رياض طبارة: بلد الحرية يستعبد الشعوب

'الأميركي جاهل بما يحدث خارج بلاده'

يتساءل الاكاديمي والدبلوماسي اللبناني رياض طبارة كيف استطاعت اميركا بعد ان كانت رائدة في ادخال الحريات الشخصية وحقوق الانسان والديمقراطية في دستورها وقوانينها ان تقوم في الوقت نفسه باستعباد شعوب اخرى وإبادتها.

ورأى ان من اسباب ذلك سببا مهما هو الخوف الناتج عن الجهل.

كان الدكتور رياض طبارة الاختصاصي في الاقتصاد والذي عمل استاذا في جامعة بركلي في كاليفورنيا وحاضر في عدة جامعات أميركية وعمل سفيرا للبنان في واشنطن يتحدث في كتابه "اميركا والحريات.. نظرة تاريخية" الذي صدر في 398 صفحة متوسطة الحجم عن دار رياض الريس للكتب والنشر في بيروت.

وقال المؤلف ان الاباء المؤسسين للولايات المتحدة اصدروا في وقت مبكر هو الرابع من يوليو تموز سنة 1776 (وثيقة اعلان الاستقلال) التي تبناها مندوبو المستعمرات البريطانية آنذاك في اليوم نفسه.

وفي الفقرة الثانية من هذه الوثيقة التي تشرح سبب انفصال المستعمرات عن البلد الام بريطانيا وضع الاباء المؤسسون مفهومهم لشرعية الحكم اذ جاء فيها ان هذه الدولة الجديدة "تؤمن بحقائق بديهية ألا وهي ان الناس خلقوا متساوين وأن خالقهم حماهم بحقوق معينة لا يمكن نكرانها او التصرف بها وأن من بينها الحق في الحياة والحرية والسعي وراء السعادة.

"ولضمان هذه الحقوق تنشأ الحكومات بين الناس مستمدة سلطتها العادلة من موافقة المحكومين. وعندما يصبح اي شكل من اشكال الحكم في اي وقت من الاوقات هادما ومدمرا لهذه الغايات يصبح من حق الشعب ان يغيره او يلغيه وأن يشكل حكومة جديدة مقيما اساسها على المباديء ومنظما سلطاتها وفق الكيفية التي تبدو له افضل ملاءمة لتحقيق سلامته ورفاهه".

وبعد نقاش استمر سبعة اشهر اصدر المجتمعون مسودة دستور في سبتمبر ايلول من سنة 1787 تم عرضها على الولايات الثلاث عشرة واصبحت في مارس آذار من السنة التالية دستور الولايات المتحدة الأميركية الذي حدد الاطار القانوني للجمهورية وفصل السلطات الثلاث عن بعضها وحدد صلاحيات كل منها.

واضاف يقول في خلاصة لابحاثه "وعلى الرغم من ان الدستور احتوى على بعض المواد التي تحمي الحريات الشخصية كحرية الكلام وحرية المعتقد وحرية المواطنين بالمثول امام المحاكم وعدم التعرض للسجن الاعتباطي وغيرها كان هناك اصرار واسع من قبل الولايات وأكثرية المشرعين على ادخال شرعة حقوق واسعة وصريحة في صلب الدستور تحمي المواطنين من اي تعسف محتمل من قبل الدولة. تقرر ادخال شرعة الحقوق هذه في الدستور على شكل سلسلة ملحقات ‭amendments‬".

وقال "كان الدستور الاميركي في يومه رائدا سباقا في مجال الحريات والديمقراطية بشكل عام بين الدساتير الحديثة خاصة اذا اضفنا اليه ما يتعلق بالحريات في مقدمة وثيقة اعلان الاستقلال التي سبقته "والتي اعلنت سنة 1776" اي قبل ثلاث عشرة سنة من (اعلان حقوق الانسان والمواطن) الذي اصدرته الجمعية الوطنية الفرنسية قبيل الثورة الفرنسية والذي اكد في بنده الاول على الحرية والمساواة وفي بنوده الاخرى على ان مسؤولية القيمين على الدولة هي تجاه الشعب.

