روسيا تشهد قفزة سياحية واسعة

موسكو
عروض فرقة البولشوي العريقة من اكثر ما يجذب السائحين

ينتظر ان تشكل الارباح العائدة من السياحة في وقت قريب جدا ما نسبته 70 بالمائة من واردات موازنة لندن، بينما يثري السياح الاجانب خزينة باريس بما يعادل 20 مليار دولار سنويا. فأين موسكو من ذلك واين الريف الروسي منه ايضا؟
لدى روسيا في هذا المجال امكانيات ليست بالقليلة تتمثل بالمعالم السياحية المتنوعة والجذابة الى حد بعيد. ولكن هل تستغل هذه المعالم بنسبة 100 بالمائة؟
في عام 2001 زار روسيا 4.7 ملايين سائح أجنبي. وزارها خلال 9 سنوات قبل ذلك أي في الفترة التي تلت انهيار الاتحاد السوفييتي مباشرة 5.2 مليون سائح فقط. وقتها كان السياح "الشجعان" فقط يتجرأون على زيارة البلاد التي بدأت بالكاد تغير جذريا من واقعها السياسي-الاقتصادي الأمر الذي جعلها تخضع لازمة اقتصادية كبيرة كما يحدث ذلك عادة في التاريخ خلال تحولات كهذه.
غير ان المؤشرات الروسية الحالية ازدادت بمعدل 3 مرات بالمقارنة مع عام 1992 ولكنها لا تزال مؤشرات متدنية. فروسيا تحتل المرتبة الـ 13 بين الدول الاوروبية في مجال السياحة.
وبينما زار موسكو في العام الماضي 7.1 مليون اجنبي، زار امستردام 8.2 مليون ونيويورك 38 مليونا! ويعتقد رئيس الوزراء الروسي ميخائيل كاسيانوف بأن روسيا "تعنى بشكل قليل بمسألة احراز موقع لها في مجال صناعة السياحة العالمي".
والسؤال الذي لابد ان يقفز الى الذهن هو: لماذا يؤم البلاد المتميزة بغناها التاريخي وآثارها الفريدة ومتاحفها ومسارحها ذات المستوى العالمي هذا العدد من السواح الذي هو أقل بكثير مما ينبغي ان يكون؟ وهل من المعقول ان يكون المرء غير مباليا بالثروات والكنوز الروسية ذات الشهرة العالمية؟
ان المسألة لا تكمن بالطبع في عدم المبالاة. فالمعوقات في وجه السياحة تشكلها عوامل أخرى. ويورد الاختصاصيون من بين تلك العوامل فقر وتخلف البنية التحتية للقطاع السياحي، والمعاناة الطويلة للحصول على تأشيرة دخول التي تكلف مع ذلك مبالغ طائلة، بالاضافة الى الوضع المبكي الذي تعاني منه بعض المعالم السياحية.
ان هذه المشاكل كلها هي من تداعيات الوضع الذي نشأ في عام 1999. ففي تلك المرحلة الاولى من اصلاحات السوق وجدت خزينة الدولة نفسها محرومة من جزء كبير من الايرادات السابقة ولم تتمكن من دعم ورعاية عدد من القطاعات الاقتصادية الاساسية. بينما تمكن عدد آخر من تلك القطاعات من الاستمرار بالعيش بفضل "اللقاحات" المالية التي كانت تحقنها بها الدولة.
وهكذا كان الوضع مع السياحة. فلقد عانت مؤسسات هذا القطاع الامرين في فترة "الجوع المالي" وخاصة خارج المدن الكبرى. وكان ينتظر تلك المؤسسات في أحسن الاحوال الخضوع لاختبار الركود او الاقفال في اسوأ الاحوال. ولقد سلمت تلك الفنادق والمجمعات السياحية في احيان كثيرة بفضل تمكنها من ايجاد الموارد لدفع رواتب العاملين فيها.
