى. لا بأس إن لم يتمكن أحد من اقتفاء آثره، فريتشارد لونغ هو صنيع تلك العزلة التي تهبنا فتوحاً خيالية على شكل دوائر أو مربعات من الخشب أو الحجارة.