روسيا وتأزيم الموقف التركي في الازمة السورية

بقلم: د. دياري صالح مجيد

موضوع الطائرة المدنية السورية التي تم اعتراضها في الاجواء التركية واجبارها على الهبوط في احد المطارات التركية بغية تفتيشها ومن ثم مصادرة بعض المواد التي قيل بانها تخرق الحظر الذي اعلنته تركيا على نقل الاسلحة الى سوريا، يكشف عن عمق الازمة التي بدأت تتجمع سحبها اليوم في سماء العلاقات الروسية – التركية.

تزامنت تلك الحركة التركية مع ثلاثة مواضيع مهمة. الموضوع الاول تمثل في زيارة الوفد العراقي الرسمي برئاسة رئيس الوزراء نوري المالكي الى موسكو، والتي تم فيها التوصل الى ابرام عقود تسليح ومشاريع في مجال الطاقة. كما قادت الى تعزيز الرؤية المشتركة للبلدين في نظرتهما من الازمة السورية، والتي تقوم على مبدأ الحل السلمي الداخلي لهذه الازمة دون اي تدخل خارجي يتحكم في مصير الشعب والارض السورية، وهو عادة ما يأتي على لسان وزير خارجية روسيا الذي اكد في اكثر من مرة على الاتي "ان بلاده تقف بقوة مع القوى الداعمة للحل السلمي والدبلوماسي في سوريا وتعارض بالمقابل التدخل العسكري الخارجي تحت ذريعة حماية المدنيين"، وهو ما يبرر النبرة التي تحدث فيها الجانب العراقي في وصفه للتدخل التركي في الموضوع السوري. في حين تمثل الموضوع الثاني في استمرار حالة السجال الداخلي التركي من موضوع التوتر العسكري على الحدود مع سوريا بعد اتهام الاخيرة باطلاق قذيفة حربية على احدى القرى الحدودية التركية، حيث أفضى هذا السجال الى تعالي العديد من الاصوات التركية المنددة بالسياسة التي ينتهجها حزب العدالة والتنمية في هذا الملف. اما الموضوع الثالث فقد جاء متزامنا بالضبط مع ذات اليوم الذي حصل فيه موضع اعتراض الطائرة السورية، وتمثل في الاعلان عن تواجد للقوات الاميركية على الحدود الاردنية – السورية وكذلك عند الحدود التركية – السورية ايضا. اذ اشارت في هذا الصدد صحيفة التايمز الى ان قوات خاصة اميركية وفرنسية تتواجد الان في جنوب تركيا منذ عدة اسابيع. في حين صرح وزير الدفاع الاميركي بانيتا بان "فريق المخططين العسكريين الاميركان موجود في الاردن الان لمساعدة الحكومة الاردنية في صراعها مع ازمة اللاجئين السوريين والعمل على تقوية وتعزيز امكانياتها العسكرية فضلا عن الاستعداد لاي مشكلة تتعلق بالترسانة الكيميائية السورية".

المتتبع لموضوع الخلاف الروسي – التركي حول حمولة الطائرة، يجد بان تركيا وقعت ايضا في مرحلة جديدة من التخبط في علاقاتها مع روسيا عبر بطلان الحجة المستغلة في هذا الصدد. ففي الوقت الذي اعلنت فيه انقرة صراحة بان تلك الطائرة القادمة من موسكو تحمل شحنة عسكرية غير مسموح بها وهو ماصرح به رئيس الوزراء التركي اردوغان بالقول "ان طائرة الركاب المدنية السورية التي اجبرت على الهبوط في انقرة يوم 10 اكتوبر كانت تحمل مواد عسكرية ممنوعة واتهم وكالة الدفاع الروسية بانها هي التي ارسلت هذه الشحنة الى سوريا"، نجد المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية الاميركية تقول في رأي مناقض تماما "اننا نعترف بان روسيا لم تخرق المقاطعة المفروضة على الرئيس السوري بشار الاسد وحكومته، الا انه بالرغم من ذلك لا زالت سياستها غير منصفة اخلاقيا في تعاطيها مع الشأن السوري". في حين اكد بالامس (18-10-2012) وزير الخارجية الروسي حقيقة المأزق الدبلوماسي التركي بالقول "لقد اعترفت تركيا بشرعية الحمولة المصادرة، لكنها اشتكت من اجراءات نقلها دون اخطار الجانب التركي بها". ولعل احد مؤشرات التخبط السياسي التركي من موضع العلاقة مع روسيا جاء في حقيقته عبر الرأي الذي طرحه نائب حزب الشعب الجمهوري المعارض في تركيا الذي قال "ان حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا يجني اكثر الثمار مرارة من سياسته التي ينتهجها ضد سوريا بعد القرار الخاص باجبار الطائرة السورية على الهبوط في احد المطارات التركية... وهو مايعد الثمرة الاكثر سوء لسياستها الخاطئة والمتحيزة في سوريا".