"هذا لا يعني طبعا ان هذه الحريات التي تضمنها الدستور الأميركي هي من صنع الأميركيين دون سواهم. فهذه الافكار كانت متداولة في فرنسا قبل الثورة وبعض من بنودها الاساسية كانت قد دخلت في النظام السياسي الانجليزي... وذلك منذ القرن الثالث عشر وصدور الماجنا كارتا ومراجعاتها ومن ثم في القرن السايع عشر... كما ان مجلس النواب البريطاني كان قد اصدر شرعة الحقوق سنة 1688 ضمنها بعض الحريات المتعلقة بالكلام وتحديد قدرات الملك".

وتابع رياض طبارة يقول "ولكن يبقى السؤال: كيف استطاعت أميركا بعد هذه القفزة النوعية والسباقة في ادخال الحريات الشخصية وحقوق الانسان والديمقراطية بكل تفاصيلها المعمول بها اليوم ان تقوم في الوقت نفسه بحرمان السكان الاصليين للبلاد الهنود الأميركيين من حقوقهم ولمدة طويلة وصولا الى ابادتهم بطريقة شبه كاملة؟

"وكيف استطاعت وهي تعيش في ظل اول دستور في الغرب يحمي الناس بالكامل من تعسف الحكومة ويؤمن لهم "الحق في الحياة والحرية والسعي وراء السعادة" ان تكون في الوقت نفسه راعية لاكثر انظمة العبودية قساوة وظلما يطال البيض ذوي العقود الالزامية كما يطال العبيد السود ولا تتخلى عنه الا بعد ان كانت قد تخلت عنه كل اوروبا والاميركيتان (باستثناء البرازيل)".

وتساءل كيف تأتى لأميركا أن "تسمح بقوانين تحرم السود من حقوقهم الكاملة في التعليم والسكن والوظيفة والعيش المحترم اي الى ما بعد ان انهت كل دول العالم تقريبا نظام العبودية في بلادها (باستثناء عمان 1970 وموريتانيا 1981)؟"

بالنسبة الى السكان الاصليين كانت الحجة انهم متوحشون يجب تمدينهم اما بالنسبة الى السود "فلم يعتبروا اناسا الا بالنسبة لعدد الاصوات التي تعطى لكل ولاية حيث يحسب العبد الاسود ثلاثة اخماس الشخص الابيض ولكنه لا يمنح حق الاقتراع.

"يقول نعوم تشومسكي بهذا الصدد: ان الاباء المؤسسين لم يقصدوا بكلمة 'اناس' كل الناس فالسكان الاصليون لم يكونوا اناسا ولذا فحقوقهم كانت غير موجودة. النساء كن بالكاد ناسا... العبيد لم يكونوا ناسا".

اضاف طبارة يقول "السبب الاخر الذي جعل أميركا تخرج في تاريخها عن روح دستورها هو عقيدة الخوف لدى الأميركيين من الخارج وان هناك من يريد ان يسلبهم طريقة عيشهم والمكتسبات التي حصلوا عليها في عالمهم الجديد".

اما اسباب ظاهرة الخوف هذه فيقول ان السبب الرئيسي بينها "برأينا هو جهل الأميركي العادي لباقي العالم ولحقيقة ما يحدث خارج بلاده".

وفي استطلاع اجرته الجمعية الجغرافية الوطنية بالتعاون مع معهد روبر سنة 2006 لعينة من الشباب الأميركي البالغين من العمر 18 سنة الى 24 سنة اي النخبة من السكان الاكثر تعليما والمتخرجة حديثا من المدارس الثانوية والجامعات تبين مثلا ان 63 في المئة لا يعرفون اين يقع العراق على خارطة الشرق الاوسط على رغم ان غزو العراق من قبل الجيش الأميركي كان قد بدأ قبل اربع سنوات.

وأضاف "88 في المئة لم يستطيعوا ان يحددوا موقع افغانستان على خارطة آسيا رغم ان أميركا كانت منخرطة في حرب هناك... وفي استطلاع قامت به الجهة نفسها شمل سبع دول اخرى... طلب الى الشباب (18 الى 24 سنة من العمر) تحديد عدد سكان الولايات المتحدة فجاءت نسبة الاجابة الصحيحة من سائر البلدان اعلى من نسبة اجابة الأميركيين اذ بلغت نسبة هؤلاء 25 في المئة.