ان برنامج تطوير السياحة في روسيا حتى عام 2005 وهو برنامج اقرته الحكومة في نيسان/ابريل من العام الجاري يهدف الى تحديث البنية التحتية السياحية، ابتداء من انشاء مطارات جديدة واعادة تأهيل القديمة وصولا الى ترميم الآثار التاريخية والصروح الثقافية في موسكو وسانت بيتربورغ وشمالي غرب البلاد بالاضافة الى ما يسمى بالحلقة الذهبية اي الطريق السياحي الممتد دائريا من العاصمة حتى الشمال الشرقي منها مرورا بعدد من المراكز السياحية.
ومن بين المهمات الملحة بناء فنادق الثلاث نجوم. فموسكو وسانت بيتربورغ قد امتلأتا بفنادق الخمس نجوم المحسوبة على ممثلي قطاع الاعمال الكبار. ولكن يزور روسيا في الوقت نفسه وبشكل خاص أجانب من الطبقة الوسطى والمتقاعدين. وهؤلاء لا يرغبون، وليس بامكانهم، حتى صرف أموالهم على الخدمات الفندقية الباهظة الثمن. ولذلك تفقد موسكو بسبب النقص في فنادق الثلاث نجوم كما تقول معلومات جمعية وكالات السياحة الروسية 40 بالمائة كحد ادنى من الزوار سنويا.
ومن المفترض انه بحلول عام 2010 سيكون في البلاد من 20 الى 30 فندقا من الحجم المتوسط كما تعد السلطات. ولكن هذا في موسكو فكيف ستكون الامور خارج العاصمة؟
هناك ستكون الامور أسوأ. ولكن مع ذلك حدث في فترة ما ان جرى في المدن الروسية القديمة الجذابة بالنسبة للاجانب مثل فلاديمير وسوزدال (شمالي شرق موسكو) ونوفغورود (في الشمال الغربي) وكوستروما وياروسلافل تشييد فنادق جيدة بحسب مقاييس ذلك الزمن وهي فنادق ذات مردود جيد. كما وان السياحة كانت تطعم بعض المدن بشكل كامل.
واليوم تبذل الخطوات والجهود من أجل احياء هذا التطبيق. ولكن بناء الفنادق او تحديث ما هو موجود منها وكذلك تشييد مراكز خاصة للخدمة السياحية السريعة ( مع مكتب استعلامات ومقاهي وأكشاك مبيع تذكارات وخرائط وأدلة سياحية وغيرها) أمر باهظ التكاليف بالطبع الا ان اية استثمارات يمكن ايداعها في هذا المجال سيكون لها مردود سريع. وسوف يشارك اصحاب المشاريع الخاصة في انشاء البنية التحتية السياحية الى جانب الدولة. وكما يقول برنامج التطوير المقرر من الحكومة فان أفضل الفنادق العالمية (تم ابرام العقود معها) سوف تساهم في رفع كفاءة موظفي الفنادق الروس وذلك دون الكلام عن المؤسسات التعليمية الوطنية العالية المتخصصة بالمجال السياحي. اما اعادة تأهيل الآثار السياحية والثقافية التي عددها في روسيا كبير جدا فان الدولة تأخذ هذا الامر على عاتقها.
أما فيما يتعلق بسياسة التأشيرات فانها تعطي الضوء الاخضر للسياحة داخل البلاد. وسوف تكلف التأشيرات من الآن فصاعدا اموالا أقل وستعطى بشكل أسرع. ويلفت نائب وزير شؤون التنمية الاقتصادية والتجارة فلاديمير ستيرجالكوفسكي قائلا "على الدولة ان لا تكسب من قيمة التأشيرات وانما من قيمة الخدمات الاضافية التي تقدم للسائح خلال زيارته".
ويعتقد الاختصاصيون بانه في حال جرى تعزيز الصناعة السياحية وأرفقت بالاعلام المناسب لها فان روسيا لن يكون لديها امكانية من التخلص من السواح. وهذا يعني ان ميزانية العاصمة كما والموازنة الفيدرالية سوف تحصلان على مصدر اضافي للواردات وسوف تخلق فرص عمل جديدة. وبكلمة واحدة : ان اللعب الذكي والواعي على هذه الساحة يمكن ان يحول ما تملكه روسيا من تاريخ وثقافة الى مصدر هائل للارباح.