لا احد بعد يعرف حقيقة الدور الاميركي من موضوع تأزيم العلاقة التركية – الروسية وابعاده، الا انه من المؤكد ان اميركا تعاني هي الاخرى من ازمة في تصوراتها التي تحكم تحركاتها السياسية على ارض الواقع في سوريا. اذ يبدوا بانها بعد لم تحسم امرها في معرفة حقيقة حدود الدور الروسي هناك، طالما انها محكومة في رؤيتها لهذا الدور بامكانية تشبيهه بما حصل من تقهقر روسي في الملف العراقي لحساب الولايات المتحدة سابقا، وبكونها ايضا محكومة بتصور اخر تحدث عنه هنري كيسنجر قبل فترة قليلة من الزمن في احدى حواراته في المنتدى العالمي للجيوبولتكس والاقتصاد عند تحليله للوضع الحالي في العالم حين قال عن الدور الروسي مايلي "ان الولايات المتحدة اصطادت الصين وروسيا وان المسمار الاخير في نعش قوتهما سيكون في ايران، التي تعتبر الهدف الاساس لاسرائيل. لقد سمحنا للصين بزيادة قوتها العسكرية ولروسيا بالشفاء من امراض العهد السوفيتي، من اجل اعطائهما شعورا كاذبا بالقوة، وهو ما سيقود الى تعرضهما لنهاية سريعة".

الا ان ما يجري على ارض الواقع يبين حجم التهويل الذي يمارسه الاعلام لهذه الافكار والتصورات خاصة وان روسيا ليست كما يظنها كيسنجر التي يبدو انه ينظر اليها بمنظار الدول الشرق اوسطية لا غير، وهو بذلك ينكر مكانتها الجيوبولتيكية المتصاعدة في ظل ما يجري من تطور لدورها في مناطق العالم المختلفة ومنها بالطبع المنطقة العربية. لذا نرى ان الدبلوماسية الروسية قد دفعت الحليف التركي التقليدي للاميركان في زاوية حرجة مجددا كي تؤكد حضورها الفعلي والمباشر في اي تطورات مستقبلية تخص الموضوع السوري، وقد حصل ذلك من خلال الادراك التركي لما اتخذته او يمكن لروسيا ان تتخذه من خطوات تجاهها والتي يمكن ايجازها بالتالي:

1. الغاء الزيارة التي كان من المقرر ان يقوم بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى تركيا بتاريخ 15 من اكتوبر. والتي كان يؤمل فيها ان تجري حوارات متعددة تتعلق بملفات الامن والطاقة في كلا البلدين. فضلا عن مناقشة تطورات الموضوع السوري، الذي يبدوا انه آخذ في التعقيد مع مرور الزمن.

2. ناهيك عن التعطيل المؤقت نقل الغاز الطبيعي عبر ايران الى تركيا والذي جاء بفعل التعاون الروسي – الايراني. وهو ما سيكلف تركيا اضرار اقتصادية غير قليلة عبر حرمانها من امتيازات تدفق الغاز عبر اراضيها الى اوربا.

3. فضلا عن امكانية قيام روسيا بوقف ضخ غازها الطبيعي الى تركيا، وهو ما سينعكس سلبا على الاقتصاد التركي ايضا.

4. قدرتها على تفعيل الازمة التركية مع حزب العمال الكردستاني، خاصة في ظل العلاقات التاريخية التي تملكها روسيا مع هذا الحزب.

5. قدرتها وعبر التعاون مع ايران على تضييق الخناق على المصالح التركية في القوقاز واسيا الوسطى

6. قدرتها على تأزيم العلاقات التركية – الارمنية – اليونانية في هذا الوقت الحرج بالنسبة لتركيا.

7. قيام الجانب السوري وعبر التنسيق مع روسيا على الغاء استيراد الكهرباء من تركيا. اذ تعتبر تركيا المزود لـ 20% من احتياجات سوريا من الطاقة الكهربائية. وهو ما يعد عاملا مضافا للتاثير سلبا على الاقتصاد التركي.

8. عملت روسيا على تقديم مقترح للتعاون الامني بين دمشق وانقرة بهدف ضبط الحدود فيما بينهما ووقف كل الاعمال التي تقود الى توتر العلاقات بين الطرفين. وهو المقترح الذي وافقت عليه دمشق ايضا بالتنسيق مع موسكو، بهدف الحاق مزيد من الوهن في الموقف التركي من الازمة السورية. حيث اعلنت وزارة الخارجية السورية في هذا الصدد ما يلي "أن سوريا ناقشت مع السفير الروسي في دمشق استعدادها لإنشاء لجنة أمنية سورية - تركية مشتركة، تتولى مهمة إيجاد آلية لضبط الأوضاع الأمنية على جانبي الحدود المشتركة في إطار احترام السيادة بين البلدين".

قد يجادل البعض بالقول بان الجانب الروسي عودنا على تراجعه في اللحظات الاخيرة من القضايا الحاسمة حين يتعلق الامر بالاميركان والادلة على ذلك كثيرة. وهو رأي صائب لا يمكن اغفاله لمن يتتبع السياسة الروسية في العالم العربي، الا ان ما تعانيه اليوم روسيا من تهديد مباشر بأستمرار تقزيم دورها الذي تعمل جاهدة على استعادته في شؤون الشرق الاوسط، قد يعد احد اهم المؤشرات التي تدلل على ان روسيا ستفكر جديا بعدم تكرار ذات الاخطاء مجددا كونها تدرك ما يعنيه هذا الامر استراتيجيا بالنسبة لها. لذا كانت سياستها تجاه الموقف التركي من الملف السوري وتجاه الازمة الاخيرة مصدرا لجذب انتباه المراقبين وبالذات منهم الاميركان لحدود وامكانيات الدور الذي يمكن لروسيا لعبه في هذا الموضوع، وهو ما يجعل العلاقات الروسية – التركية من اهم مؤشرات الحكم على هذا الدور في ظل حالة الاستقطاب الجارية اليوم في الازمة السورية.

د. دياري صالح مجيد

كاتب واكاديمي عراقي

Dr.diearrysm_iraqiwriter@yahoo.com